وإن قال: فإن اجتمع ذلك في رجلين وكان أحدهما ممن يذهب إلى مذهب الزيدية والآخر إلى مذهب الإمامية، بمن يقتدى منهما ولمن يتبع؟ قلنا له: هذا لا يتفق، فإن اتفق فرق بينهما دلالة واضحة، إما نص من إمام تقدمه، وإما شيء يظهر في علمه، كما ظهر في أمير المؤمنين يوم النهر حين قال: "والله ما عبروا النهر ولا يعبروا، والله ما يُقتل منكم عشرة ولا ينجو منهم عشرة"، وإما أن يظهر من أحدهما مذهب يدل على أن الاقتداء به لا يجوز، كما ظهر من علم الزيدية القول بالاجتهاد والقياس في الفرائض السمعية والأحكام، فيُعلم بهذا أنهم غير أئمة. ولست أريد بهذا القول زيد بن علي وأشباهه، لأن أولئك لم يظهروا ما يُنكر، ولا ادعوا أنهم أئمة، وإنما دعوا إلى الكتاب والرضا من آل محمد، وهذه دعوة حق.
وأما قوله: "كيف يتخذه الله شهيداً على من لم يرهم ولا أمرهم ولا نهاهم"، فيقال له: ليس معنى الشهيد عند خصومك ما تذهب إليه، ولكن إن عبت الإمامية بأن من لم يُر وجهه ولا عُرف شخصه لا يكون بالمحل الذي يدعونه له، فأخبرنا عنك من الإمام الشهيد من العترة في هذا الوقت؟ فإن ذكر أنه لا يعرفه، دخل فيما عاب، ولزمه ما قدر أنه يلزم خصومه. فإن قال: هو فلان، قلنا له: فنحن لم نر وجهه ولا عرفنا شخصه، فكيف يكون إماماً لنا وشهيداً علينا؟! فإن قال: إنكم وإن لم تعرفوه، فهو موجود الشخص، معروف، علمه من علمه وجهله من جهله، قلنا: سألناك بالله، هل تظن أن المعتزلة والخوارج والمرجئة والإمامية تعرف هذا الرجل أو سمعت به أو خطر ذكره ببالها؟ فإن قال: هذا ما لا يضره ولا يضرنا، لأن السبب في ذلك إنما هو غلبة الظالمين على الدار وقلة الأعوان والأنصار، قلت له: لقد دخلت فيما عبت، وحججت نفسك من حيث قدرت أنك تحاج خصومك، وما أقرب هذه الغيبة من غيبة الإمامية، غير أنكم لا تنصفون.
ثم يقال: قد أكثرت في ذكر الجهاد ووصف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى أوهمت أن من لم يخرج فليس بمحق، فما بال أئمتك والعلماء من أهل مذهبك لا يخرجون؟ وما لهم قد لزموا منازلهم واقتصروا على اعتقاد المذهب فقط؟ فإن نطق بحرف، فتقابله الإمامية بمثله. ثم قيل له برفق ولين: هذا الذي عبته على الإمامية، وهتفت بهم من أجله، وشنعت به على أئمتهم بسببه، وتوصلت بذكره إلى ما ضمنته كتابك، قد دخلت فيه وملت إلى صحته، وعولت عند الاحتجاج عليه، والحمد لله الذي هدانا لدينه.
ثم يقال له: أخبرنا هل في العترة اليوم من يصلح للإمامة؟ فلا بد من أن يقول: نعم. فيقال له: أفليست إمامته لا تصح إلا بالنص على ما تقوله الإمامية؟ ولا معه دليل معجز يعلم به أنه إمام؟ وليس سبيله عندكم سبيل من يجتمع أهل الحل والعقد من الأمة فيتشاورون في أمره، ثم يختارونه ويبايعونه؟ فإذا قال: نعم، قيل له: فكيف السبيل إلى معرفته؟ فإن قالوا: يُعرف بإجماع العترة عليه، قلنا لهم: كيف تجتمع عليه؟ فإن كان إمامياً لم ترض به الزيدية، وإن كان زيدياً لم ترض به الإمامية. فإن قال: لا يُعتبر بالإمامية في مثل هذا، قيل له: فالزيدية على قسمين: قسم معتزلة، وقسم مثبتة. فإن قال: لا يُعتبر بالمثبتة في مثل هذا، قيل له: فالمعتزلة قسمان: قسم يجتهد في الأحكام بآرائه، وقسم يعتقد أن الاجتهاد ضلال. فإن قال: لا يُعتبر بمن نفى الاجتهاد، قيل له: فإن بقي - ممن يرى الاجتهاد - منهم أفضلهم، وبقي - ممن يبطل الاجتهاد - منهم أفضلهم، ويبرأ بعضهم من بعض، بمن نتمسك؟ وكيف نعلم المحق منهما؟ أهو من تؤمي أنت وأصحابك إليه دون غيره؟ فإن قال: بالنظر في الأصول، قلنا: فإن طال الاختلاف واشتبه الأمر، كيف نصنع؟ وبماذا نتخلص من قول النبي صلى الله عليه وآله: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي"؟ والحجة من عترته لا يمكن أحداً أن يعرفه إلا بعد النظر في الأصول، والوقوف على أن مذاهبه كلها صواب، وعلى أن من خالفه فقد أخطأ، وإذا كان هكذا، فسبيله وسبيل كل قائل من أهل العلم سبيل واحد. فما تلك الخاصة التي هي للعترة؟ دلنا عليها وبيِّن لنا جميعها، لنعلم أن بين العالم من العترة وبين العالم من غير العترة فرقاً وفصلاً.
الشرح #20
وإن قال: فإن اجتمع ذلك في رجلين وكان أحدهما ممن يذهب إلى مذهب الزيدية والآخر إلى مذهب الإمامية، بمن يقتدى منهما ولمن يتبع؟ قلنا له: هذا لا يتفق، فإن اتفق فرق بينهما دلالة واضحة، إما نص من إمام تقدمه، وإما شيء يظهر في علمه، كما ظهر في أمير المؤمنين يوم النهر حين قال: "والله ما عبروا النهر ولا يعبروا، والله ما يُقتل منكم عشرة ولا ينجو منهم عشرة"، وإما أن يظهر من أحدهما مذهب يدل على أن الاقتداء به لا يجوز، كما ظهر من علم الزيدية القول بالاجتهاد والقياس في الفرائض السمعية والأحكام، فيُعلم بهذا أنهم غير أئمة. ولست أريد بهذا القول زيد بن علي وأشباهه، لأن أولئك لم يظهروا ما يُنكر، ولا ادعوا أنهم أئمة، وإنما دعوا إلى الكتاب والرضا من آل محمد، وهذه دعوة حق.
وأما قوله: "كيف يتخذه الله شهيداً على من لم يرهم ولا أمرهم ولا نهاهم"، فيقال له: ليس معنى الشهيد عند خصومك ما تذهب إليه، ولكن إن عبت الإمامية بأن من لم يُر وجهه ولا عُرف شخصه لا يكون بالمحل الذي يدعونه له، فأخبرنا عنك من الإمام الشهيد من العترة في هذا الوقت؟ فإن ذكر أنه لا يعرفه، دخل فيما عاب، ولزمه ما قدر أنه يلزم خصومه. فإن قال: هو فلان، قلنا له: فنحن لم نر وجهه ولا عرفنا شخصه، فكيف يكون إماماً لنا وشهيداً علينا؟! فإن قال: إنكم وإن لم تعرفوه، فهو موجود الشخص، معروف، علمه من علمه وجهله من جهله، قلنا: سألناك بالله، هل تظن أن المعتزلة والخوارج والمرجئة والإمامية تعرف هذا الرجل أو سمعت به أو خطر ذكره ببالها؟ فإن قال: هذا ما لا يضره ولا يضرنا، لأن السبب في ذلك إنما هو غلبة الظالمين على الدار وقلة الأعوان والأنصار، قلت له: لقد دخلت فيما عبت، وحججت نفسك من حيث قدرت أنك تحاج خصومك، وما أقرب هذه الغيبة من غيبة الإمامية، غير أنكم لا تنصفون.
ثم يقال: قد أكثرت في ذكر الجهاد ووصف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى أوهمت أن من لم يخرج فليس بمحق، فما بال أئمتك والعلماء من أهل مذهبك لا يخرجون؟ وما لهم قد لزموا منازلهم واقتصروا على اعتقاد المذهب فقط؟ فإن نطق بحرف، فتقابله الإمامية بمثله. ثم قيل له برفق ولين: هذا الذي عبته على الإمامية، وهتفت بهم من أجله، وشنعت به على أئمتهم بسببه، وتوصلت بذكره إلى ما ضمنته كتابك، قد دخلت فيه وملت إلى صحته، وعولت عند الاحتجاج عليه، والحمد لله الذي هدانا لدينه.
ثم يقال له: أخبرنا هل في العترة اليوم من يصلح للإمامة؟ فلا بد من أن يقول: نعم. فيقال له: أفليست إمامته لا تصح إلا بالنص على ما تقوله الإمامية؟ ولا معه دليل معجز يعلم به أنه إمام؟ وليس سبيله عندكم سبيل من يجتمع أهل الحل والعقد من الأمة فيتشاورون في أمره، ثم يختارونه ويبايعونه؟ فإذا قال: نعم، قيل له: فكيف السبيل إلى معرفته؟ فإن قالوا: يُعرف بإجماع العترة عليه، قلنا لهم: كيف تجتمع عليه؟ فإن كان إمامياً لم ترض به الزيدية، وإن كان زيدياً لم ترض به الإمامية. فإن قال: لا يُعتبر بالإمامية في مثل هذا، قيل له: فالزيدية على قسمين: قسم معتزلة، وقسم مثبتة. فإن قال: لا يُعتبر بالمثبتة في مثل هذا، قيل له: فالمعتزلة قسمان: قسم يجتهد في الأحكام بآرائه، وقسم يعتقد أن الاجتهاد ضلال. فإن قال: لا يُعتبر بمن نفى الاجتهاد، قيل له: فإن بقي - ممن يرى الاجتهاد - منهم أفضلهم، وبقي - ممن يبطل الاجتهاد - منهم أفضلهم، ويبرأ بعضهم من بعض، بمن نتمسك؟ وكيف نعلم المحق منهما؟ أهو من تؤمي أنت وأصحابك إليه دون غيره؟ فإن قال: بالنظر في الأصول، قلنا: فإن طال الاختلاف واشتبه الأمر، كيف نصنع؟ وبماذا نتخلص من قول النبي صلى الله عليه وآله: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي"؟ والحجة من عترته لا يمكن أحداً أن يعرفه إلا بعد النظر في الأصول، والوقوف على أن مذاهبه كلها صواب، وعلى أن من خالفه فقد أخطأ، وإذا كان هكذا، فسبيله وسبيل كل قائل من أهل العلم سبيل واحد. فما تلك الخاصة التي هي للعترة؟ دلنا عليها وبيِّن لنا جميعها، لنعلم أن بين العالم من العترة وبين العالم من غير العترة فرقاً وفصلاً.