فأقول - والله الموفق للصواب -: لو كانت الإمامة تبطل لكثرة من يدعيها لكان سبيل النبوة سبيلها، لأنا نعلم أن خلقا قد ادعاها، وقد حكى صاحب الكتاب عن الإمامية حكايات مضطربة وأوهم أن تلك مقالة الكل، وأنه ليس فيهم إلا من يقول بالبداء. ومن قال: إن الله يبدو له من إحداث رأي وعلم مستفاد فهو كافر بالله، وما كان غير هذا فهو قول المغيرية، ومن ينحل للأئمة علم الغيب. فهذا كفر بالله، وخروج عن الإسلام عندنا. وأقل ما كان يجب عليه أن يذكر مقالة أهل الحق، وأن لا يقتصر على أن القوم اختلفوا حتى يدل على أن القول بالإمامة فاسد.
وبعد، فإن الإمام عندنا يُعرف من وجوه سنذكرها ثم نعتبر ما يقول هؤلاء، فإن لم نجد بيننا وبينهم فصلا حكمنا بفساد المذهب، ثم عدنا نسأل صاحب الكتاب عن أن أي قول هو الحق من بين الأقوال: أما قوله: "إن منهم فرقة قطعت على موسى وائتموا بعده بابنه علي بن موسى"، فهو قول رجل لا يعرف أخبار الإمامية، لأن كل الإمامية - إلا شرذمة وقفت، وشذوذ قالوا بإمامة إسماعيل وعبد الله بن جعفر - قالوا بإمامة علي بن موسى، ورووا فيه ما هو مدون في الكتب، وما يُذكر من حملة الأخبار ونقلة الآثار خمسة مالوا إلى هذه المذاهب في أول حدوث الحادث، وإنما كثر من كثر منهم بعد، فكيف استحسن صاحب الكتاب أن يقول: "ومنهم فرقة قطعت على موسى"؟ وأعجب من هذا قوله: "حتى انتهوا إلى الحسن فادعوا له ابنا"، وقد كانوا في حياة علي بن محمد وسموا للإمامة ابنه محمدا، إلا طائفة من أصحاب فارس بن حاتم، وليس يحسن بالعاقل أن يشنّع على خصمه بالباطل الذي لا أصل له.
والذي يدل على فساد قول القائلين بإمامة محمد هو بعينه ما وصفناه في باب إسماعيل بن جعفر، لأن القصة واحدة، وكل واحد منهما مات قبل أبيه، ومن المحال أن يستخلف الحي الميت ويوصي إليه بالإمامة، وهذا أبين فسادا من أن يحتاج في كسره إلى كثرة القول. والفصل بيننا وبين القائلين بإمامة جعفر أن حكاية القائلين بإمامته عنه اختلفت وتضادت، لأن منهم من حكى عنه أنه قال: "إني إمام بعد أخي محمد"، ومنهم من حكى أنه قال: "إني إمام بعد أخي الحسن"، ومنهم من قال: إنه قال: "إني إمام بعد أبي علي بن محمد". وهذه أخبار كما ترى، يكذب بعضها بعضا، وخبرنا في أبي الحسن بن علي خبر متواتر لا يتناقض، وهذا فصل بيّن. ثم ظهر لنا من جعفر ما دلنا على أنه جاهل بأحكام الله عز وجل، وهو أنه جاء يطالب أم أبي محمد بالميراث، وفي حكم آبائه "أن الأخ لا يرث مع الأم"، فإذا كان جعفر لا يحسن هذا المقدار من الفقه حتى تبين فيه نقصه وجهله، فكيف يكون إماما؟ وإنما تعبدنا الله بالظاهر من هذه الأمور، ولو شئنا أن نقول لقلنا، وفيما ذكرناه كفاية ودلالة على أن جعفرا ليس بإمام.
وأما قوله: "إنهم ادعوا للحسن ولدا"، فالقوم لم يدّعوا ذلك إلا بعد أن نُقل إليهم من أسلافهم حاله وغيبته وصورة أمره، واختلاف الناس فيه عند حدوث ما يحدث، وهذه كتبهم، فمن شاء أن ينظر فيها فلينظر. وأما قوله: "إن كل هذه الفرق يتشاحون ويكفر بعضهم بعضا"، فقد صدق في حكايته، وحال المسلمين في تكفير بعضهم بعضا هذه الحال، فليقل ما شاء، وليطعن كما شاء، فإن البراهمة تتعلق به فتطعن بمثله في الإسلام، ومن سأل خصمه عن مسألة يريد بها نقض مذهبه، إذا رُدت عليه كان فيها من نقض مذهبه مثل ما قدّر أن يلزم به خصمه، فهو رجل يسأل نفسه وينقض قوله، وهذه قصة صاحب الكتاب. والنبوة أصل، والإمامة فرع، فإذا أقر صاحب الكتاب بالأصل، لم يحسن به أن يطعن في الفرع بما يرجع على الأصل، والله المستعان. ثم قال: ولو جازت الإمامة بالوراثة والوصية لمن يُدعى له بلا دليل متفق عليه، لكانت المغيرية أحق بها، لإجماع الكل معهم على إمامة الحسن بن علي، الذي هو أصلها، المستحق للإمامة من أبيه بالوراثة والوصية، وامتناعها بعد إجماع الكل معهم على إمامة الحسن من إجازتها لغيره. هذا مع اختلاف المؤتمة في دينهم: منهم من يقول بالجسم، ومنهم من يقول بالتناسخ، ومنهم من يجرد التوحيد، ومنهم من يقول بالعدل ويثبت الوعيد، ومنهم من يقول بالقدر ويبطل الوعيد، ومنهم من يقول بالرؤية، ومنهم من ينفيها مع القول بالبداء، وأشياء يطول الكتاب بشرحها، يُكفر بها بعضهم بعضا، ويتبرأ بعضهم من دين بعض، ولكل فرقة من هذه الفرق - بزعمها - رجال ثقات عند أنفسهم، أدّوا إليهم عن أئمتهم ما هم متمسكون به.
الشرح #13
فأقول - والله الموفق للصواب -: لو كانت الإمامة تبطل لكثرة من يدعيها لكان سبيل النبوة سبيلها، لأنا نعلم أن خلقا قد ادعاها، وقد حكى صاحب الكتاب عن الإمامية حكايات مضطربة وأوهم أن تلك مقالة الكل، وأنه ليس فيهم إلا من يقول بالبداء. ومن قال: إن الله يبدو له من إحداث رأي وعلم مستفاد فهو كافر بالله، وما كان غير هذا فهو قول المغيرية، ومن ينحل للأئمة علم الغيب. فهذا كفر بالله، وخروج عن الإسلام عندنا. وأقل ما كان يجب عليه أن يذكر مقالة أهل الحق، وأن لا يقتصر على أن القوم اختلفوا حتى يدل على أن القول بالإمامة فاسد.
وبعد، فإن الإمام عندنا يُعرف من وجوه سنذكرها ثم نعتبر ما يقول هؤلاء، فإن لم نجد بيننا وبينهم فصلا حكمنا بفساد المذهب، ثم عدنا نسأل صاحب الكتاب عن أن أي قول هو الحق من بين الأقوال: أما قوله: "إن منهم فرقة قطعت على موسى وائتموا بعده بابنه علي بن موسى"، فهو قول رجل لا يعرف أخبار الإمامية، لأن كل الإمامية - إلا شرذمة وقفت، وشذوذ قالوا بإمامة إسماعيل وعبد الله بن جعفر - قالوا بإمامة علي بن موسى، ورووا فيه ما هو مدون في الكتب، وما يُذكر من حملة الأخبار ونقلة الآثار خمسة مالوا إلى هذه المذاهب في أول حدوث الحادث، وإنما كثر من كثر منهم بعد، فكيف استحسن صاحب الكتاب أن يقول: "ومنهم فرقة قطعت على موسى"؟ وأعجب من هذا قوله: "حتى انتهوا إلى الحسن فادعوا له ابنا"، وقد كانوا في حياة علي بن محمد وسموا للإمامة ابنه محمدا، إلا طائفة من أصحاب فارس بن حاتم، وليس يحسن بالعاقل أن يشنّع على خصمه بالباطل الذي لا أصل له.
والذي يدل على فساد قول القائلين بإمامة محمد هو بعينه ما وصفناه في باب إسماعيل بن جعفر، لأن القصة واحدة، وكل واحد منهما مات قبل أبيه، ومن المحال أن يستخلف الحي الميت ويوصي إليه بالإمامة، وهذا أبين فسادا من أن يحتاج في كسره إلى كثرة القول. والفصل بيننا وبين القائلين بإمامة جعفر أن حكاية القائلين بإمامته عنه اختلفت وتضادت، لأن منهم من حكى عنه أنه قال: "إني إمام بعد أخي محمد"، ومنهم من حكى أنه قال: "إني إمام بعد أخي الحسن"، ومنهم من قال: إنه قال: "إني إمام بعد أبي علي بن محمد". وهذه أخبار كما ترى، يكذب بعضها بعضا، وخبرنا في أبي الحسن بن علي خبر متواتر لا يتناقض، وهذا فصل بيّن. ثم ظهر لنا من جعفر ما دلنا على أنه جاهل بأحكام الله عز وجل، وهو أنه جاء يطالب أم أبي محمد بالميراث، وفي حكم آبائه "أن الأخ لا يرث مع الأم"، فإذا كان جعفر لا يحسن هذا المقدار من الفقه حتى تبين فيه نقصه وجهله، فكيف يكون إماما؟ وإنما تعبدنا الله بالظاهر من هذه الأمور، ولو شئنا أن نقول لقلنا، وفيما ذكرناه كفاية ودلالة على أن جعفرا ليس بإمام.
وأما قوله: "إنهم ادعوا للحسن ولدا"، فالقوم لم يدّعوا ذلك إلا بعد أن نُقل إليهم من أسلافهم حاله وغيبته وصورة أمره، واختلاف الناس فيه عند حدوث ما يحدث، وهذه كتبهم، فمن شاء أن ينظر فيها فلينظر. وأما قوله: "إن كل هذه الفرق يتشاحون ويكفر بعضهم بعضا"، فقد صدق في حكايته، وحال المسلمين في تكفير بعضهم بعضا هذه الحال، فليقل ما شاء، وليطعن كما شاء، فإن البراهمة تتعلق به فتطعن بمثله في الإسلام، ومن سأل خصمه عن مسألة يريد بها نقض مذهبه، إذا رُدت عليه كان فيها من نقض مذهبه مثل ما قدّر أن يلزم به خصمه، فهو رجل يسأل نفسه وينقض قوله، وهذه قصة صاحب الكتاب. والنبوة أصل، والإمامة فرع، فإذا أقر صاحب الكتاب بالأصل، لم يحسن به أن يطعن في الفرع بما يرجع على الأصل، والله المستعان. ثم قال: ولو جازت الإمامة بالوراثة والوصية لمن يُدعى له بلا دليل متفق عليه، لكانت المغيرية أحق بها، لإجماع الكل معهم على إمامة الحسن بن علي، الذي هو أصلها، المستحق للإمامة من أبيه بالوراثة والوصية، وامتناعها بعد إجماع الكل معهم على إمامة الحسن من إجازتها لغيره. هذا مع اختلاف المؤتمة في دينهم: منهم من يقول بالجسم، ومنهم من يقول بالتناسخ، ومنهم من يجرد التوحيد، ومنهم من يقول بالعدل ويثبت الوعيد، ومنهم من يقول بالقدر ويبطل الوعيد، ومنهم من يقول بالرؤية، ومنهم من ينفيها مع القول بالبداء، وأشياء يطول الكتاب بشرحها، يُكفر بها بعضهم بعضا، ويتبرأ بعضهم من دين بعض، ولكل فرقة من هذه الفرق - بزعمها - رجال ثقات عند أنفسهم، أدّوا إليهم عن أئمتهم ما هم متمسكون به.