قال صاحب الكتاب: ثم لم يخل اختلافهم من أن يكون مولدًا من أنفسهم أو من عند الناقلين إليهم أو من عند أئمتهم، فإن كان اختلافهم من قبل أئمتهم، فالإمام من يجمع الكلمة، لا من يكون سببًا للاختلاف بين الأمة، لا سيما وهم أولياؤه دون أعدائه، ومن لا تقية بينهم وبينه. وما الفرق بين المؤتمة والأمة، إذ كانوا مع أئمتهم وحجج الله عليهم في أكثر ما عابوا على الأمة التي لا إمام لها من المخالفة في الدين وتكفير بعضهم بعضًا؟ وإن يكن اختلافهم من قبل الناقلين إليهم دينهم، فما يؤمنهم من أن يكون هذا سبيلهم معهم فيما ألقوا إليهم من الإمامة، لا سيما إذا كان المدعى له الإمامة معدوم العين، غير مرئي الشخص، وهو حجة عليهم فيما يدّعون لإمامهم من علم الغيب إذا كان خِيَرَته والتراجمة بينه وبين شيعته هكذا، فيكذبون عليه، ولا علم له بهم. وإن يكن اختلاف المؤتمة في دينها من قبل أنفسها دون أئمتها، فما حاجة المؤتمة إلى الأئمة إذ كانوا بأنفسهم مستغنين، وهو بين أظهرهم ولا ينهاهم، وهو الترجمان لهم من الله والحجة عليهم؟ فهذا أيضًا من أدل الدليل على عدمه وما يُدعى من علم الغيب له، لأنه لو كان موجودًا لم يسعه ترك البيان لشيعته، كما قال الله عز وجل: "وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه". فكما بيّن الرسول صلى الله عليه وآله لأمته، وجب على الإمام مثله لشيعته.
فأقول - وبالله الثقة -: إن اختلاف الإمامية إنما هو من قبل كذابين دلّسوا أنفسهم فيهم من وقت لوقت، ومن زمن لزمن، حتى عظم البلاء. وكان أسلافهم قومًا يرجعون إلى ورع واجتهاد وسلامة ناحية، ولم يكونوا أصحاب نظر وتمييز، فكانوا إذا رأوا رجلًا مستورًا يروي خبرًا أحسنوا به الظن وقبلوه. فلما كثر هذا وظهر، شكوا إلى أئمتهم، فأمرهم الأئمة عليهم السلام بأن يأخذوا بما يُجمع عليه، فلم يفعلوا، واستمروا على عادتهم. فكانت الخيانة من قبلهم، لا من قبل أئمتهم. والإمام أيضًا لم يقف على كل هذه التخاليط التي رُويت، لأنه لا يعلم الغيب، وإنما هو عبد صالح يعلم الكتاب والسنة، ويعلم من أخبار شيعته ما يُنهى إليه.
وأما قوله: "فما يؤمنهم أن يكون هذا سبيلهم فيما ألقوا إليهم من أمر الإمامة"، فإن الفصل بين ذلك أن الإمامة تُنقل إليهم بالتواتر، والتواتر لا يُنكشف عن كذب. وهذه الأخبار، فكل واحد منها خبر واحد، لا يوجب خبره العلم، وخبر الواحد قد يصدق وقد يكذب، وليس هذا سبيل التواتر. هذا جوابنا، وكل ما أتى به سوى هذا، فهو ساقط.
ثم يُقال له: أخبرنا عن اختلاف الأمة، هل تخلوا من الأقسام التي قسمتها؟ فإذا قال: لا، قيل له: أليس الرسول إنما بُعث لجمع الكلمة؟ فلا بد من نعم. فيُقال له: أوليس قد قال الله عز وجل: "وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه"؟ فلا بد من نعم. فيُقال له: فهل بيّن؟ فلا بد من نعم. فيُقال له: فما سبب الاختلاف؟ عرفناه، وأقنع منا بمثله.
وأما قوله: "فما حاجة المؤتمة إلى الأئمة إذ كانوا بأنفسهم مستغنين، وهو بين أظهرهم لا ينهاهم - إلى آخر الفصل"، فيُقال له: أولى الأشياء بأهل الدين الإنصاف، فأي قول قلناه؟ وأي إشارة أومأنا بها تدل على أننا مستغنون عن الأئمة، حتى يقرعنا بها صاحب الكتاب ويحتج علينا؟ وأي حجة وُجهت إلينا توجب ما أوجبه؟ ومن لا يُبالي بما يُقابل خصومه كثرت مسائله وجواباته. وأما قوله: "وهذا من أدل دليل على عدمه، لأنه لو كان موجودًا لم يسعه ترك البيان لشيعته، كما قال الله عز وجل: وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه"، فيُقال له: أخبرنا عن العترة الهادية، هل يسعهم أن لا يُبينوا للأمة الحق كله؟ فإن قال: نعم، حجّ نفسه، وعاد كلامه وبالًا عليه، لأن الأمة قد اختلفت وتباينت، وكفر بعضها بعضًا. وإن قال: لا، قيل: هذا من أدل الدليل على عدم العترة، وفساد ما تدّعيه الزيدية، لأن العترة لو كانوا كما تصف الزيدية، لبيّنوا للأمة، ولم يسعهم السكوت والإمساك، كما قال الله عز وجل: "وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه". فإن ادعى أن العترة قد بيّنوا الحق للأمة، غير أن الأمة لم تقبل ومالت إلى الهوى، قيل له: هذا بعينه قول الإمامية في الإمام وشيعته. ونسأل الله التوفيق.
الشرح #15
قال صاحب الكتاب: ثم لم يخل اختلافهم من أن يكون مولدًا من أنفسهم أو من عند الناقلين إليهم أو من عند أئمتهم، فإن كان اختلافهم من قبل أئمتهم، فالإمام من يجمع الكلمة، لا من يكون سببًا للاختلاف بين الأمة، لا سيما وهم أولياؤه دون أعدائه، ومن لا تقية بينهم وبينه. وما الفرق بين المؤتمة والأمة، إذ كانوا مع أئمتهم وحجج الله عليهم في أكثر ما عابوا على الأمة التي لا إمام لها من المخالفة في الدين وتكفير بعضهم بعضًا؟ وإن يكن اختلافهم من قبل الناقلين إليهم دينهم، فما يؤمنهم من أن يكون هذا سبيلهم معهم فيما ألقوا إليهم من الإمامة، لا سيما إذا كان المدعى له الإمامة معدوم العين، غير مرئي الشخص، وهو حجة عليهم فيما يدّعون لإمامهم من علم الغيب إذا كان خِيَرَته والتراجمة بينه وبين شيعته هكذا، فيكذبون عليه، ولا علم له بهم. وإن يكن اختلاف المؤتمة في دينها من قبل أنفسها دون أئمتها، فما حاجة المؤتمة إلى الأئمة إذ كانوا بأنفسهم مستغنين، وهو بين أظهرهم ولا ينهاهم، وهو الترجمان لهم من الله والحجة عليهم؟ فهذا أيضًا من أدل الدليل على عدمه وما يُدعى من علم الغيب له، لأنه لو كان موجودًا لم يسعه ترك البيان لشيعته، كما قال الله عز وجل: "وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه". فكما بيّن الرسول صلى الله عليه وآله لأمته، وجب على الإمام مثله لشيعته.
فأقول - وبالله الثقة -: إن اختلاف الإمامية إنما هو من قبل كذابين دلّسوا أنفسهم فيهم من وقت لوقت، ومن زمن لزمن، حتى عظم البلاء. وكان أسلافهم قومًا يرجعون إلى ورع واجتهاد وسلامة ناحية، ولم يكونوا أصحاب نظر وتمييز، فكانوا إذا رأوا رجلًا مستورًا يروي خبرًا أحسنوا به الظن وقبلوه. فلما كثر هذا وظهر، شكوا إلى أئمتهم، فأمرهم الأئمة عليهم السلام بأن يأخذوا بما يُجمع عليه، فلم يفعلوا، واستمروا على عادتهم. فكانت الخيانة من قبلهم، لا من قبل أئمتهم. والإمام أيضًا لم يقف على كل هذه التخاليط التي رُويت، لأنه لا يعلم الغيب، وإنما هو عبد صالح يعلم الكتاب والسنة، ويعلم من أخبار شيعته ما يُنهى إليه.
وأما قوله: "فما يؤمنهم أن يكون هذا سبيلهم فيما ألقوا إليهم من أمر الإمامة"، فإن الفصل بين ذلك أن الإمامة تُنقل إليهم بالتواتر، والتواتر لا يُنكشف عن كذب. وهذه الأخبار، فكل واحد منها خبر واحد، لا يوجب خبره العلم، وخبر الواحد قد يصدق وقد يكذب، وليس هذا سبيل التواتر. هذا جوابنا، وكل ما أتى به سوى هذا، فهو ساقط.
ثم يُقال له: أخبرنا عن اختلاف الأمة، هل تخلوا من الأقسام التي قسمتها؟ فإذا قال: لا، قيل له: أليس الرسول إنما بُعث لجمع الكلمة؟ فلا بد من نعم. فيُقال له: أوليس قد قال الله عز وجل: "وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه"؟ فلا بد من نعم. فيُقال له: فهل بيّن؟ فلا بد من نعم. فيُقال له: فما سبب الاختلاف؟ عرفناه، وأقنع منا بمثله.
وأما قوله: "فما حاجة المؤتمة إلى الأئمة إذ كانوا بأنفسهم مستغنين، وهو بين أظهرهم لا ينهاهم - إلى آخر الفصل"، فيُقال له: أولى الأشياء بأهل الدين الإنصاف، فأي قول قلناه؟ وأي إشارة أومأنا بها تدل على أننا مستغنون عن الأئمة، حتى يقرعنا بها صاحب الكتاب ويحتج علينا؟ وأي حجة وُجهت إلينا توجب ما أوجبه؟ ومن لا يُبالي بما يُقابل خصومه كثرت مسائله وجواباته. وأما قوله: "وهذا من أدل دليل على عدمه، لأنه لو كان موجودًا لم يسعه ترك البيان لشيعته، كما قال الله عز وجل: وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه"، فيُقال له: أخبرنا عن العترة الهادية، هل يسعهم أن لا يُبينوا للأمة الحق كله؟ فإن قال: نعم، حجّ نفسه، وعاد كلامه وبالًا عليه، لأن الأمة قد اختلفت وتباينت، وكفر بعضها بعضًا. وإن قال: لا، قيل: هذا من أدل الدليل على عدم العترة، وفساد ما تدّعيه الزيدية، لأن العترة لو كانوا كما تصف الزيدية، لبيّنوا للأمة، ولم يسعهم السكوت والإمساك، كما قال الله عز وجل: "وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه". فإن ادعى أن العترة قد بيّنوا الحق للأمة، غير أن الأمة لم تقبل ومالت إلى الهوى، قيل له: هذا بعينه قول الإمامية في الإمام وشيعته. ونسأل الله التوفيق.