ولقد كلمني بعض الملحدين في مجلس الأمير السعيد ركن الدولة - رضي الله عنه - فقال لي: وجب على إمامكم أن يخرج فقد كاد أهل الروم يغلبون على المسلمين. فقلت له: إن أهل الكفر كانوا في أيام نبينا صلى الله عليه وآله أكثر عددا منهم اليوم، وقد أسر عليه السلام أمره وكتمه أربعين سنة بأمر الله جل ذكره، وبعد ذلك أظهره لمن وثق به وكتمه ثلاث سنين عمن لم يثق به، ثم آل الأمر إلى أن تعاقدوا على هجرانه وهجران جميع بني هاشم والمحامين عليه لأجله، فخرجوا إلى الشعب وبقوا فيه ثلاث سنين. فلو أن قائلًا قال في تلك السنين: لم لا يخرج محمد صلى الله عليه وآله، فإنه واجب عليه الخروج لغلبة المشركين على المسلمين، ما كان يكون جوابنا له إلا أنه عليه السلام بأمر الله تعالى ذكره خرج إلى الشعب حين خرج، وبإذنه غاب، ومتى أمره بالظهور والخروج خرج وظهر. لأن النبي صلى الله عليه وآله بقي في الشعب هذه المدة، حتى أوحى الله عز وجل إليه أنه قد بعث أرضة على الصحيفة المكتوبة بين قريش في هجران النبي صلى الله عليه وآله وجميع بني هاشم، المختومة بأربعين خاتما، المعدلة عند زمعة بن الأسود، فأكلت ما كان فيها من قطيعة رحم، وتركت ما كان فيها من اسم الله عز وجل. فقام أبو طالب فدخل مكة، فلما رأته قريش ظنوا أنه جاء ليسلم إليهم النبي صلى الله عليه وآله ليقتلوه أو يرجعوه عن نبوته، فاستقبلوه وعظموه، فلما جلس قال لهم: يا معشر قريش، إن ابن أخي محمد لم أجرب عليه كذبا قط، وإنه قد أخبرني أن ربه أوحى إليه أن الأرضة قد بعثت على الصحيفة التي بينكم، فأكلت ما كان فيها من قطيعة رحم، وتركت ما كان فيها من أسماء الله عز وجل. فأخرجوا الصحيفة وفكوها، فوجدوها كما قال، فآمن بعض وبقي بعض على كفره، ورجع النبي عليه السلام وبنو هاشم إلى مكة. هكذا الإمام عليه السلام إذا أذن الله له في الخروج خرج. وشيء آخر، وهو أن الله تعالى ذكره أقدر على أعدائه الكفار من الإمام، فلو أن قائلًا قال: لمَ يُمهل الله أعداءه ولا يُبيدهم وهم يكفرون به ويشركون؟ لكان جوابنا له أن الله تعالى لا يخشى فواتهم فيعاجلهم بالعقوبة، ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، ولا يُقال له: لمَ ولا كيف. وهكذا إظهار الإمام، هو إلى الله الذي غيّبه، فمتى أراده أذن فيه فظهر. فقال الملحد: لست أؤمن بإمام لا أراه، ولا تلزمني حجته ما لم أره. فقلت له: يجب أن تقول إنك لا تلزمك حجة الله تعالى لأنك لا تراه، ولا تلزمك حجة الرسول صلى الله عليه وآله لأنك لم تره. فقال للأمير السعيد ركن الدولة (رضي الله عنه): أيها الأمير، راعِ ما يقول هذا الشيخ، فإنه يقول إن الإمام إنما غاب ولا يُرى لأن الله عز وجل لا يُرى. فقال له الأمير (رضي الله عنه): لقد وضعت كلامه في غير موضعه، وتقولت عليه، وهذا انقطاع منك وإقرار بالعجز. وهذا هو حال كل من يجادلنا في أمر صاحب الزمان عليه السلام، لا ينطقون في دفعه وجحده إلا بهذيان، ووساوس، وخرافات مزخرفة.
مناظرة المؤلف مع ملحد عند ركن الدولة
وذكر أبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي في آخر كتاب التنبيه: كثيرًا ما يقول خصومنا: لو كان ما تدعون من النص حقًّا، لادعاه علي عليه السلام بعد مضي النبي صلى الله عليه وآله. فيُقال لهم: كيف يدّعيه، ويقيم نفسه مقام مدّعٍ يحتاج إلى شهود على دعواه، وهم لم يقبلوا قول النبي صلى الله عليه وآله، فكيف يقبلون دعواه لنفسه؟ وتخلّفه عن بيعة أبي بكر، ودفنه فاطمة عليهما السلام سرًّا من غير أن يُعلِمهم بجنازتها، أدل دليل على أنه لم يرضَ بما فعلوه. فإن قالوا: فلمَ قبِلَها بعد عثمان؟ قيل لهم: أُعطي بعض ما وجب له فقبِله، وكان في ذلك كموقف النبي صلى الله عليه وآله حين قبِل المنافقين والمؤلفة قلوبهم. وربما قال خصومنا – إذا ألزمتهم الحجة وأثبتنا أن لا بد من إمام منصوص عليه، عالم بالكتاب والسنة، معصوم، لا ينسى ولا يغلط، واجب الطاعة بنص – فمن هو هذا الإمام؟ سموه لنا. فيُقال لهم: هذا انتقال إلى باب الإخبار، ونحن إنما تكلمنا في ما توجبه العقول بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله. فإذا ثبت ذلك بالدليل، فعلى الجميع أن يفتش عن الإمام الموصوف، وقد نقلت الشيعة النص على علي عليه السلام، وهم الآن في الكثرة واختلاف الأوطان والنيات، وما هم عليه من الانتشار يوجب العلم والعمل، خاصة مع عدم وجود طائفة تدعي النص لأحد غير علي عليه السلام. وإن عارضونا بزعم أصحاب زرادشت وغيرهم، قيل لهم: هذه المعارضة تُلزمكم في آيات النبي صلى الله عليه وآله، فإذا وجدتم لها مخرجًا، فذاك مخرجنا أيضًا. بل إن أخبار الشيعة أوثق، لأنهم لم يكن معهم دولة ولا سيف ولا رهبة ولا رغبة. والكذب في الأخبار لا يُنقل إلا لطمع أو خوف أو دعم من سلطان، وكل هذا منتفٍ عن أخبارهم. فإذا صح نقلهم للنص من النبي صلى الله عليه وآله على علي عليه السلام، صح بمثله نقلهم من علي على الحسن، ومن الحسن على الحسين، ثم على إمام إمام إلى الحسن بن علي، ثم على الإمام الغائب من بعده عليهم السلام. فقد شهد له رجال أبيه الحسن عليه السلام بالإمامة، وغاب لأنه كان مطلوبًا من قِبل السلطان، فوُكِّل بمنزله ونسائه سنتين. ولو قلت إن غيبة الإمام عليه السلام في هذا الزمان من أوضح الأدلة على صحة الإمامة، لقلت صدقًا، لصدق الأخبار المتقدمة وانتشارها. وقد ذكر بعض الشيعة الذين كانوا في خدمة الحسن بن علي عليهما السلام وكان من ثقاته، أن السبب بينه وبين ابن الحسن بن علي عليهما السلام كان متصلًا، وأن الكتب والتوجيهات كانت تخرج على يده إلى الشيعة، حتى تُوفي، فأوصى إلى رجل من الشيعة مستور، فقام مقامه في هذا الأمر.
وقد سألونا في هذه الغيبة، وقالوا: إذا جاز أن يغيب الإمام ثلاثين سنة وما أشبهها، فما تنكرون من رفع عينه عن العالم؟ فيقال لهم: في ارتفاع عينه ارتفاع الحجة من الأرض وسقوط الشرائع إذا لم يكن لها من يحفظها. وأما إذا استتر الإمام للخوف على نفسه بأمر الله عز وجل، وكان له سبب معروف متصل به، وكانت الحجة قائمة إذ كانت عينه موجودة في العالم، وبابه وسببه معروفان، وإنما عدم إفتائه وأمره ونهيه ظاهراً، وليس في ذلك بطلان للحجة. ولذلك نظائر، فقد أقام النبي صلى الله عليه وآله في الشعب مدة طويلة، وكان يدعو الناس في أول أمره سراً، إلى أن أمن وصارت له فئة، وهو في كل ذلك نبي مبعوث مرسل، فلم يبطل توقيه وتستره من بعض الناس دعوته ونبوته، ولا أدحض ذلك حجته. ثم دخل صلى الله عليه وآله الغار فأقام فيه، فلا يعرف أحد موضعه، ولم يبطل ذلك نبوته، ولو ارتفعت عينه لبطلت نبوته. وكذلك الإمام، يجوز أن يحبسه السلطان المدة الطويلة ويمنع من لقائه، حتى لا يفتي ولا يعلم ولا يبين، والحجة قائمة ثابتة واجبة وإن لم يفتِ ولم يبيّن، لأنه موجود العين في العالم، ثابت الذات. ولو أن نبياً أو إماماً لم يبيّن ويعلّم ويفتِ، لم تبطل نبوته ولا إمامته ولا حجته، ولو ارتفعت ذاته لبطلت الحجة. وكذلك يجوز أن يستتر الإمام المدة الطويلة إذا خاف، ولا تبطل حجة الله عز وجل.
فإن قالوا: فكيف يصنع من احتاج إلى أن يسأل عن مسألة؟ قيل له: كما كان يصنع والنبي صلى الله عليه وآله في الغار، من جاء إليه ليسلم وليتعلم منه. فإن كان ذلك سائغاً في الحكمة، كان هذا مثله سائغاً. ومن أوضح الأدلة على الإمامة أن الله عز وجل جعل آية النبي صلى الله عليه وآله أنه أتى بقصص الأنبياء الماضين عليهم السلام، وبكل عليم من التوراة والإنجيل والزبور، من غير أن يكون يعلم الكتابة ظاهراً، أو لقي نصرانياً أو يهودياً، فكان ذلك أعظم آياته. ولما قُتل الحسين بن علي عليهما السلام، خلّف علي بن الحسين عليهما السلام، وكان متقارب السن، وسنه أقل من عشرين سنة، ثم انقبض عن الناس، فلم يلقَ أحداً، ولا كان يلقاه إلا خواص أصحابه، وكان في غاية العبادة، ولم يخرج عنه من العلم إلا يسير، لصعوبة الزمان وظلم بني أمية. ثم ظهر ابنه محمد بن علي الملقب بالباقر عليه السلام، ففتح باب العلم، وأتى من علوم الدين والكتاب والسنة والسير والمغازي بأمر عظيم. ثم جاء جعفر بن محمد عليهما السلام، فأخرج من ذلك ما كثر وظهر وانتشر، حتى لم يبقَ فن من فنون العلم إلا أتى فيه بأشياء كثيرة. فسر القرآن والسنن، ورويت عنه المغازي وأخبار الأنبياء، من غير أن يُرى هو أو أبوه محمد بن علي أو علي بن الحسين عليهم السلام عند أحد من رواة العامة أو فقهائهم يتعلمون منهم شيئاً. وفي هذا أقوى دليل على أنهم إنما أخذوا ذلك العلم عن النبي صلى الله عليه وآله، ثم عن علي عليه السلام، ثم عن واحد واحد من الأئمة. وكذلك جماعة الأئمة عليهم السلام، هذه سنتهم في العلم: يُسألون عن الحلال والحرام، فيجيبون بجوابات متفقة، من غير أن يتعلموا ذلك من أحد من الناس. فأي دليل أوضح من هذا على إمامتهم، وأن النبي صلى الله عليه وآله نصبهم، وعلمهم، وأودعهم علمه وعلوم الأنبياء عليهم السلام قبله؟ وهل رأينا في العادات من ظهر عنه مثل ما ظهر عن محمد بن علي وجعفر بن محمد عليهم السلام، من غير أن يتعلموا ذلك من أحد من الناس؟
وقد سألونا فقالوا: ابن الحسن لم يظهر ظهوراً تاماً للخاصة والعامة، فمن أين علمتم وجوده في العالم؟ وهل رأيتموه أو أخبرتكم جماعة تواترت أخبارها أنها شاهدته وعاينته؟ فيقال لهم: إن أمر الدين كله يُعرف بالاستدلال، فنحن عرفنا الله عز وجل بالأدلة ولم نشاهده، ولا أخبرنا عنه من شاهده، وعرفنا النبي صلى الله عليه وآله وكونه في العالم بالأخبار، وعرفنا نبوته وصدقه بالاستدلال، وعرفنا أنه استخلف علي بن أبي طالب عليه السلام بالاستدلال، وعرفنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسائر الأئمة عليهم السلام بعده عالمون بالكتاب والسنة، ولا يجوز عليهم في شيء من ذلك الغلط ولا النسيان ولا تعمد الكذب، كذلك بالاستدلال عرفنا أن الحسن بن علي عليهما السلام إمام مفترض الطاعة. وعلمنا بالأخبار المتواترة عن الأئمة الصادقين عليهم السلام أن الإمامة لا تكون بعد الحسن والحسين عليهما السلام إلا في ولد الإمام، ولا تكون في أخ ولا قريب، فوجب من ذلك أن الإمام لا يمضي إلا وقد خلّف من ولده إماماً، فلما صحت إمامة الحسن عليه السلام وصحت وفاته ثبت أنه قد خلّف من ولده إماماً، وهذا وجه من الدلالة عليه. ووجه آخر: وهو أن الحسن عليه السلام خلّف جماعة من ثقاته ممن يروون عنه الحلال والحرام، ويؤدّون كتب شيعته وأموالهم، وتصدر عنهم الجوابات. وكانوا في موضع من الستر والعدالة، قد عدّلهم في حياته، فلما مضى أجمعوا جميعاً على أنه خلّف ولداً هو الإمام، وأمروا الناس أن لا يسألوا عن اسمه، وأن يستروا ذلك من أعدائه. وطلبه السلطان أشد الطلب، ووكّل بالدور وبالنساء الحوامل من جواري الحسن عليه السلام، ثم استمرت كتب ابنه الخارج بعده إلى الشيعة بالأوامر والنواهي على أيدي رجال أبيه الثقات لأكثر من عشرين سنة. ثم انقطعت المكاتبة، ومضى أكثر رجال الحسن عليه السلام الذين شهدوا بأمر الإمام بعده، وبقي منهم رجل واحد أجمعوا على عدالته وثقته، فأمر الناس بالكتمان، وأن لا يذيعوا شيئاً من أمر الإمام. فانقطعت المكاتبة، فثبت لنا وجود الإمام بما ذكرناه من الأدلة، وبما ورد عن أصحاب الحسن عليه السلام ورجاله ونقلهم لأخباره، وصحة غيبته بالأخبار المشهورة في غيبة الإمام عليه السلام، وأن له غيبتين إحداهما أشد من الأخرى.
ومذهبنا في غيبة الإمام في هذا الوقت لا يشبه مذهب الممطورة في موسى بن جعفر، لأن موسى مات ظاهراً، ورآه الناس ميتاً، ودُفن دفناً مكشوفاً، ومضى على موته أكثر من مائة وخمسين سنة، ولا يدّعي أحد أنه يراه أو يكاتبه أو يراسله. ودعواهم أنه حيٌّ فيه تكذيب للحواس التي شاهدته ميتاً، وقد قام بعده عدة أئمة فأتوا من العلوم مثل ما أتى به موسى عليه السلام. وليس في دعوانا هذه - غيبة الإمام - تكذيب للحس، ولا محال، ولا دعوى تُنكرها العقول أو تخرج عن العادات. وله إلى هذا الوقت من شيعته الثقات المستورين من يدّعي أنه بابه والواسطة بينه وبين شيعته، يبلغهم أمره ونهيه. ولم تطل المدة في الغيبة إلى حد يخرج عن عادة من غاب. فالتصديق بالأخبار يوجب اعتقاد إمامة ابن الحسن عليه السلام كما شرحنا، وأنه غاب كما وردت به الأخبار عن الغيبة، وهي مشهورة متواترة، وكانت الشيعة تتوقعها وتترجّاها كما تترجّون اليوم قيام القائم عليه السلام بالحق وإظهار العدل. ونسأل الله عز وجل التوفيق والصبر الجميل برحمته.
وقال أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي في نقض كتاب "الإشهاد" لأبي زيد العلوي، قال صاحب الكتاب بعد أن ذكر أموراً كثيرة لا منازعة فيها: وقالت الزيدية والمؤتمة: الحجة من ولد فاطمة بقول الرسول المجمع عليه في حجة الوداع، ويوم خرج إلى الصلاة في مرضه الذي توفي فيه: "أيها الناس، قد خلّفت فيكم كتاب الله وعترتي، ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ألا وإنكم لن تضلوا ما استمسكتم بهما". ثم أكّد صاحب الكتاب هذا الحديث وقال فيه قولاً لا خلاف فيه، ثم قال بعد ذلك: إن المؤتمة خالفت الإجماع وادعت الإمامة في بطن من العترة دون سائر العترة، ثم في رجل من ذلك البطن في كل عصر. فأقول، وبالله الثقة: إن في قول النبي صلى الله عليه وآله كما تقول الإمامية دلالة واضحة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله قال: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي". دلّ هذا على أن الحجة من بعده ليست من العجم ولا من سائر قبائل العرب، بل من عترته وأهل بيته. ثم قرن قوله بما يوضّح مراده فقال: "ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض"، فأعلمنا أن الحجة من عترته لا تفارق الكتاب، وأننا إن تمسكنا بمن لا يفارق الكتاب فلن نضلّ. ومن لا يفارق الكتاب يجب في العقول أن يكون عالماً بالكتاب، مأموناً عليه، يعلم ناسخه من منسوخه، وخاصه من عامه، وحتمه من ندبه، ومحكمه من متشابهه، ليضع كل شيء موضعه الذي وضعه الله عز وجل، لا يقدّم مؤخّراً ولا يؤخر مقدّماً. ويجب أن يكون جامعاً لعلم الدين كله، حتى يصح التمسك به، ويُرجع إليه في ما اختلفت فيه الأمة من تأويل الكتاب والسنة. فإن بقي منه شيء لا يعلمه، لم يمكن التمسك به. وإذا لم يكن مأموناً عليه، لم يُؤمن أن يخلط الناسخ بالمنسوخ، والمحكم بالمتشابه، والندب بالحتم. وإذا كان الأمر كذلك، صار الحجة والمحجوج سواء. وإذا بطل هذا القول، صحّ قول الإمامية بأن الحجة من العترة لا يكون إلا معصوماً، جامعاً لعلم الدين، مؤتمناً على الكتاب. فإن وجدت الزيدية في أئمتها من هذه صفته، فنحن أول من ينقاد له، وإن لم يكن، فالحق أحق أن يُتّبع.
وقال شيخ من الإمامية: إنا لم نقل إن الحجة من ولد فاطمة عليهما السلام قولاً مطلقاً، بل قلناه بتقييد وشرائط، ولم نحتج لذلك بهذا الخبر فقط، بل احتججنا به وبغيره. فأول ذلك أنا وجدنا النبي صلى الله عليه وآله قد خص من عترته أهل بيته: أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام بما خصهم به، ودل على جلالة خطرهم، وعظم شأنهم، وعلوّ حالهم عند الله عز وجل، بما فعله بهم في المواطن والمواقف مما تغني شهرته عن ذكره بيننا وبين الزيدية. ودل الله تبارك وتعالى على ما وصفناه من علوّ شأنهم بقوله: "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً" وبسورة هل أتى وما يشاكل ذلك. فلما قدّم عليه السلام هذه الأمور، وقرّر عند أمته أنه ليس في عترته من يتقدّمهم في المنزلة والرفعة، ولم يكن صلى الله عليه وآله ممن يُنسب إلى المحاباة، ولا ممن يقدّم إلا على أساس الدين، علمنا أنهم عليهم السلام نالوا ذلك استحقاقاً بما خصهم به. فلما قال بعد ذلك كله: "قد خلفت فيكم كتاب الله وعترتي" علمنا أنه عنى هؤلاء دون غيرهم، لأنه لو كان في عترته غيرهم ممن له هذه المنزلة، لخصّه النبي صلى الله عليه وآله، ونبّه على مكانه، ودلّ على موضعه، حتى لا يُظن أن فعله بأمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام كان محاباة. وهذا واضح، والحمد لله. ثم دلّنا على أن الإمام بعد أمير المؤمنين هو الحسن، باستخلاف أمير المؤمنين عليه السلام إياه، واتباع أخيه له طوعاً. وأما قوله: "إن المؤتمة خالفت الإجماع وادعت الإمامة في بطن من العترة"، فيقال له: ما هذا الإجماع السابق الذي خالفناه؟ فإنا لا نعرفه، إلا أن تجعل مخالفة الإمامية للزيدية خروجاً من الإجماع. فإن كنت تُشير إلى هذا، فليس يعسر على الإمامية أن تنسبك إلى مثل ما نسبتها إليه، وتدّعي عليك مثل ما ادّعيته عليها. وبعد، فأنت تقول: إن الإمامة لا تجوز إلا في ولد الحسن والحسين عليهما السلام، فبيّن لنا لِمَ خصّصت ولدهما دون سائر العترة، لنبين لك بأوضح من حجتك ما قلناه، وسيأتي البرهان في موضعه إن شاء الله.
ثم قال صاحب الكتاب: وقالت الزيدية: الإمامة جائزة للعترة، وفيهم لدلالة رسول الله صلى الله عليه وآله عليهم عاماً، لم يخصص بها بعضاً دون بعض، ولقول الله عز وجل لهم دون غيرهم بإجماعهم: "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا". فأقول، وبالله التوفيق: قد غلط صاحب الكتاب فيما حكى، لأن الزيدية إنما تجيز الإمامة لولد الحسن والحسين عليهما السلام خاصة، والعترة في اللغة: العم وبنو العم، الأقرب فالأقرب. وما عُرف عن أهل اللغة قط، ولا حكى أحد عنهم، أنهم قالوا: العترة لا تكون إلا ولد الابنة من ابن العم. هذا شيء تمنته الزيدية وخدعت به أنفسها، وتفرّدت بادعائه بلا بيان ولا برهان، لأن ما تدعيه لا يوجد في العقل، ولا في الكتاب، ولا في الخبر، ولا في شيء من اللغات. وهذه اللغة، وهؤلاء أهلها، فاسألوهم يبيّنوا لكم أن العترة في اللغة هم الأقرب فالأقرب من العم وبني العم. فإن قال صاحب الكتاب: فلمَ زعمت أن الإمامة لا تكون لفلان وولده، وهم من العترة عندك؟ قلنا له: نحن لم نقل هذا قياساً، وإنما قلناه اتباعاً لما فعله النبي صلى الله عليه وآله بهؤلاء الثلاثة دون غيرهم من العترة، ولو فعل بفلان ما فعله بهم، لما كان عندنا إلا السمع والطاعة. وأما قوله: إن الله تبارك وتعالى قال: "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا"، فيقال له: قد خالفك خصومك من المعتزلة وغيرهم في تأويل هذه الآية، وخالفتك الإمامية. وأنت تعلم من هم "السابقون بالخيرات" عند الإمامية. وأقل ما كان يجب عليك—وقد ألفت كتابك هذا لتبيّن الحق وتدعو إليه—أن تؤيد الدعوى بحجة، فإن لم تكن فإقناع، فإن لم يكن، فترك الاحتجاج بما لا يمكنك أن تثبت أنه حجة لك دون خصومك. فإن تلاوة القرآن وادعاء تأويله بلا برهان أمر لا يعجز عنه أحد. وقد ادعى خصومنا وخصومك أن قول الله عز وجل: "كنتم خير أمة أخرجت للناس" هم جميع علماء الأمة، وأن سبيل علماء العترة وسبيل علماء المرجئة سبيل واحد، وأن الإجماع لا يتم والحجة لا تثبت بعلم العترة. فهل بينك وبين هؤلاء فصل؟ وهل تقنع منهم بما ادّعوه، أم تسألهم البرهان؟ فإن قال: بل أسألهم البرهان، قيل له: فهات برهانك أولاً على أن المقصود بهذه الآية التي تلوْتها هم العترة، وأن العترة هم الذرية، وأن الذرية هم ولد الحسن والحسين عليهما السلام دون غيرهم من ذرية جعفر وغيره ممن أمهاتهم فاطميات.
ثم قال: ويقال للمؤتمة: ما دليلكم على إيجاب الإمامة لواحد دون الجميع وحظرها على الجميع؟ فإن اعتلوا بالوراثة والوصية، قيل لهم: هذه المغيرية تدعي الإمامة لولد الحسن، ثم في بطن من ولد الحسن بن الحسن في كل عصر وزمان بالوراثة والوصية من أبيه، وخالفوكم بعد فيما تدعون كما خالفتم غيركم فيما يدعي. فأقول، وبالله الثقة: الدليل على أن الإمامة لا تكون إلا لواحد، أن الإمام لا يكون إلا الأفضل، والأفضل يكون على وجهين: إما أن يكون أفضل من الجميع، أو أفضل من كل واحد من الجميع. فكيفما كانت القصة، فليس يكون الأفضل إلا واحداً، لأنه من المحال أن يكون أفضل من جميع الأمة أو من كل واحد منها، وفي الأمة من هو أفضل منه. فلما لم يجز هذا، وصح بدليل تعترف الزيدية بصحته أن الإمام لا يكون إلا الأفضل، صح أنها لا تكون إلا لواحد في كل عصر. والفصل فيما بيننا وبين المغيرية سهل واضح قريب، والمنة لله، وهو أن النبي صلى الله عليه وآله دل على الحسن والحسين عليهما السلام دلالة بينة، وبيّنهما من سائر العترة بما خصهما به مما ذكرناه ووصفناه، فلما مضى الحسن، كان الحسين أحق وأولى بدلالة الحسن، لدلالة الرسول صلى الله عليه وآله عليه، واختصاصه به، وإشارته إليه، فلو كان الحسن أوصى بالإمامة إلى ابنه، لكان مخالفاً للرسول صلى الله عليه وآله، وحاشاه من ذلك. وبعد، فلسنا نشك ولا نرتاب في أن الحسين عليه السلام أفضل من الحسن بن الحسن بن علي، والأفضل هو الإمام على الحقيقة عندنا وعند الزيدية. فقد تبيّن لنا بما وصفنا كذب المغيرية، وانتقض الأصل الذي بنوا عليه مقالتهم. ونحن لم نخص علي بن الحسين بن علي عليهم السلام بما خصصناه به محاباة، ولا قلدنا في ذلك أحداً، ولكن الأخبار قرعت سمعنا فيه بما لم تقرع في الحسن بن الحسن. ودلنا على أنه أعلم منه ما نقل من علم الحلال والحرام عنه، وعن الخلف من بعده، وعن أبي عبد الله عليه السلام، ولم نسمع للحسن بن الحسن بشيء يمكننا أن نقابل بينه وبين ما سمعناه من علم علي بن الحسين عليهما السلام، والعالم بالدين أحق بالإمامة ممن لا علم له. فإن كنتم يا معشر الزيدية عرفتم للحسن بن الحسن علماً بالحلال والحرام فأظهروه، وإن لم تعرفوا له ذلك فتفكروا في قول الله عز وجل: "أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يُتّبع أم من لا يهدي إلا أن يُهدى، فما لكم كيف تحكمون". فلسنا ندفع الحسن بن الحسن عن فضل وتقدّم وطهارة وزكاة وعدالة، ولكن الإمامة لا يتم أمرها إلا بالعلم بالدين، والمعرفة بأحكام رب العالمين، وبتأويل كتابه. وما رأينا إلى يومنا هذا، ولا سمعنا بأحد قالت الزيدية بإمامته، إلا وهو يقول في تأويل القرآن على الاستخراج، وفي الأحكام على الاجتهاد والقياس. وليس يمكن معرفة تأويل القرآن بالاستنباط، لأن ذلك إنما يكون ممكناً لو أن القرآن نزل بلغة واحدة، وكان علماء أهل تلك اللغة يعرفون المراد، فأما القرآن فقد نزل بلغات كثيرة، وفيه أشياء لا يعرف المراد منها إلا بتوقيف، مثل الصلاة والزكاة والحج، وما في هذا الباب، وفيه أشياء لا يعرف المراد منها إلا بتوقيف مما نعلم وتعلمون أن المراد به إنما عرف بالتوقيف دون غيره، فليس يجوز حمله على اللغة، لأنك تحتاج أولاً أن تعلم أن الكلام الذي تريد أن تتأوله ليس فيه توقيف أصلاً، لا في جمله ولا في تفصيله. فإن قال منهم قائل: لم يُنكر أن يكون ما كان سبيله أن يُعرف بالتوقيف قد وقف الله عليه رسوله صلى الله عليه وآله، وما كان سبيله أن يُستخرج فقد وكّله إلى العلماء، وجعل بعض القرآن دليلاً على بعض، فاستغنينا بذلك عما تدّعون من التوقيف والموقف. قيل له: لا يجوز أن يكون ذلك على ما وصفتم، لأنا نجد للآية الواحدة تأويلين متضادين، كل واحد منهما يجوز في اللغة، ويحسن أن يُتعبد الله به، وليس يجوز أن يكون للمتكلم الحكيم كلام يحتمل مرادين متضادين. فإن قال: ما يُنكر أن يكون في القرآن دلالة على أحد المرادين، وأن يكون العلماء بالقرآن متى تدبروه علموا المراد بعينه دون غيره. فيقال له: أنكرنا هذا الذي وصفته لأمر نخبرك به: لا تخلو تلك الدلالة التي في القرآن على أحد المرادين من أن تكون محتملة للتأويل أو لا تحتمل، فإن كانت محتملة، فالقول فيها كالقول في هذه الآية، وإن كانت لا تحتمل التأويل، فهي إذاً توقيف ونص على المراد بعينه، ويجب أن لا يُشكل على أحد من أهل اللغة معرفة المراد، وهذا ما لا تنكره العقول، وهو من فعل الحكيم جائز حسن. ولكنّا إذا تدبّرنا آي القرآن لم نجد الأمر كذلك، ووجدنا الاختلاف في تأويلها قائماً بين أهل العلم بالدين واللغة. ولو كان هناك آيات تفسر غيرها تفسيراً لا يحتمل التأويل، لكان بعض المختلفين في تأويلها من العلماء معاندين، ولأمكن كشف حالهم بأيسر السعي، ولكان من تأول الآية خارجاً عن اللغة ولسان أهلها. فدلّونا يا معشر الزيدية على آية واحدة اختلف أهل العلم في تأويلها من القرآن تدل نصاً وتوقيفاً على تأويلها، وهذا أمر متعذر، وفي تعذره دليل على أنه لا بد للقرآن من مفسّر يعلم مراد الله تعالى فيه، ويخبر به، وهذا عندي واضح.
ثم قال صاحب الكتاب: وهذه الخطابية يدّعي الإمامة لجعفر بن محمد من أبيه عليهما السلام بالوراثة والوصية، ويقفون على رجعته، ويخالفون كل من قال بالإمامة، ويزعمون أنكم وافقتموهم في إمامة جعفر عليه السلام وخالفوكم فيمن سواه. فأقول، وبالله الثقة: ليست الإمامة تثبت بموافقة الموافق ولا بمخالفة المخالف، وإنما تثبت بأدلة الحق وبراهينه. وأحسب أن صاحب الكتاب قد غلط، فالخطابية قوم غلاة، ولا نسبة بين الغلو والإمامة. فإن قال: أردت الفرقة التي وقفت عليه، قيل له: يقال لتلك الفرقة: نحن نعلم أن الإمام بعد جعفر هو موسى، كما علمتم أنتم أن الإمام بعد محمد بن علي هو جعفر، ونعلم أن جعفراً قد مات كما نعلم أن أباه قد مات، والفصل بيننا وبينكم هو الفصل نفسه بينكم وبين السبئية والواقفة على أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فقولوا ما شئتم. ويقال لصاحب الكتاب: فما الفصل بينك وبين من اختار الإمامة لولد العباس وجعفر وعقيل، أعني من أهل العلم والفضل منهم، واحتج بلغة العرب في أنهم من العترة، وقال: إن الرسول صلى الله عليه وآله عمّ العترة جميعاً، ولم يخص إلا ثلاثة: أمير المؤمنين، والحسن، والحسين صلوات الله عليهم. عرفنا ذلك وبيّنه لنا. ثم قال صاحب الكتاب: وهذه الشمطية تدّعي إمامة عبد الله بن جعفر بن محمد من أبيه بالوراثة والوصية، وهذه الفطحية تدّعي إمامة إسماعيل بن جعفر عن أبيه بالوراثة والوصية. وقبل ذلك، إنما قالوا بإمامة عبد الله، ويسمون اليوم إسماعيلية لأنه لم يبق من القائلين بإمامته خلف ولا بقية. وفرقة من الفطحية يقال لهم القرامطة قالوا بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر بالوراثة والوصية. وهذه الواقفة على موسى بن جعفر تدّعي الإمامة له وتنتظر رجعته. وأقول: الفرق بيننا وبين هؤلاء واضح وسهل: أما الفطحية، فالحجة عليهم أظهر من أن تُخفى، لأن إسماعيل مات قبل أبي عبد الله عليه السلام، والميت لا يكون خليفة الحي، وإنما الحي هو خليفة الميت. لكن القوم تبعوا تقليد الرؤساء وأعرضوا عن الحجة. وهذا من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى إطناب. وأما القرامطة، فقد هدموا الإسلام حرفاً حرفاً، لأنهم أبطلوا أحكام الشريعة، وجاؤوا بكل باطل وتخريف، والاحتياج إلى الإمام إنما هو للدين ولإقامة أحكام الشريعة، فإذا جاء من ينسب نفسه للإمام ويدعو لنقض الدين والشريعة والخروج عن طريقة الأمة، فلا يُحتاج للرد عليه إلى أكثر من فساد دعواه. أما الفرق الأخرى، فبيننا وبينهم فرق ظاهر: نحن عندنا نقلة أخبار وحملة آثار يملؤون الأمصار، وقد نقلوا عن جعفر بن محمد عليهما السلام من علم الحلال والحرام ما لا يمكن أن يكون مكذوباً بتجربة العادة، وأخبرونا أن أبا عبد الله أوصى بالإمامة إلى موسى عليه السلام، ونُقل إلينا من علم موسى عليه السلام وفضله ما اشتهر عن نقلة الأخبار، أما غيرهم، فلا نعرف لهم إلا الدعوى، وليس طريق المتواتر كطريق الشاذ، فتأملوا الأخبار الصادقة تعرفوا الفرق بين موسى عليه السلام وبين محمد وعبد الله ابني جعفر. وتعالوا نمتحن هذه الدعوى بخمس مسائل من الحلال والحرام مما أجاب فيه موسى عليه السلام، فإن وجدنا لمحمد أو عبد الله فيها جواباً عند من يدّعي إمامتهما فالقول كما يقولون. وقد روي أن عبد الله بن جعفر سئل: كم في مائتي درهم؟ فقال: خمسة دراهم. فقيل له: وكم في مائة؟ قال: درهمان ونصف. ولو أن معترضاً اعترض على الإسلام وادعى أن هناك من عارض القرآن وسألنا أن نفصل بين القرآن وهذه المعارضة، لقلنا له: أما القرآن فظاهر، فأظهر معارضتك لنبيّن لك الفرق. وكذلك نقول لهذه الفرق: أما أخبارنا فهي محفوظة عند علماء الأمصار من الإمامية، فأظهروا أنتم ما تدّعونه من أخبار لنفصل بينها وبين أخبارنا. أما أن تزعموا خبراً لم يسمعه أحد ثم تطالبونا بالفصل، فهذه دعوى لا يعجز عنها أحد، ولو أبطلنا بهذه الطريقة أخبار أهل الحق لأبطلنا أيضاً بها أخبار الإسلام كما تفعل البراهمة. وقد ادعت الثنوية أن "ماني" جاء بالمعجزات، فقال لهم الموحدون: هذه دعوى لا يعجز عنها أحد، فأظهروا خبركم لنبيّن أنه لا ينهض بحجة. وهذا هو الجواب بعينه لصاحب الكتاب.
ويقال لصاحب الكتاب: قد ادعت البكرية والأباضية أن النبي صلى الله عليه وآله نص على أبي بكر، وأنكرتَ أنت ذلك كما أنكرنا نحن أن أبا عبد الله عليه السلام أوصى إلى هذين، فبين لنا حجتك، ودلنا على الفصل بينك وبين البكرية والأباضية لندلك بمثله على الفصل بيننا وبين من سميت. ويقال لصاحب الكتاب: أنت رجل تدعي أن جعفر بن محمد كان على مذهب الزيدية، وأنه لم يدع الإمامة من الجهة التي تذكرها الإمامية، وقد ادعى القائلون بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد خلاف ما تدعيه أنت وأصحابك، ويذكرون أن أسلافهم رووا ذلك عنه، فعرفنا الفصل بينكم وبينهم لنأتيك بأحسن منه، وأنصف من نفسك، فإنه أولى بك. وفرق آخر: وهو أن أصحاب محمد بن جعفر وعبد الله بن جعفر معترفون بأن الحسين نص على علي، وأن عليا نص على محمد، وأن محمدا نص على جعفر، ودليلنا أن جعفرا نص على موسى عليهم السلام هو بعينه دون غيره دليل هؤلاء على أن الحسين نص على علي، وبعد، فإن الإمام إذا كان ظاهرا واختلفت إليه شيعته ظهر علمه، وتبينت معرفته بالدين، ووجدنا رواة الأخبار وحملة الآثار قد نقلوا عن موسى من علم الحلال والحرام ما هو مدوّن مشهور، وظهر من فضله في نفسه ما هو بيّن عند الخاصة والعامة، وهذه هي أمارات الإمامة، فلما وجدناها لموسى دون غيره علمنا أنه الإمام بعد أبيه دون أخيه. وشيء آخر: وهو أن عبد الله بن جعفر مات ولم يعقب ذكرا، ولا نص على أحد، فرجع القائلون بإمامته عنها إلى القول بإمامة موسى عليه السلام. والفصل بعد ذلك بين أخبارنا وأخبارهم هو أن الأخبار لا توجب العلم حتى يكون في طرقها ووسطها قوم يقطعون العذر إذا أخبروا، ولسنا نُشاح هؤلاء في أسلافهم، بل نقتصر على أن يوجدونا في زماننا من حملة الأخبار ورواة الآثار ممن يذهب مذهبهم عددا يتواتر بهم الخبر، كما نوجدهم نحن ذلك، فإن قدروا على هذا فليظهروه، وإن عجزوا فقد وضح الفرق بيننا وبينهم في الطرف الذي يلينا ويلِيهم، وما بعد ذلك موهوب لهم، وهذا واضح والحمد لله. وأما الواقفة على موسى عليه السلام، فسبيلهم سبيل الواقفة على أبي عبد الله عليه السلام، ونحن لم نشاهد موت أحد من السلف، وإنما صح موتهم عندنا بالخبر، فإن وقف واقف على بعضهم سألناه الفصل بينه وبين من وقف على سائرهم، وهذا ما لا حيلة لهم فيه. ثم قال صاحب الكتاب: ومنهم فرقة قطعت على موسى، وائتموا بعده بابنه علي بن موسى عليهما السلام دون سائر ولد موسى عليه السلام، وزعموا أنه استحقها بالوراثة والوصية، ثم في ولده حتى انتهوا إلى الحسن بن علي عليهما السلام، فادعوا له ولدا وسمّوه الخلف الصالح، فمات قبل أبيه، ثم إنهم رجعوا إلى أخيه الحسن، وبطل في محمد ما كانوا توهّموا، وقالوا: بدا لله من محمد إلى الحسن، كما بدا له من إسماعيل بن جعفر إلى موسى، وقد مات إسماعيل في حياة جعفر. إلى أن مات الحسن بن علي سنة ثلاث وستين ومائتين، فرجع بعض أصحابه إلى إمامة جعفر بن علي، كما رجع أصحاب محمد بن علي بعد وفاة محمد إلى الحسن، وزعم بعضهم أن جعفر بن علي استحق الإمامة من أبيه علي بن محمد بالوراثة والوصية دون أخيه الحسن، ثم نقلوها في ولد جعفر بالوراثة والوصية. وكل هذه الفرق يتشاحّون في الإمامة، ويكفّر بعضهم بعضا، ويكذّب بعضهم بعضا، ويتبرأ بعضهم من إمامة بعض، وتدعي كل فرقة الإمامة لصاحبها بالوراثة والوصية وأشياء من علم الغيب، الخرافات أحسن منها، ولا دليل لكل فرقة فيما تدّعي، وتخالف الباقين غير الوراثة والوصية. دليلهم شهادتهم لأنفسهم دون غيرهم، قول بلا حقيقة، ودعوى بلا دليل، فإن كان هنا دليل فيما تدعيه كل طائفة غير الوراثة والوصية، وجب إقامته، وإن لم يكن غير الدعوى، فقد بطلت الإمامة لكثرة من يدّعيها، ولا سبيل إلى قبول دعوى طائفة دون الأخرى إذا كانت الدعوى واحدة، لا سيما وهم في تكذيب بعضهم بعضا مجتمعون، وفيما تدعيه كل فرقة منهم منفردون.
فأقول - والله الموفق للصواب -: لو كانت الإمامة تبطل لكثرة من يدعيها لكان سبيل النبوة سبيلها، لأنا نعلم أن خلقا قد ادعاها، وقد حكى صاحب الكتاب عن الإمامية حكايات مضطربة وأوهم أن تلك مقالة الكل، وأنه ليس فيهم إلا من يقول بالبداء. ومن قال: إن الله يبدو له من إحداث رأي وعلم مستفاد فهو كافر بالله، وما كان غير هذا فهو قول المغيرية، ومن ينحل للأئمة علم الغيب. فهذا كفر بالله، وخروج عن الإسلام عندنا. وأقل ما كان يجب عليه أن يذكر مقالة أهل الحق، وأن لا يقتصر على أن القوم اختلفوا حتى يدل على أن القول بالإمامة فاسد. وبعد، فإن الإمام عندنا يُعرف من وجوه سنذكرها ثم نعتبر ما يقول هؤلاء، فإن لم نجد بيننا وبينهم فصلا حكمنا بفساد المذهب، ثم عدنا نسأل صاحب الكتاب عن أن أي قول هو الحق من بين الأقوال: أما قوله: "إن منهم فرقة قطعت على موسى وائتموا بعده بابنه علي بن موسى"، فهو قول رجل لا يعرف أخبار الإمامية، لأن كل الإمامية - إلا شرذمة وقفت، وشذوذ قالوا بإمامة إسماعيل وعبد الله بن جعفر - قالوا بإمامة علي بن موسى، ورووا فيه ما هو مدون في الكتب، وما يُذكر من حملة الأخبار ونقلة الآثار خمسة مالوا إلى هذه المذاهب في أول حدوث الحادث، وإنما كثر من كثر منهم بعد، فكيف استحسن صاحب الكتاب أن يقول: "ومنهم فرقة قطعت على موسى"؟ وأعجب من هذا قوله: "حتى انتهوا إلى الحسن فادعوا له ابنا"، وقد كانوا في حياة علي بن محمد وسموا للإمامة ابنه محمدا، إلا طائفة من أصحاب فارس بن حاتم، وليس يحسن بالعاقل أن يشنّع على خصمه بالباطل الذي لا أصل له. والذي يدل على فساد قول القائلين بإمامة محمد هو بعينه ما وصفناه في باب إسماعيل بن جعفر، لأن القصة واحدة، وكل واحد منهما مات قبل أبيه، ومن المحال أن يستخلف الحي الميت ويوصي إليه بالإمامة، وهذا أبين فسادا من أن يحتاج في كسره إلى كثرة القول. والفصل بيننا وبين القائلين بإمامة جعفر أن حكاية القائلين بإمامته عنه اختلفت وتضادت، لأن منهم من حكى عنه أنه قال: "إني إمام بعد أخي محمد"، ومنهم من حكى أنه قال: "إني إمام بعد أخي الحسن"، ومنهم من قال: إنه قال: "إني إمام بعد أبي علي بن محمد". وهذه أخبار كما ترى، يكذب بعضها بعضا، وخبرنا في أبي الحسن بن علي خبر متواتر لا يتناقض، وهذا فصل بيّن. ثم ظهر لنا من جعفر ما دلنا على أنه جاهل بأحكام الله عز وجل، وهو أنه جاء يطالب أم أبي محمد بالميراث، وفي حكم آبائه "أن الأخ لا يرث مع الأم"، فإذا كان جعفر لا يحسن هذا المقدار من الفقه حتى تبين فيه نقصه وجهله، فكيف يكون إماما؟ وإنما تعبدنا الله بالظاهر من هذه الأمور، ولو شئنا أن نقول لقلنا، وفيما ذكرناه كفاية ودلالة على أن جعفرا ليس بإمام. وأما قوله: "إنهم ادعوا للحسن ولدا"، فالقوم لم يدّعوا ذلك إلا بعد أن نُقل إليهم من أسلافهم حاله وغيبته وصورة أمره، واختلاف الناس فيه عند حدوث ما يحدث، وهذه كتبهم، فمن شاء أن ينظر فيها فلينظر. وأما قوله: "إن كل هذه الفرق يتشاحون ويكفر بعضهم بعضا"، فقد صدق في حكايته، وحال المسلمين في تكفير بعضهم بعضا هذه الحال، فليقل ما شاء، وليطعن كما شاء، فإن البراهمة تتعلق به فتطعن بمثله في الإسلام، ومن سأل خصمه عن مسألة يريد بها نقض مذهبه، إذا رُدت عليه كان فيها من نقض مذهبه مثل ما قدّر أن يلزم به خصمه، فهو رجل يسأل نفسه وينقض قوله، وهذه قصة صاحب الكتاب. والنبوة أصل، والإمامة فرع، فإذا أقر صاحب الكتاب بالأصل، لم يحسن به أن يطعن في الفرع بما يرجع على الأصل، والله المستعان. ثم قال: ولو جازت الإمامة بالوراثة والوصية لمن يُدعى له بلا دليل متفق عليه، لكانت المغيرية أحق بها، لإجماع الكل معهم على إمامة الحسن بن علي، الذي هو أصلها، المستحق للإمامة من أبيه بالوراثة والوصية، وامتناعها بعد إجماع الكل معهم على إمامة الحسن من إجازتها لغيره. هذا مع اختلاف المؤتمة في دينهم: منهم من يقول بالجسم، ومنهم من يقول بالتناسخ، ومنهم من يجرد التوحيد، ومنهم من يقول بالعدل ويثبت الوعيد، ومنهم من يقول بالقدر ويبطل الوعيد، ومنهم من يقول بالرؤية، ومنهم من ينفيها مع القول بالبداء، وأشياء يطول الكتاب بشرحها، يُكفر بها بعضهم بعضا، ويتبرأ بعضهم من دين بعض، ولكل فرقة من هذه الفرق - بزعمها - رجال ثقات عند أنفسهم، أدّوا إليهم عن أئمتهم ما هم متمسكون به.
ثم قال صاحب الكتاب: وإذا جاز كذا جاز كذا، شيء لا يجوز عندنا، ولم نأتِ بأكثر من الحكاية، فلا معنى لتطويل الكتاب بذكر ما ليس فيه حجة ولا فائدة. فأقول - وبالله الثقة - لو كان الحق لا يثبت إلا بدليل متفق عليه، لما ثبت حق قط، ولكان أول مذهب يبطل هو مذهب الزيدية، لأن دليلها ليس بمتفق عليه. وأما ما حكاه عن المغيرية، فهو شيء أخذوه عن اليهود، لأنها تحتج دائمًا بإجماعنا وإياهم على نبوة موسى عليه السلام ومخالفتهم لنا في نبوة محمد صلى الله عليه وآله. وأما تعييره لنا بالاختلاف في المذاهب، وبأن كل فرقة منا تروي ما تدين به عن إمامها، فهو مأخوذ من البراهمة، لأنها تطعن به - بعينه دون غيره - على الإسلام، ولولا الإشفاق من أن يتعلق بعض هؤلاء المجان بما أحكيه عنهم، لقلت كما يقولون. والإمامة - أسعدكم الله - إنما تصح عندنا بالنص، وظهور الفضل، والعلم بالدين، مع الإعراض عن القياس والاجتهاد في الفرائض السمعية وفروعها. ومن هذا الوجه عرفنا إمامة الإمام، وسنقول في اختلاف الشيعة قولًا مقنعًا.
قال صاحب الكتاب: ثم لم يخل اختلافهم من أن يكون مولدًا من أنفسهم أو من عند الناقلين إليهم أو من عند أئمتهم، فإن كان اختلافهم من قبل أئمتهم، فالإمام من يجمع الكلمة، لا من يكون سببًا للاختلاف بين الأمة، لا سيما وهم أولياؤه دون أعدائه، ومن لا تقية بينهم وبينه. وما الفرق بين المؤتمة والأمة، إذ كانوا مع أئمتهم وحجج الله عليهم في أكثر ما عابوا على الأمة التي لا إمام لها من المخالفة في الدين وتكفير بعضهم بعضًا؟ وإن يكن اختلافهم من قبل الناقلين إليهم دينهم، فما يؤمنهم من أن يكون هذا سبيلهم معهم فيما ألقوا إليهم من الإمامة، لا سيما إذا كان المدعى له الإمامة معدوم العين، غير مرئي الشخص، وهو حجة عليهم فيما يدّعون لإمامهم من علم الغيب إذا كان خِيَرَته والتراجمة بينه وبين شيعته هكذا، فيكذبون عليه، ولا علم له بهم. وإن يكن اختلاف المؤتمة في دينها من قبل أنفسها دون أئمتها، فما حاجة المؤتمة إلى الأئمة إذ كانوا بأنفسهم مستغنين، وهو بين أظهرهم ولا ينهاهم، وهو الترجمان لهم من الله والحجة عليهم؟ فهذا أيضًا من أدل الدليل على عدمه وما يُدعى من علم الغيب له، لأنه لو كان موجودًا لم يسعه ترك البيان لشيعته، كما قال الله عز وجل: "وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه". فكما بيّن الرسول صلى الله عليه وآله لأمته، وجب على الإمام مثله لشيعته. فأقول - وبالله الثقة -: إن اختلاف الإمامية إنما هو من قبل كذابين دلّسوا أنفسهم فيهم من وقت لوقت، ومن زمن لزمن، حتى عظم البلاء. وكان أسلافهم قومًا يرجعون إلى ورع واجتهاد وسلامة ناحية، ولم يكونوا أصحاب نظر وتمييز، فكانوا إذا رأوا رجلًا مستورًا يروي خبرًا أحسنوا به الظن وقبلوه. فلما كثر هذا وظهر، شكوا إلى أئمتهم، فأمرهم الأئمة عليهم السلام بأن يأخذوا بما يُجمع عليه، فلم يفعلوا، واستمروا على عادتهم. فكانت الخيانة من قبلهم، لا من قبل أئمتهم. والإمام أيضًا لم يقف على كل هذه التخاليط التي رُويت، لأنه لا يعلم الغيب، وإنما هو عبد صالح يعلم الكتاب والسنة، ويعلم من أخبار شيعته ما يُنهى إليه. وأما قوله: "فما يؤمنهم أن يكون هذا سبيلهم فيما ألقوا إليهم من أمر الإمامة"، فإن الفصل بين ذلك أن الإمامة تُنقل إليهم بالتواتر، والتواتر لا يُنكشف عن كذب. وهذه الأخبار، فكل واحد منها خبر واحد، لا يوجب خبره العلم، وخبر الواحد قد يصدق وقد يكذب، وليس هذا سبيل التواتر. هذا جوابنا، وكل ما أتى به سوى هذا، فهو ساقط. ثم يُقال له: أخبرنا عن اختلاف الأمة، هل تخلوا من الأقسام التي قسمتها؟ فإذا قال: لا، قيل له: أليس الرسول إنما بُعث لجمع الكلمة؟ فلا بد من نعم. فيُقال له: أوليس قد قال الله عز وجل: "وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه"؟ فلا بد من نعم. فيُقال له: فهل بيّن؟ فلا بد من نعم. فيُقال له: فما سبب الاختلاف؟ عرفناه، وأقنع منا بمثله. وأما قوله: "فما حاجة المؤتمة إلى الأئمة إذ كانوا بأنفسهم مستغنين، وهو بين أظهرهم لا ينهاهم - إلى آخر الفصل"، فيُقال له: أولى الأشياء بأهل الدين الإنصاف، فأي قول قلناه؟ وأي إشارة أومأنا بها تدل على أننا مستغنون عن الأئمة، حتى يقرعنا بها صاحب الكتاب ويحتج علينا؟ وأي حجة وُجهت إلينا توجب ما أوجبه؟ ومن لا يُبالي بما يُقابل خصومه كثرت مسائله وجواباته. وأما قوله: "وهذا من أدل دليل على عدمه، لأنه لو كان موجودًا لم يسعه ترك البيان لشيعته، كما قال الله عز وجل: وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه"، فيُقال له: أخبرنا عن العترة الهادية، هل يسعهم أن لا يُبينوا للأمة الحق كله؟ فإن قال: نعم، حجّ نفسه، وعاد كلامه وبالًا عليه، لأن الأمة قد اختلفت وتباينت، وكفر بعضها بعضًا. وإن قال: لا، قيل: هذا من أدل الدليل على عدم العترة، وفساد ما تدّعيه الزيدية، لأن العترة لو كانوا كما تصف الزيدية، لبيّنوا للأمة، ولم يسعهم السكوت والإمساك، كما قال الله عز وجل: "وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه". فإن ادعى أن العترة قد بيّنوا الحق للأمة، غير أن الأمة لم تقبل ومالت إلى الهوى، قيل له: هذا بعينه قول الإمامية في الإمام وشيعته. ونسأل الله التوفيق.
ثم قال صاحب الكتاب: ويقال لهم لم استتر إمامكم عن مسترشده؟ فإن قالوا: تقية على نفسه، قيل لهم: فالمسترشد أيضا يجوز له أن يكون في تقية من طلبه، لا سيما إذا كان المسترشد يخاف ويرجو ولا يعلم ما يكون قبل كونه، فهو في تقية. وإذا جازت التقية للإمام فهي للمأموم أجوز، وما بال الإمام في تقية من إرشادهم، وليس هو في تقية من تناول أموالهم، والله يقول: "اتبعوا من لا يسألكم أجرا" وقال: "إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله". فهذا مما يدل على أن أهل الباطل عرض الدنيا يطلبون، والذين يتمسكون بالكتاب لا يسألون الناس أجرا وهم مهتدون. ثم قال: وإن قالوا كذا قيل كذا، فشيء لا يقوله إلا جاهل منقوص. والجواب عما سأل: أن الإمام لم يستتر عن مسترشده، إنما استتر خوفا على نفسه من الظالمين. فأما قوله: "فإذا جازت التقية للإمام فهي للمأموم أجوز"، فيقال له: إن كنت تريد أن المأموم يجوز له أن يتقي من الظالم ويهرب عنه متى خاف على نفسه كما جاز للإمام، فهذا لعمري جائز. وإن كنت تريد أن المأموم يجوز له أن لا يعتقد إمامة الإمام للتقية، فذلك لا يجوز إذا قرعت الأخبار سمعه وقطعت عذره، لأن الخبر الصحيح يقوم مقام العيان، وليس على القلوب تقية، ولا يعلم ما فيها إلا الله. وأما قوله: "وما بال الإمام في تقية من إرشادهم وليس في تقية من تناول أموالهم، والله يقول: اتبعوا من لا يسألكم أجرا"، فالجواب عن ذلك إلى آخر الفصل: يقال له: إن الإمام ليس في تقية من إرشاد من يريد الإرشاد، وكيف يكون في تقية وقد بيّن لهم الحق وحثهم عليه ودعاهم إليه وعلمهم الحلال والحرام حتى شُهروا بذلك وعُرفوا به؟ وليس يتناول أموالهم، وإنما يسألهم الخمس الذي فرضه الله عز وجل ليضعه حيث أمر أن يضعه. والذي جاء بالخمس هو الرسول، وقد نطق القرآن بذلك، قال الله عز وجل: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه"، وقال: "خذ من أموالهم صدقة". فإن كان في أخذ المال عيب أو طعن، فهو على من ابتدأ به. والله المستعان. ويقال لصاحب الكتاب: أخبرنا عن الإمام منكم إذا خرج وغلب، هل يأخذ الخمس؟ وهل يجبى الخراج؟ وهل يأخذ الحق من الفيء والمغنم والمعادن وما أشبه ذلك؟ فإن قال: لا، فقد خالف حكم الإسلام. وإن قال: نعم، قيل له: فإن احتج عليه رجل مثلك بقول الله عز وجل: "اتبعوا من لا يسألكم أجرا"، وبقوله: "إن كثيرا من الأحبار والرهبان…"، بأي شيء تجيبه حتى تجيبك الإمامية بمثله؟ وهذا، وفقكم الله، شيء كان الملحدون يطعنون به على المسلمين، وما أدري من دلّسه لهؤلاء. واعلم، علمك الله الخير وجعلك من أهله، إنما يُعمل بالكتاب والسنة ولا يُخالفهما. فإن أمكن خصومنا أن يدلونا على أنه خالف في أخذ ما أخذ الكتاب والسنة، فلعمري أن الحجة واضحة لهم. وإن لم يمكنهم ذلك، فليعلموا أنه ليس في العمل بما يوافق الكتاب والسنة عيب. وهذا بيّن. ثم قال صاحب الكتاب: ويقال لهم: نحن لا نجيز الإمامة لمن لا يُعرف، فهل توجدونا سبيلا إلى معرفة صاحبكم الذي تدّعون حتى نجيز له الإمامة كما نجيز للموجودين من سائر العترة؟ وإلا فلا سبيل إلى تجويز الإمامة للمعدومين، وكل من لم يكن موجودا فهو معدوم، وقد بطل تجويز الإمامة لمن تدّعون.
فأقول - وبالله أستعين -: يقال لصاحب الكتاب: هل تشك في وجود علي بن الحسين وولده عليهم السلام الذين نأتم بهم؟ فإذا قال: لا، قيل له: فهل يجوز أن يكونوا أئمة؟ فإن قال: نعم، قيل له: فأنت لا تدري لعلنا على صواب في اعتقاد إمامتهم وأنت على خطأ، وكفى بهذا حجة عليك. وإن قال: لا، قيل له: فما ينفع من إقامة الدليل على وجود إمامنا؟ وأنت لا تعترف بإمامة مثل علي بن الحسين عليهما السلام مع محله من العلم والفضل عند المخالف والموافق. ثم يقال له: إنا إنما علمنا أن في العترة من يعلم التأويل ويعرف الأحكام بخبر النبي صلى الله عليه وآله الذي قدمناه، وبحاجتنا إلى من يعرفنا المراد من القرآن ومن يفصل بين أحكام الله وأحكام الشيطان. ثم علمنا أن الحق في هذه الطائفة من ولد الحسين عليهم السلام لما رأينا كل من خالفهم من العترة يعتمد في الحكم والتأويل على ما يعتمد عليه علماء العامة من الرأي والاجتهاد والقياس في الفرائض السمعية التي لا علة في التعبد بها إلا المصلحة، فعلمنا بذلك أن المخالفين لهم مبطلون. ثم ظهر لنا من علم هذه الطائفة بالحلال والحرام والأحكام ما لم يظهر من غيرهم، ثم ما زالت الأخبار ترد بنص واحد على آخر حتى بلغ الحسن بن علي عليهما السلام. فلما مات ولم يظهر النص والخلف بعده، رجعنا إلى الكتب التي كان أسلافنا رووها قبل الغيبة، فوجدنا فيها ما يدل على أمر الخلف من بعد الحسن عليه السلام، وأنه يغيب عن الناس ويخفى شخصه، وأن الشيعة تختلف، وأن الناس يقعون في حيرة من أمره، فعلمنا أن أسلافنا لم يعلموا الغيب، وأن الأئمة أعلموهم ذلك بخبر الرسول، فصح عندنا من هذا الوجه بهذه الدلالة كونه ووجوده وغيبته. فإن كان ههنا حجة تدفع ما قلناه، فلتظهرها الزيدية، فما بيننا وبين الحق معاندة، والشكر لله. ثم رجع صاحب الكتاب إلى أن يعارضنا بما تدعيه الواقفة على موسى بن جعفر، ونحن فلم نقف على أحد، ونسأل الفصل بين الواقفين، وقد بينا أنا علمنا أن موسى عليه السلام قد مات بمثل ما علمنا أن جعفرا مات، وأن الشك في موت أحدهما يدعو إلى الشك في موت الآخر، وأنه قد وقف على جعفر عليه السلام قوم أنكرت الواقفة على موسى عليهم، وكذلك أنكرت قول الواقفة على أمير المؤمنين عليه السلام. فقلنا لهم: يا هؤلاء حجتكم على أولئك هي حجتنا عليكم، فقولوا كيف شئتم تحجوا أنفسكم. ثم حكى عنا أنا كنا نقول للواقفة: إن الإمام لا يكون إلا ظاهرا موجودا. وهذه حكاية من لا يعرف أقاويل خصمه، وما زالت الإمامية تعتقد أن الإمام لا يكون إلا ظاهرا مكشوفا أو باطنا مغمورا، وأخبارهم في ذلك أشهر وأظهر من أن تخفى، ووضع الأصول الفاسدة للخصوم أمر لا يعجز عنه أحد، ولكنه قبيح بذي الدين والفضل والعلم، ولو لم يكن في هذا المعنى إلا خبر كميل بن زياد لكفى. ثم قال: فإن قالوا كذا، قيل لهم كذا - لشيء لا نقوله. وحجتنا ما سمعتم، وفيها كفاية، والحمد لله. ثم قال: ليس الأمر كما تتوهمون في بني هاشم، لأن النبي صلى الله عليه وآله دل أمته على عترته بإجماعنا وإجماعكم، التي هي خاصته التي لا يقرب أحد منه عليه السلام كقربهم، فهي لهم دون الطلقاء وأبناء الطلقاء، ويستحقها واحد منهم في كل زمان إذ كان الإمام لا يكون إلا واحدا بلزوم الكتاب والدعاء إلى إقامته بدلالة الرسول صلى الله عليه وآله عليهم "أنهم لا يفارقون الكتاب حتى يردوا علي الحوض"، وهذا إجماع. والذي اعتللتم به من بني هاشم ليس هم من ذرية الرسول صلى الله عليه وآله، وإن كانت لهم ولادة، لأن كل بني ابنة ينتمون إلى عصبتهم ما خلا ولد فاطمة، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله عصبتهم وأبوهم، والذرية هم الولد، لقول الله عز وجل: "إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم". فأقول - وبالله أعتصم -: إن هذا الامر لا يصح باجماعنا وإياكم عليه وإنما يصح بالدليل والبرهان فما دليلك على ما ادعيت، وعلى أن الاجماع بيننا إنما هو في ثلاثة أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام ولم يذكر الرسول صلى الله عليه وآله ذريته و إنما ذكر عترته، فملتم أنتم إلى بعض العترة دون بعض بلا حجة وبيان أكثر من الدعوى، واحتججنا نحن بما رواه أسلافنا عن جماعة حتى انتهى خبرهم إلى نص الحسين بن علي عليهما السلام على علي ابنه ونص علي على محمد، ونص محمد على جعفر ثم استدللنا على صحة إمامة هؤلاء دون غيرهم ممن كان في عصرهم من العترة بما ظهر من علمهم بالدين وفضلهم في أنفسهم، وقد حمل العلم عنهم الأولياء والأعداء، وذلك مبثوث في الأمصار، معروف عند نقلة الاخبار، وبالعلم تتبين الحجة من المحجوج، والامام من المأموم، والتابع من المتبوع، وأين دليلكم يا معشر الزيدية على ما تدعون.
ثم قال صاحب الكتاب: ولو جازت الإمامة لسائر بني هاشم مع الحسن والحسين عليهما السلام لجازت لبني عبد مناف مع بني هاشم، ولو جازت لبني عبد مناف مع بني هاشم لجازت لسائر ولد قصي، ثم مد في هذا القول. فيقال له: أيها المحتج عن الزيدية إن هذا لشيء لا يستحق بالقرابة، وإنما يستحق بالفضل والعلم، ويصح بالنص والتوقيف. فلو جازت الإمامة لأقرب رجل من العترة لقرابته لجازت لأبعدهم، فافصل بينك وبين من ادعى ذلك، وأظهر حجتك، وافصل الآن بينك وبين من قال: ولو جازت لولد الحسن لجازت لولد جعفر، ولو جازت لهم لجازت لولد العباس، وهذا فصل لا تأتي به الزيدية أبداً إلا أن تفزع إلى فصلنا وحجتنا، وهو النص من واحد على واحد، وظهور العلم بالحلال والحرام. ثم قال صاحب الكتاب: وإن اعتلوا بعلي عليه السلام فقالوا: ما تقولون فيه، أهو من العترة أم لا؟ قيل لهم: ليس هو من العترة، ولكنه بان من العترة ومن سائر القرابة بالنصوص عليه يوم الغدير بإجماع. فأقول - وبالله أستعين -: يقال لصاحب الكتاب: أما النصوص يوم الغدير فصحيحة، وأما إنكارك أن يكون أمير المؤمنين من العترة فعظيم. فدلنا على أي شيء تعول فيما تدعي؟ فإن أهل اللغة يشهدون أن العم وابن العم من العترة. ثم أقول: إن صاحب الكتاب نقض بكلامه هذا مذهبه، لأنه معتقد أن أمير المؤمنين ممن خلفه الرسول في أمته، ويقول في ذلك: إن النبي صلى الله عليه وآله خلف في أمته الكتاب والعترة، وإن أمير المؤمنين صلوات الله عليه ليس من العترة. وإذا لم يكن من العترة، فليس ممن خلفه الرسول صلى الله عليه وآله، وهذا متناقض كما ترى. اللهم إلا أن يقول: إنه صلى الله عليه وآله خلف العترة فينا بعد أن قتل أمير المؤمنين صلوات الله عليه. فنسأله أن يفصل بينه وبين من قال: وخلف الكتاب فينا منذ ذلك الوقت، لأن الكتاب والعترة خلفا معاً، والخبر ناطق بذلك، شاهد به، ولله المنة. ثم أقبل صاحب الكتاب بما هو حجة عليه، فقال: ونسأل من ادعى الإمامة لبعض دون بعض إقامة الحجة، ونسي نفسه وتفرده بادعائها لولد الحسن والحسين عليهما السلام دون غيرهم. ثم قال: فإن أحالوا على الأباطيل من علم الغيب وأشباه ذلك من الخرافات وما لا دليل لهم عليه دون الدعوى، عورضوا بمثل ذلك لبعض، فجاز أن العترة من الظالمين لأنفسهم إن كان الدعوى هو الدليل. فيقال لصاحب الكتاب: قد أكثرت في ذكر علم الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله، وما ادعاه لبشر إلا مشرك كافر. وقد قلنا لك ولأصحابك: دليلنا على ما ندعي الفهم والعلم، فإن كان لكم مثله فأظهروه، وإن لم يكن إلا التشنيع والتقول وتقريع الجميع بقول قوم غلاة، فالأمر سهل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ثم قال صاحب الكتاب: ثم رجعنا إلى إيضاح حجة الزيدية بقول الله تبارك و تعالى: "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا - الآية". فيقال له: نحن نسلم لك أن هذه الآية نزلت في العترة، فما برهانك على أن السابق بالخيرات هم ولد الحسن والحسين دون غيرهم من سائر العترة؟ فإنك لست تريد إلا التشنيع على خصومك وتدعي لنفسك. ثم قال: قال الله عز وجل وذكر الخاصة والعامة من أمة نبيه: "واعتصموا بحبل الله جميعا - الآية" ثم قال: انقضت مخاطبة العامة، ثم استأنف مخاطبة الخاصة فقال: "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير - إلى قوله للخاصة - كنتم خير أمة أخرجت للناس"، فقال: هم ذرية إبراهيم عليه السلام دون سائر الناس، ثم المسلمون دون من أشرك من ذرية إبراهيم عليه السلام قبل إسلامه، وجعلهم شهداء على الناس فقال: "يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا - إلى قوله - وتكونوا شهداء على الناس"، وهذا سبيل الخاصة من ذرية إبراهيم عليه السلام، ثم اعتل بآيات كثيرة تشبه هذه الآيات من القرآن. فيقال له: أيها المحتج، أنت تعلم أن المعتزلة وسائر فرق الأمة تنازعك في تأويل هذه الآيات أشد منازعة، وأنت فليس تأتي بأكثر من الدعوى، ونحن نسلم لك ما ادعيت، ونسألك الحجة فيما تفردت به من أن هؤلاء هم ولد الحسن والحسين عليهما السلام دون غيرهم، فإلى متى تأتي بالدعوى وتعرض عن الحجة؟ وتهول علينا بقراءة القرآن وتوهم أن لك في قراءته حجة ليست لخصومك؟ والله المستعان. ثم قال صاحب الكتاب: فليس من دعا إلى الخير من العترة كمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وجاهد في الله حق جهاده سواء، وسائر العترة ممن لم يدع إلى الخير ولم يجاهد في الله حق جهاده، كما لم يجعل الله من هذا سبيله من أهل الكتاب سواء وسائر أهل الكتاب، وإن كان تارك ذلك فاضلاً عابداً، لأن العبادة نافلة والجهاد فريضة لازمة كسائر الفرائض، صاحبها يمشي بالسيف إلى السيف، ويؤثر على الدعة الخوف، ثم قرأ سورة الواقعة وذكر الآيات التي ذكر الله عز وجل فيها الجهاد، وأتبع الآيات بالدعاوي ولم يحتج لشئ من ذلك بحجة، فنطالبه بصحتها ونقابله بما نسأله فيه الفصل. فأقول - وبالله أستعين -: إن كان كثرة الجهاد هو الدليل على الفضل والعلم والإمامة، فالحسين عليه السلام أحق بالإمامة من الحسن عليه السلام، لأن الحسن وادع معاوية، والحسين عليه السلام جاهد حتى قتل، فكيف يقول صاحب الكتاب؟ وبأي شيء يدفع هذا؟ وبعد، فلسنا ننكر فرض الجهاد ولا فضله، ولكننا رأينا الرسول صلى الله عليه وآله لم يحارب أحداً حتى وجد أعواناً وأنصاراً وإخواناً، فحينئذ حارب، ورأينا أمير المؤمنين عليه السلام فعل مثل ذلك بعينه، ورأينا الحسن عليه السلام قد هم بالجهاد، فلما خذله أصحابه وادع ولزم منزله، فعلمنا أن الجهاد فرض في حال وجود الأعوان والأنصار، والعالم - بإجماع العقول - أفضل من المجاهد الذي ليس بعالم، وليس كل من دعا إلى الجهاد يعلم كيف حكم الجهاد، ومتى يجب القتال، ومتى تحسن الموادعة، وبماذا يستقبل أمر هذه الرعية، وكيف يصنع في الدماء والأموال والفروج، وبعد، فإنا نرضى من إخواننا بشيء واحد وهو أن يدلونا على رجل من العترة ينفي التشبيه والجبر عن الله، ولا يستعمل الاجتهاد والقياس في الأحكام السمعية، ويكون مستقلاً كافياً حتى نخرج معه، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على قدر الطاقة وحسب الإمكان، والعقول تشهد أن تكليف ما لا يطاق فاسد، والتغرير بالنفس قبيح، ومن التغرير أن تخرج جماعة قليلة لم تشاهد حرباً ولا تدربت بدربة أهلها إلى قوم متدربين بالحروب تمكنوا في البلاد، وقتلوا العباد، وتدربوا بالحروب، ولهم العدد والسلاح والكراع، ومن نصرهم من العامة - ويعتقدوا أن الخارج عليهم مباح الدم - مثل جيشهم أضعافاً مضاعفة، فكيف يسومنا صاحب الكتاب أن نلقى بالأغمار المتدربين بالحروب. وكم عسى أن يحصل في يد داع إن دعا من هذا العدد؟ هيهات هيهات، هذا أمر لا يزيله إلا نصر الله العزيز العليم الحكيم.
قال صاحب الكتاب بعد آيات من القرآن تلاها ينازع في تأويلها أشد منازعة ولم يؤيد تأويله بحجة عقل ولا سمع: فافهم - رحمك الله - من أحق أن يكون لله شهيداً؟ من دعا إلى الخير كما أمر، ونهى عن المنكر، وأمر بالمعروف، وجاهد في الله حق جهاده حتى استشهد؟ أم من لم يُرَ وجهه ولا عُرِف شخصه؟ أم كيف يتخذه الله شهيداً على من لم يرهم ولا نهاهم ولا أمرهم؟ فإن أطاعوه أدوا ما عليهم، وإن قتلوه مضى إلى الله عز وجل شهيداً؟! ولو أن رجلاً استشهد قوماً على حق يطالب به لم يروه ولا شهدوه، هل كان شهيداً؟ وهل يستحق بهم حقاً إلا أن يشهدوا على ما لم يروه فيكونوا كاذبين وعند الله مبطلين؟ وإذا لم يجز ذلك من العباد، فهو غير جائز عند الحكم العدل الذي لا يجور. ولو أنه استشهد قوماً قد عاينوا وسمعوا فشهدوا له، والمسألة على حالها، أليس كان يكون محقاً وهم صادقون وخصمه مبطلاً، وتمضي الشهادة ويقع الحكم؟ وكذلك قال الله تعالى: "إلا من شهد بالحق وهم يعلمون"، أولا ترى أن الشهادة لا تقع بالغيب دون العيان؟ وكذلك قول عيسى: "وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم". فأقول - وبالله أعتصم -: يقال لصاحب الكتاب: ليس هذا الكلام لك، بل هو للمعتزلة وغيرهم علينا وعليك، لأنا نقول: إن العترة غير ظاهرة، وإن من شاهدنا منهم لا يصلح أن يكون إماماً، وليس يجوز أن يأمرنا الله عز وجل بالتمسك بمن لا نعرفه منهم ولا نشاهده، ولا شاهده أسلافنا. وليس في عصرنا ممن شاهدناه منهم من يصلح أن يكون إماماً للمسلمين، والذين غابوا لا حجة لهم علينا. وفي هذا أدل دليل على أن معنى قول النبي صلى الله عليه وآله: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي"، ليس ما يسبق إلى قلوب الإمامية والزيدية. وللنظام وأصحابه أن يقولوا: وجدنا الذي لا يفارق الكتاب هو الخبر القاطع للعذر، فإنه ظاهر كظهور الكتاب، ينتفع به، ويمكن اتباعه والتمسك به. فأما العترة فلسنا نشاهد منهم عالماً يمكن أن نقتدي به، وإن بلغنا عن واحد منهم مذهب بلغنا عن آخر أنه يخالفه. والاقتداء بالمختلفين فاسد، فكيف يقول صاحب الكتاب؟ ثم اعلم أن النبي صلى الله عليه وآله لما أمرنا بالتمسك بالعترة، كان بالعقل والتعارف والسيرة ما يدل على أنه أراد علماءهم دون جهالهم، والبررة الأتقياء دون غيرهم. فالذي يجب علينا ويلزمنا أن ننظر إلى من يجتمع له العلم بالدين مع العقل والفضل والحلم والزهد في الدنيا والاستقلال بالأمر، فنقتدي به ونتمسك بالكتاب وبه.
وإن قال: فإن اجتمع ذلك في رجلين وكان أحدهما ممن يذهب إلى مذهب الزيدية والآخر إلى مذهب الإمامية، بمن يقتدى منهما ولمن يتبع؟ قلنا له: هذا لا يتفق، فإن اتفق فرق بينهما دلالة واضحة، إما نص من إمام تقدمه، وإما شيء يظهر في علمه، كما ظهر في أمير المؤمنين يوم النهر حين قال: "والله ما عبروا النهر ولا يعبروا، والله ما يُقتل منكم عشرة ولا ينجو منهم عشرة"، وإما أن يظهر من أحدهما مذهب يدل على أن الاقتداء به لا يجوز، كما ظهر من علم الزيدية القول بالاجتهاد والقياس في الفرائض السمعية والأحكام، فيُعلم بهذا أنهم غير أئمة. ولست أريد بهذا القول زيد بن علي وأشباهه، لأن أولئك لم يظهروا ما يُنكر، ولا ادعوا أنهم أئمة، وإنما دعوا إلى الكتاب والرضا من آل محمد، وهذه دعوة حق. وأما قوله: "كيف يتخذه الله شهيداً على من لم يرهم ولا أمرهم ولا نهاهم"، فيقال له: ليس معنى الشهيد عند خصومك ما تذهب إليه، ولكن إن عبت الإمامية بأن من لم يُر وجهه ولا عُرف شخصه لا يكون بالمحل الذي يدعونه له، فأخبرنا عنك من الإمام الشهيد من العترة في هذا الوقت؟ فإن ذكر أنه لا يعرفه، دخل فيما عاب، ولزمه ما قدر أنه يلزم خصومه. فإن قال: هو فلان، قلنا له: فنحن لم نر وجهه ولا عرفنا شخصه، فكيف يكون إماماً لنا وشهيداً علينا؟! فإن قال: إنكم وإن لم تعرفوه، فهو موجود الشخص، معروف، علمه من علمه وجهله من جهله، قلنا: سألناك بالله، هل تظن أن المعتزلة والخوارج والمرجئة والإمامية تعرف هذا الرجل أو سمعت به أو خطر ذكره ببالها؟ فإن قال: هذا ما لا يضره ولا يضرنا، لأن السبب في ذلك إنما هو غلبة الظالمين على الدار وقلة الأعوان والأنصار، قلت له: لقد دخلت فيما عبت، وحججت نفسك من حيث قدرت أنك تحاج خصومك، وما أقرب هذه الغيبة من غيبة الإمامية، غير أنكم لا تنصفون. ثم يقال: قد أكثرت في ذكر الجهاد ووصف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى أوهمت أن من لم يخرج فليس بمحق، فما بال أئمتك والعلماء من أهل مذهبك لا يخرجون؟ وما لهم قد لزموا منازلهم واقتصروا على اعتقاد المذهب فقط؟ فإن نطق بحرف، فتقابله الإمامية بمثله. ثم قيل له برفق ولين: هذا الذي عبته على الإمامية، وهتفت بهم من أجله، وشنعت به على أئمتهم بسببه، وتوصلت بذكره إلى ما ضمنته كتابك، قد دخلت فيه وملت إلى صحته، وعولت عند الاحتجاج عليه، والحمد لله الذي هدانا لدينه. ثم يقال له: أخبرنا هل في العترة اليوم من يصلح للإمامة؟ فلا بد من أن يقول: نعم. فيقال له: أفليست إمامته لا تصح إلا بالنص على ما تقوله الإمامية؟ ولا معه دليل معجز يعلم به أنه إمام؟ وليس سبيله عندكم سبيل من يجتمع أهل الحل والعقد من الأمة فيتشاورون في أمره، ثم يختارونه ويبايعونه؟ فإذا قال: نعم، قيل له: فكيف السبيل إلى معرفته؟ فإن قالوا: يُعرف بإجماع العترة عليه، قلنا لهم: كيف تجتمع عليه؟ فإن كان إمامياً لم ترض به الزيدية، وإن كان زيدياً لم ترض به الإمامية. فإن قال: لا يُعتبر بالإمامية في مثل هذا، قيل له: فالزيدية على قسمين: قسم معتزلة، وقسم مثبتة. فإن قال: لا يُعتبر بالمثبتة في مثل هذا، قيل له: فالمعتزلة قسمان: قسم يجتهد في الأحكام بآرائه، وقسم يعتقد أن الاجتهاد ضلال. فإن قال: لا يُعتبر بمن نفى الاجتهاد، قيل له: فإن بقي - ممن يرى الاجتهاد - منهم أفضلهم، وبقي - ممن يبطل الاجتهاد - منهم أفضلهم، ويبرأ بعضهم من بعض، بمن نتمسك؟ وكيف نعلم المحق منهما؟ أهو من تؤمي أنت وأصحابك إليه دون غيره؟ فإن قال: بالنظر في الأصول، قلنا: فإن طال الاختلاف واشتبه الأمر، كيف نصنع؟ وبماذا نتخلص من قول النبي صلى الله عليه وآله: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي"؟ والحجة من عترته لا يمكن أحداً أن يعرفه إلا بعد النظر في الأصول، والوقوف على أن مذاهبه كلها صواب، وعلى أن من خالفه فقد أخطأ، وإذا كان هكذا، فسبيله وسبيل كل قائل من أهل العلم سبيل واحد. فما تلك الخاصة التي هي للعترة؟ دلنا عليها وبيِّن لنا جميعها، لنعلم أن بين العالم من العترة وبين العالم من غير العترة فرقاً وفصلاً.
وأخرى يقال لهم: أخبرونا عن إمامكم اليوم، أعنده الحلال والحرام؟ فإذا قالوا: نعم، قلنا لهم: وأخبرونا عما عنده مما ليس في الخبر المتواتر، هل هو مثل ما عند الشافعي وأبي حنيفة ومن جنسه أو هو خلاف ذلك؟ فإن قالوا: بل عنده الذي عندهما ومن جنسه، قيل لهم: وما حاجة الناس إلى علم إمامكم الذي لم يُسمع به، وكتب الشافعي وأبي حنيفة ظاهرة مبثوثة موجودة؟ وإن قالوا: بل عنده خلاف ما عندهما، قلنا: فخلاف ما عندهما، أهو النص المستخرج الذي تدعيه جماعة من مشايخ المعتزلة، وأن الأشياء كلها على إطلاق العقول، إلا ما كان في الخبر القاطع للعذر على مذهب النظام وأتباعه، أو مذهب الإمامية أن الأحكام منصوصة؟ واعلموا أنا لا نقول منصوصة على الوجه الذي يسبق إلى القلوب، ولكن المنصوص عليه بالجُمل التي من فهمها فَهِم الأحكام من غير قياس ولا اجتهاد. فإن قالوا: عنده ما يخالف هذا كله، خرجوا من التعارف، وإن تعلقوا بمذاهب من المذاهب، قيل لهم: فأين ذلك العلم؟ هل نقله عن إمامكم أحد يوثق بدينه وأمانته؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: قد عاشرناكم الدهر الأطول فما سمعنا بحرف واحد من هذا العلم، وأنتم قوم لا ترون التقية ولا يراها إمامكم، فأين علمه؟ وكيف لم يظهر ولم ينتشر؟ ولكن أخبرونا ما يُؤمِّننا أن تكذبوا، فقد كذبتم على إمامكم، كما تدّعون أن الإمامية كذبت على جعفر بن محمد عليهما السلام، وهذا ما لا فصل فيه. مسألة أخرى، ويقال لهم: أليس جعفر بن محمد عندكم كان لا يذهب إلى ما تدعيه الإمامية، وكان على مذهبكم ودينكم؟ فلا بد من أن يقولوا: نعم، اللهم إلا أن تبرؤوا منه، فيقال لهم: وقد كذبت الإمامية فيما نقلته عنه؟ وهذه الكتب المؤلفة التي في أيديهم إنما هي من تأليف الكذابين؟ فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: فإذا جاز ذلك، فلم لا يجوز أن يكون إمامكم يذهب مذهب الإمامية، ويدين بدينها، وأن يكون ما يحكيه سلفكم ومشايخكم عنه مولَّداً موضوعاً لا أصل له؟ فإن قالوا: ليس لنا في هذا الوقت إمام نعرفه بعينه نروي عنه علم الحلال والحرام، ولكنا نعلم أن في العترة من هو موضع هذا الأمر وأهله، قلنا لهم: دخلتم فيما عبتموه على الإمامية، بما معها من الأخبار عن أئمتها بالنص على صاحبهم والإشارة إليه والبشارة به. وبطل جميع ما قصصتم به من ذكر الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فصار إمامكم بحيث لا يُرى ولا يُعرف، فقولوا كيف شئتم. ونعوذ بالله من الخذلان.
ثم قال صاحب الكتاب، وكما أمر الله العترة بالدعاء إلى الخير وصف سبق السابقين منهم، وجعلهم شهداء، وأمرهم بالقسط فقال: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط". ثم أتبع ذلك بضرب من التأويل وقراءة آيات من القرآن ادعى أنها في العترة، ولم يحتج لشئ منها بحجة أكثر من أن يكون الدعوى. ثم قال: وقد أوجب الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله ترك الأمر والنهي إلى أن هيأ له أنصارا فقال: "وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا - إلى قوله - لعلهم يتقون"، فمن لم يكن من السابقين بالخيرات، المجاهدين في الله، ولا من المقتصدين الواعظين بالأمر والنهي عند إعواز الأعوان، فهو من الظالمين لأنفسهم، وهذا سبيل من كان قبلنا من ذراري الأنبياء عليهم السلام، ثم تلا آيات من القرآن. فيقال له: ليس علينا، لمن أراد بهذا الكلام؟ ولكن أخبرنا عن الإمام من العترة عندك من أي قسم هو؟ فإن قال: من المجاهدين، قيل له: فمن هو؟ ومن جاهد؟ ويُعلم من خرج؟ وأين خيله ورجله؟ فإن قال: هو ممن يعظ بالأمر والنهي عند إعواز الأعوان، قيل له: فمن سمع أمره ونهيه؟ فإن قال: أولياؤه وخاصته، قلنا: فإن اتبع هذا وسقط فرض ما سوى ذلك عنه لإعواز الأعوان، وجاز أن لا يسمع أمره ونهيه إلا أولياؤه، فأي شئ عبته على الإمامية؟ ولم ألفت كتابك هذا؟ وبمن عرضت؟ وليت شعري بمن قرعت بآي القرآن وألزمته فرض الجهاد؟ ثم يقال له وللزيدية جميعا: أخبرونا، لو خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من الدنيا ولم ينص على أمير المؤمنين عليه السلام، ولا دل عليه، ولا أشار إليه، أكان يكون ذلك من فعله صوابا وتدبيرا حسنا جائزا؟ فإن قالوا: نعم، قلنا لهم: ولو لم يدل على العترة، أكان يكون ذلك جائزا؟ فإن قالوا: نعم، قلنا: ولو لم يدل، فأي شيء أنكرتم على المعتزلة والمرجئة والخوارج؟ وقد كان يجوز أن لا يقع النص، فيكون الأمر شورى بين أهل الحل والعقد، وهذا ما لا حيلة فيه. فإن قالوا: لا، ولا بد من النص على أمير المؤمنين صلوات الله عليه ومن الأدلة على العترة، قيل لهم: لم؟ حتى إذا ذكروا الحجة الصحيحة، فننقلها إلى الإمام في كل زمان، لأن النص إن وجب في زمن وجب في كل زمان، لأن العلل الموجبة له موجودة أبدا. ونعوذ بالله من الخذلان.
مسألة أخرى يقال لهم: إذا كان الخبر المتواتر حجة رواه العترة والأمة، وكان الخبر الواحد من العترة كخبر الواحد من الأمة، يجوز على الواحد منهم من تعمد الباطل ومن السهو والزلل ما يجوز على الواحد من الأمة، وما ليس في الخبر المتواتر ولا خبر الواحد فسبيله عندكم الاستخراج، وكان يجوز على المتأول منكم ما يجوز على المتأول من الأمة، فمن أي وجه صارت العترة حجة؟ فإن قال صاحب الكتاب: إذا أجمعوا فإجماعهم حجة، قيل له: فإذا أجمعت الأمة فإجماعها حجة، وهذا يوجب أنه لا فرق بين العترة والأمة، وإن كان هكذا فليس في قوله "خلفت فيكم كتاب الله وعترتي" فائدة إلا أن يكون فيها من هو حجة في الدين، وهذا قول الإمامية. واعلموا - أسعدكم الله - إن صاحب الكتاب أشغل نفسه بعد ذلك بقراءة القرآن وتأويله على من أحب، ولم يقل في شيء من ذلك: "الدليل على صحة تأويلي كيت كيت"، وهذا شيء لا يعجز عنه الصبيان، وإنما أراد أن يعيب الإمامية بأنها لا ترى الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد غلط، فإنها ترى ذلك على قدر الطاقة، ولا ترى أن تلقي بأيديها إلى التهلكة، ولا أن تخرج مع من لا يعرف الكتاب والسنة ولا يحسن أن يسير في الرعية بسيرة العدل والحق. وأعجب من هذا أن أصحابنا من الزيدية في منازلهم لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر ولا يجاهدون، وهم يعيبوننا بذلك، وهذا نهاية من نهايات التحامل ودليل من أدلة العصبية، نعوذ بالله من اتباع الهوى، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مسألة أخرى ويقال لصاحب الكتاب: هل تعرف في أئمة الحق أفضل من أمير المؤمنين صلوات الله عليه؟ فمن قوله: لا، فيقال له: فهل تعرف من المنكر بعد الشرك والكفر شيئا أقبح وأعظم مما كان من أصحاب السقيفة؟ فمن قوله: لا، فيقال له: فأنت أعلم بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد أو أمير المؤمنين عليه السلام؟ فلا بد من أن يقول: أمير المؤمنين، فيقال له: فما باله لم يجاهدا القوم؟ فإن اعتذر بشيء، قيل له: فاقبل مثل هذا العذر من الإمامية، فإن الناس جميعا يعلمون أن الباطل اليوم أقوى منه يومئذ، وأعوان الشيطان أكثر، ولا تهول علينا بالجهاد وذكره، فإن الله تعالى إنما فرضه لشرائط، لو عرفتها لقلّ كلامك وقصر كتابك، ونسأل الله التوفيق. مسألة أخرى يقال لصاحب الكتاب: أتصوبون الحسن بن علي عليهما السلام في موادعته معاوية أم تخطئونه؟ فإذا قالوا: نصوبه، قيل لهم: أتصوبونه وقد ترك الجهاد وأعرض عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه الذي تؤمون إليه؟ فإن قالوا: نصوبه لأن الناس خذلوه، ولم يأمنهم على نفسه، ولم يكن معه من أهل البصائر من يمكنه أن يقاوم بهم معاوية وأصحابه، فإذا عرفوا صحة ذلك، قيل لهم: فإذا كان الحسن عليه السلام مبسوط العذر ومعه جيش أبيه، وقد خطب له الناس على المنابر، وسل سيفه، وسار إلى عدو الله وعدوه للجهاد، لما وصفتم وذكرتم، فلم لا تعذرون جعفر بن محمد عليهما السلام في تركه الجهاد وقد كان أعداؤه في عصره أضعاف من كان مع معاوية، ولم يكن معه من شيعته مائة نفر قد تدربوا بالحروب، وإنما كان قوم من أهل السر لم يشاهدوا حربا ولا عاينوا وقعة؟ فإن بسطوا عذره فقد أنصفوا، وإن امتنع منهم ممتنع فسئل الفصل، ولا فصل. وبعد، فإن كان قياس الزيدية صحيحا فزيد بن علي أفضل، لأن الحسن وادع وزيد حارب حتى قُتل، وكفى بمذهب يؤدي إلى تفضيل زيد بن علي على الحسن بن علي عليهما السلام قبحا. والله المستعان، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وإنما ذكرنا هذه الفصول في أول كتابنا هذا لأنها غاية ما يتعلق بها الزيدية وما يُرد عليهم، وهي أشد الفرق علينا، وقد ذكرنا الأنبياء والحجج الذين وقعت بهم الغيبة صلوات الله عليهم، وذكرنا في آخر الكتاب المعمرين ليخرج بذلك ما نقوله في الغيبة وطول العمر من حد الإحالة إلى حد الجواز، ثم صححنا النصوص على القائم الثاني عشر من الأئمة، عليه وعليهم السلام، من الله تعالى ذكره ومن رسوله والأئمة الأحد عشر صلوات الله عليهم، مع إخبارهم بوقوع الغيبة، ثم ذكرنا مولده عليه السلام، ومن شاهده، وما صح من دلالاته وأعلامه، وما ورد من توقيعاته لتأكيد الحجة على المنكرين لولي الله والمغيب في ستر الله، والله الموفق للصواب، وهو خير مستعان.