ثم قال صاحب الكتاب: ويقال لهم لم استتر إمامكم عن مسترشده؟ فإن قالوا: تقية على نفسه، قيل لهم: فالمسترشد أيضا يجوز له أن يكون في تقية من طلبه، لا سيما إذا كان المسترشد يخاف ويرجو ولا يعلم ما يكون قبل كونه، فهو في تقية. وإذا جازت التقية للإمام فهي للمأموم أجوز، وما بال الإمام في تقية من إرشادهم، وليس هو في تقية من تناول أموالهم، والله يقول: "اتبعوا من لا يسألكم أجرا" وقال: "إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله". فهذا مما يدل على أن أهل الباطل عرض الدنيا يطلبون، والذين يتمسكون بالكتاب لا يسألون الناس أجرا وهم مهتدون. ثم قال: وإن قالوا كذا قيل كذا، فشيء لا يقوله إلا جاهل منقوص.
والجواب عما سأل: أن الإمام لم يستتر عن مسترشده، إنما استتر خوفا على نفسه من الظالمين. فأما قوله: "فإذا جازت التقية للإمام فهي للمأموم أجوز"، فيقال له: إن كنت تريد أن المأموم يجوز له أن يتقي من الظالم ويهرب عنه متى خاف على نفسه كما جاز للإمام، فهذا لعمري جائز. وإن كنت تريد أن المأموم يجوز له أن لا يعتقد إمامة الإمام للتقية، فذلك لا يجوز إذا قرعت الأخبار سمعه وقطعت عذره، لأن الخبر الصحيح يقوم مقام العيان، وليس على القلوب تقية، ولا يعلم ما فيها إلا الله.
وأما قوله: "وما بال الإمام في تقية من إرشادهم وليس في تقية من تناول أموالهم، والله يقول: اتبعوا من لا يسألكم أجرا"، فالجواب عن ذلك إلى آخر الفصل: يقال له: إن الإمام ليس في تقية من إرشاد من يريد الإرشاد، وكيف يكون في تقية وقد بيّن لهم الحق وحثهم عليه ودعاهم إليه وعلمهم الحلال والحرام حتى شُهروا بذلك وعُرفوا به؟ وليس يتناول أموالهم، وإنما يسألهم الخمس الذي فرضه الله عز وجل ليضعه حيث أمر أن يضعه. والذي جاء بالخمس هو الرسول، وقد نطق القرآن بذلك، قال الله عز وجل: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه"، وقال: "خذ من أموالهم صدقة". فإن كان في أخذ المال عيب أو طعن، فهو على من ابتدأ به. والله المستعان.
ويقال لصاحب الكتاب: أخبرنا عن الإمام منكم إذا خرج وغلب، هل يأخذ الخمس؟ وهل يجبى الخراج؟ وهل يأخذ الحق من الفيء والمغنم والمعادن وما أشبه ذلك؟ فإن قال: لا، فقد خالف حكم الإسلام. وإن قال: نعم، قيل له: فإن احتج عليه رجل مثلك بقول الله عز وجل: "اتبعوا من لا يسألكم أجرا"، وبقوله: "إن كثيرا من الأحبار والرهبان…"، بأي شيء تجيبه حتى تجيبك الإمامية بمثله؟ وهذا، وفقكم الله، شيء كان الملحدون يطعنون به على المسلمين، وما أدري من دلّسه لهؤلاء. واعلم، علمك الله الخير وجعلك من أهله، إنما يُعمل بالكتاب والسنة ولا يُخالفهما. فإن أمكن خصومنا أن يدلونا على أنه خالف في أخذ ما أخذ الكتاب والسنة، فلعمري أن الحجة واضحة لهم. وإن لم يمكنهم ذلك، فليعلموا أنه ليس في العمل بما يوافق الكتاب والسنة عيب. وهذا بيّن. ثم قال صاحب الكتاب: ويقال لهم: نحن لا نجيز الإمامة لمن لا يُعرف، فهل توجدونا سبيلا إلى معرفة صاحبكم الذي تدّعون حتى نجيز له الإمامة كما نجيز للموجودين من سائر العترة؟ وإلا فلا سبيل إلى تجويز الإمامة للمعدومين، وكل من لم يكن موجودا فهو معدوم، وقد بطل تجويز الإمامة لمن تدّعون.
الشرح #16
ثم قال صاحب الكتاب: ويقال لهم لم استتر إمامكم عن مسترشده؟ فإن قالوا: تقية على نفسه، قيل لهم: فالمسترشد أيضا يجوز له أن يكون في تقية من طلبه، لا سيما إذا كان المسترشد يخاف ويرجو ولا يعلم ما يكون قبل كونه، فهو في تقية. وإذا جازت التقية للإمام فهي للمأموم أجوز، وما بال الإمام في تقية من إرشادهم، وليس هو في تقية من تناول أموالهم، والله يقول: "اتبعوا من لا يسألكم أجرا" وقال: "إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله". فهذا مما يدل على أن أهل الباطل عرض الدنيا يطلبون، والذين يتمسكون بالكتاب لا يسألون الناس أجرا وهم مهتدون. ثم قال: وإن قالوا كذا قيل كذا، فشيء لا يقوله إلا جاهل منقوص.
والجواب عما سأل: أن الإمام لم يستتر عن مسترشده، إنما استتر خوفا على نفسه من الظالمين. فأما قوله: "فإذا جازت التقية للإمام فهي للمأموم أجوز"، فيقال له: إن كنت تريد أن المأموم يجوز له أن يتقي من الظالم ويهرب عنه متى خاف على نفسه كما جاز للإمام، فهذا لعمري جائز. وإن كنت تريد أن المأموم يجوز له أن لا يعتقد إمامة الإمام للتقية، فذلك لا يجوز إذا قرعت الأخبار سمعه وقطعت عذره، لأن الخبر الصحيح يقوم مقام العيان، وليس على القلوب تقية، ولا يعلم ما فيها إلا الله.
وأما قوله: "وما بال الإمام في تقية من إرشادهم وليس في تقية من تناول أموالهم، والله يقول: اتبعوا من لا يسألكم أجرا"، فالجواب عن ذلك إلى آخر الفصل: يقال له: إن الإمام ليس في تقية من إرشاد من يريد الإرشاد، وكيف يكون في تقية وقد بيّن لهم الحق وحثهم عليه ودعاهم إليه وعلمهم الحلال والحرام حتى شُهروا بذلك وعُرفوا به؟ وليس يتناول أموالهم، وإنما يسألهم الخمس الذي فرضه الله عز وجل ليضعه حيث أمر أن يضعه. والذي جاء بالخمس هو الرسول، وقد نطق القرآن بذلك، قال الله عز وجل: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه"، وقال: "خذ من أموالهم صدقة". فإن كان في أخذ المال عيب أو طعن، فهو على من ابتدأ به. والله المستعان.
ويقال لصاحب الكتاب: أخبرنا عن الإمام منكم إذا خرج وغلب، هل يأخذ الخمس؟ وهل يجبى الخراج؟ وهل يأخذ الحق من الفيء والمغنم والمعادن وما أشبه ذلك؟ فإن قال: لا، فقد خالف حكم الإسلام. وإن قال: نعم، قيل له: فإن احتج عليه رجل مثلك بقول الله عز وجل: "اتبعوا من لا يسألكم أجرا"، وبقوله: "إن كثيرا من الأحبار والرهبان…"، بأي شيء تجيبه حتى تجيبك الإمامية بمثله؟ وهذا، وفقكم الله، شيء كان الملحدون يطعنون به على المسلمين، وما أدري من دلّسه لهؤلاء. واعلم، علمك الله الخير وجعلك من أهله، إنما يُعمل بالكتاب والسنة ولا يُخالفهما. فإن أمكن خصومنا أن يدلونا على أنه خالف في أخذ ما أخذ الكتاب والسنة، فلعمري أن الحجة واضحة لهم. وإن لم يمكنهم ذلك، فليعلموا أنه ليس في العمل بما يوافق الكتاب والسنة عيب. وهذا بيّن. ثم قال صاحب الكتاب: ويقال لهم: نحن لا نجيز الإمامة لمن لا يُعرف، فهل توجدونا سبيلا إلى معرفة صاحبكم الذي تدّعون حتى نجيز له الإمامة كما نجيز للموجودين من سائر العترة؟ وإلا فلا سبيل إلى تجويز الإمامة للمعدومين، وكل من لم يكن موجودا فهو معدوم، وقد بطل تجويز الإمامة لمن تدّعون.