قال صاحب الكتاب بعد آيات من القرآن تلاها ينازع في تأويلها أشد منازعة ولم يؤيد تأويله بحجة عقل ولا سمع: فافهم - رحمك الله - من أحق أن يكون لله شهيداً؟ من دعا إلى الخير كما أمر، ونهى عن المنكر، وأمر بالمعروف، وجاهد في الله حق جهاده حتى استشهد؟ أم من لم يُرَ وجهه ولا عُرِف شخصه؟ أم كيف يتخذه الله شهيداً على من لم يرهم ولا نهاهم ولا أمرهم؟ فإن أطاعوه أدوا ما عليهم، وإن قتلوه مضى إلى الله عز وجل شهيداً؟! ولو أن رجلاً استشهد قوماً على حق يطالب به لم يروه ولا شهدوه، هل كان شهيداً؟ وهل يستحق بهم حقاً إلا أن يشهدوا على ما لم يروه فيكونوا كاذبين وعند الله مبطلين؟ وإذا لم يجز ذلك من العباد، فهو غير جائز عند الحكم العدل الذي لا يجور. ولو أنه استشهد قوماً قد عاينوا وسمعوا فشهدوا له، والمسألة على حالها، أليس كان يكون محقاً وهم صادقون وخصمه مبطلاً، وتمضي الشهادة ويقع الحكم؟ وكذلك قال الله تعالى: "إلا من شهد بالحق وهم يعلمون"، أولا ترى أن الشهادة لا تقع بالغيب دون العيان؟ وكذلك قول عيسى: "وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم".
فأقول - وبالله أعتصم -: يقال لصاحب الكتاب: ليس هذا الكلام لك، بل هو للمعتزلة وغيرهم علينا وعليك، لأنا نقول: إن العترة غير ظاهرة، وإن من شاهدنا منهم لا يصلح أن يكون إماماً، وليس يجوز أن يأمرنا الله عز وجل بالتمسك بمن لا نعرفه منهم ولا نشاهده، ولا شاهده أسلافنا. وليس في عصرنا ممن شاهدناه منهم من يصلح أن يكون إماماً للمسلمين، والذين غابوا لا حجة لهم علينا. وفي هذا أدل دليل على أن معنى قول النبي صلى الله عليه وآله: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي"، ليس ما يسبق إلى قلوب الإمامية والزيدية. وللنظام وأصحابه أن يقولوا: وجدنا الذي لا يفارق الكتاب هو الخبر القاطع للعذر، فإنه ظاهر كظهور الكتاب، ينتفع به، ويمكن اتباعه والتمسك به.
فأما العترة فلسنا نشاهد منهم عالماً يمكن أن نقتدي به، وإن بلغنا عن واحد منهم مذهب بلغنا عن آخر أنه يخالفه. والاقتداء بالمختلفين فاسد، فكيف يقول صاحب الكتاب؟ ثم اعلم أن النبي صلى الله عليه وآله لما أمرنا بالتمسك بالعترة، كان بالعقل والتعارف والسيرة ما يدل على أنه أراد علماءهم دون جهالهم، والبررة الأتقياء دون غيرهم. فالذي يجب علينا ويلزمنا أن ننظر إلى من يجتمع له العلم بالدين مع العقل والفضل والحلم والزهد في الدنيا والاستقلال بالأمر، فنقتدي به ونتمسك بالكتاب وبه.
الشرح #19
قال صاحب الكتاب بعد آيات من القرآن تلاها ينازع في تأويلها أشد منازعة ولم يؤيد تأويله بحجة عقل ولا سمع: فافهم - رحمك الله - من أحق أن يكون لله شهيداً؟ من دعا إلى الخير كما أمر، ونهى عن المنكر، وأمر بالمعروف، وجاهد في الله حق جهاده حتى استشهد؟ أم من لم يُرَ وجهه ولا عُرِف شخصه؟ أم كيف يتخذه الله شهيداً على من لم يرهم ولا نهاهم ولا أمرهم؟ فإن أطاعوه أدوا ما عليهم، وإن قتلوه مضى إلى الله عز وجل شهيداً؟! ولو أن رجلاً استشهد قوماً على حق يطالب به لم يروه ولا شهدوه، هل كان شهيداً؟ وهل يستحق بهم حقاً إلا أن يشهدوا على ما لم يروه فيكونوا كاذبين وعند الله مبطلين؟ وإذا لم يجز ذلك من العباد، فهو غير جائز عند الحكم العدل الذي لا يجور. ولو أنه استشهد قوماً قد عاينوا وسمعوا فشهدوا له، والمسألة على حالها، أليس كان يكون محقاً وهم صادقون وخصمه مبطلاً، وتمضي الشهادة ويقع الحكم؟ وكذلك قال الله تعالى: "إلا من شهد بالحق وهم يعلمون"، أولا ترى أن الشهادة لا تقع بالغيب دون العيان؟ وكذلك قول عيسى: "وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم".
فأقول - وبالله أعتصم -: يقال لصاحب الكتاب: ليس هذا الكلام لك، بل هو للمعتزلة وغيرهم علينا وعليك، لأنا نقول: إن العترة غير ظاهرة، وإن من شاهدنا منهم لا يصلح أن يكون إماماً، وليس يجوز أن يأمرنا الله عز وجل بالتمسك بمن لا نعرفه منهم ولا نشاهده، ولا شاهده أسلافنا. وليس في عصرنا ممن شاهدناه منهم من يصلح أن يكون إماماً للمسلمين، والذين غابوا لا حجة لهم علينا. وفي هذا أدل دليل على أن معنى قول النبي صلى الله عليه وآله: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي"، ليس ما يسبق إلى قلوب الإمامية والزيدية. وللنظام وأصحابه أن يقولوا: وجدنا الذي لا يفارق الكتاب هو الخبر القاطع للعذر، فإنه ظاهر كظهور الكتاب، ينتفع به، ويمكن اتباعه والتمسك به.
فأما العترة فلسنا نشاهد منهم عالماً يمكن أن نقتدي به، وإن بلغنا عن واحد منهم مذهب بلغنا عن آخر أنه يخالفه. والاقتداء بالمختلفين فاسد، فكيف يقول صاحب الكتاب؟ ثم اعلم أن النبي صلى الله عليه وآله لما أمرنا بالتمسك بالعترة، كان بالعقل والتعارف والسيرة ما يدل على أنه أراد علماءهم دون جهالهم، والبررة الأتقياء دون غيرهم. فالذي يجب علينا ويلزمنا أن ننظر إلى من يجتمع له العلم بالدين مع العقل والفضل والحلم والزهد في الدنيا والاستقلال بالأمر، فنقتدي به ونتمسك بالكتاب وبه.