ثم قال صاحب الكتاب: وهذه الخطابية يدّعي الإمامة لجعفر بن محمد من أبيه عليهما السلام بالوراثة والوصية، ويقفون على رجعته، ويخالفون كل من قال بالإمامة، ويزعمون أنكم وافقتموهم في إمامة جعفر عليه السلام وخالفوكم فيمن سواه. فأقول، وبالله الثقة: ليست الإمامة تثبت بموافقة الموافق ولا بمخالفة المخالف، وإنما تثبت بأدلة الحق وبراهينه. وأحسب أن صاحب الكتاب قد غلط، فالخطابية قوم غلاة، ولا نسبة بين الغلو والإمامة. فإن قال: أردت الفرقة التي وقفت عليه، قيل له: يقال لتلك الفرقة: نحن نعلم أن الإمام بعد جعفر هو موسى، كما علمتم أنتم أن الإمام بعد محمد بن علي هو جعفر، ونعلم أن جعفراً قد مات كما نعلم أن أباه قد مات، والفصل بيننا وبينكم هو الفصل نفسه بينكم وبين السبئية والواقفة على أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فقولوا ما شئتم.
ويقال لصاحب الكتاب: فما الفصل بينك وبين من اختار الإمامة لولد العباس وجعفر وعقيل، أعني من أهل العلم والفضل منهم، واحتج بلغة العرب في أنهم من العترة، وقال: إن الرسول صلى الله عليه وآله عمّ العترة جميعاً، ولم يخص إلا ثلاثة: أمير المؤمنين، والحسن، والحسين صلوات الله عليهم. عرفنا ذلك وبيّنه لنا. ثم قال صاحب الكتاب: وهذه الشمطية تدّعي إمامة عبد الله بن جعفر بن محمد من أبيه بالوراثة والوصية، وهذه الفطحية تدّعي إمامة إسماعيل بن جعفر عن أبيه بالوراثة والوصية. وقبل ذلك، إنما قالوا بإمامة عبد الله، ويسمون اليوم إسماعيلية لأنه لم يبق من القائلين بإمامته خلف ولا بقية. وفرقة من الفطحية يقال لهم القرامطة قالوا بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر بالوراثة والوصية. وهذه الواقفة على موسى بن جعفر تدّعي الإمامة له وتنتظر رجعته.
وأقول: الفرق بيننا وبين هؤلاء واضح وسهل: أما الفطحية، فالحجة عليهم أظهر من أن تُخفى، لأن إسماعيل مات قبل أبي عبد الله عليه السلام، والميت لا يكون خليفة الحي، وإنما الحي هو خليفة الميت. لكن القوم تبعوا تقليد الرؤساء وأعرضوا عن الحجة. وهذا من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى إطناب. وأما القرامطة، فقد هدموا الإسلام حرفاً حرفاً، لأنهم أبطلوا أحكام الشريعة، وجاؤوا بكل باطل وتخريف، والاحتياج إلى الإمام إنما هو للدين ولإقامة أحكام الشريعة، فإذا جاء من ينسب نفسه للإمام ويدعو لنقض الدين والشريعة والخروج عن طريقة الأمة، فلا يُحتاج للرد عليه إلى أكثر من فساد دعواه. أما الفرق الأخرى، فبيننا وبينهم فرق ظاهر: نحن عندنا نقلة أخبار وحملة آثار يملؤون الأمصار، وقد نقلوا عن جعفر بن محمد عليهما السلام من علم الحلال والحرام ما لا يمكن أن يكون مكذوباً بتجربة العادة، وأخبرونا أن أبا عبد الله أوصى بالإمامة إلى موسى عليه السلام، ونُقل إلينا من علم موسى عليه السلام وفضله ما اشتهر عن نقلة الأخبار، أما غيرهم، فلا نعرف لهم إلا الدعوى، وليس طريق المتواتر كطريق الشاذ، فتأملوا الأخبار الصادقة تعرفوا الفرق بين موسى عليه السلام وبين محمد وعبد الله ابني جعفر.
وتعالوا نمتحن هذه الدعوى بخمس مسائل من الحلال والحرام مما أجاب فيه موسى عليه السلام، فإن وجدنا لمحمد أو عبد الله فيها جواباً عند من يدّعي إمامتهما فالقول كما يقولون. وقد روي أن عبد الله بن جعفر سئل: كم في مائتي درهم؟ فقال: خمسة دراهم. فقيل له: وكم في مائة؟ قال: درهمان ونصف. ولو أن معترضاً اعترض على الإسلام وادعى أن هناك من عارض القرآن وسألنا أن نفصل بين القرآن وهذه المعارضة، لقلنا له: أما القرآن فظاهر، فأظهر معارضتك لنبيّن لك الفرق. وكذلك نقول لهذه الفرق: أما أخبارنا فهي محفوظة عند علماء الأمصار من الإمامية، فأظهروا أنتم ما تدّعونه من أخبار لنفصل بينها وبين أخبارنا. أما أن تزعموا خبراً لم يسمعه أحد ثم تطالبونا بالفصل، فهذه دعوى لا يعجز عنها أحد، ولو أبطلنا بهذه الطريقة أخبار أهل الحق لأبطلنا أيضاً بها أخبار الإسلام كما تفعل البراهمة. وقد ادعت الثنوية أن "ماني" جاء بالمعجزات، فقال لهم الموحدون: هذه دعوى لا يعجز عنها أحد، فأظهروا خبركم لنبيّن أنه لا ينهض بحجة. وهذا هو الجواب بعينه لصاحب الكتاب.
الشرح #11
ثم قال صاحب الكتاب: وهذه الخطابية يدّعي الإمامة لجعفر بن محمد من أبيه عليهما السلام بالوراثة والوصية، ويقفون على رجعته، ويخالفون كل من قال بالإمامة، ويزعمون أنكم وافقتموهم في إمامة جعفر عليه السلام وخالفوكم فيمن سواه. فأقول، وبالله الثقة: ليست الإمامة تثبت بموافقة الموافق ولا بمخالفة المخالف، وإنما تثبت بأدلة الحق وبراهينه. وأحسب أن صاحب الكتاب قد غلط، فالخطابية قوم غلاة، ولا نسبة بين الغلو والإمامة. فإن قال: أردت الفرقة التي وقفت عليه، قيل له: يقال لتلك الفرقة: نحن نعلم أن الإمام بعد جعفر هو موسى، كما علمتم أنتم أن الإمام بعد محمد بن علي هو جعفر، ونعلم أن جعفراً قد مات كما نعلم أن أباه قد مات، والفصل بيننا وبينكم هو الفصل نفسه بينكم وبين السبئية والواقفة على أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فقولوا ما شئتم.
ويقال لصاحب الكتاب: فما الفصل بينك وبين من اختار الإمامة لولد العباس وجعفر وعقيل، أعني من أهل العلم والفضل منهم، واحتج بلغة العرب في أنهم من العترة، وقال: إن الرسول صلى الله عليه وآله عمّ العترة جميعاً، ولم يخص إلا ثلاثة: أمير المؤمنين، والحسن، والحسين صلوات الله عليهم. عرفنا ذلك وبيّنه لنا. ثم قال صاحب الكتاب: وهذه الشمطية تدّعي إمامة عبد الله بن جعفر بن محمد من أبيه بالوراثة والوصية، وهذه الفطحية تدّعي إمامة إسماعيل بن جعفر عن أبيه بالوراثة والوصية. وقبل ذلك، إنما قالوا بإمامة عبد الله، ويسمون اليوم إسماعيلية لأنه لم يبق من القائلين بإمامته خلف ولا بقية. وفرقة من الفطحية يقال لهم القرامطة قالوا بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر بالوراثة والوصية. وهذه الواقفة على موسى بن جعفر تدّعي الإمامة له وتنتظر رجعته.
وأقول: الفرق بيننا وبين هؤلاء واضح وسهل: أما الفطحية، فالحجة عليهم أظهر من أن تُخفى، لأن إسماعيل مات قبل أبي عبد الله عليه السلام، والميت لا يكون خليفة الحي، وإنما الحي هو خليفة الميت. لكن القوم تبعوا تقليد الرؤساء وأعرضوا عن الحجة. وهذا من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى إطناب. وأما القرامطة، فقد هدموا الإسلام حرفاً حرفاً، لأنهم أبطلوا أحكام الشريعة، وجاؤوا بكل باطل وتخريف، والاحتياج إلى الإمام إنما هو للدين ولإقامة أحكام الشريعة، فإذا جاء من ينسب نفسه للإمام ويدعو لنقض الدين والشريعة والخروج عن طريقة الأمة، فلا يُحتاج للرد عليه إلى أكثر من فساد دعواه. أما الفرق الأخرى، فبيننا وبينهم فرق ظاهر: نحن عندنا نقلة أخبار وحملة آثار يملؤون الأمصار، وقد نقلوا عن جعفر بن محمد عليهما السلام من علم الحلال والحرام ما لا يمكن أن يكون مكذوباً بتجربة العادة، وأخبرونا أن أبا عبد الله أوصى بالإمامة إلى موسى عليه السلام، ونُقل إلينا من علم موسى عليه السلام وفضله ما اشتهر عن نقلة الأخبار، أما غيرهم، فلا نعرف لهم إلا الدعوى، وليس طريق المتواتر كطريق الشاذ، فتأملوا الأخبار الصادقة تعرفوا الفرق بين موسى عليه السلام وبين محمد وعبد الله ابني جعفر.
وتعالوا نمتحن هذه الدعوى بخمس مسائل من الحلال والحرام مما أجاب فيه موسى عليه السلام، فإن وجدنا لمحمد أو عبد الله فيها جواباً عند من يدّعي إمامتهما فالقول كما يقولون. وقد روي أن عبد الله بن جعفر سئل: كم في مائتي درهم؟ فقال: خمسة دراهم. فقيل له: وكم في مائة؟ قال: درهمان ونصف. ولو أن معترضاً اعترض على الإسلام وادعى أن هناك من عارض القرآن وسألنا أن نفصل بين القرآن وهذه المعارضة، لقلنا له: أما القرآن فظاهر، فأظهر معارضتك لنبيّن لك الفرق. وكذلك نقول لهذه الفرق: أما أخبارنا فهي محفوظة عند علماء الأمصار من الإمامية، فأظهروا أنتم ما تدّعونه من أخبار لنفصل بينها وبين أخبارنا. أما أن تزعموا خبراً لم يسمعه أحد ثم تطالبونا بالفصل، فهذه دعوى لا يعجز عنها أحد، ولو أبطلنا بهذه الطريقة أخبار أهل الحق لأبطلنا أيضاً بها أخبار الإسلام كما تفعل البراهمة. وقد ادعت الثنوية أن "ماني" جاء بالمعجزات، فقال لهم الموحدون: هذه دعوى لا يعجز عنها أحد، فأظهروا خبركم لنبيّن أنه لا ينهض بحجة. وهذا هو الجواب بعينه لصاحب الكتاب.