وقد تكلم علينا أبو الحسن علي بن أحمد بن بشار في الغيبة وأجابه أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي وكان من كلام علي بن أحمد بن بشار علينا في ذلك أن قال في كتابه أقول: إن كل المبطلين أغنياء عن تثبيت إنية من يدعون له، وبه يتمسكون، وعليه يعكفون، ويعطفون لوجود أعيانهم وثبات إنياتهم وهؤلاء (يعني أصحابنا) فقراء إلى ما قد غني عنه كل مبطل سلف من تثبيت إنية من يدعون له وجوب الطاعة، فقد افتقروا إلى ما قد غني عنه سائر المبطلين واختلفوا بخاصة ازدادوا بها بطلانا وانحطوا بها عن سائر المبطلين، لان الزيادة من الباطل تحط والزيادة من الخير تعلو، والحمد لله رب العالمين. ثم قال: وأقول قولا تعلم فيه الزيادة على الانصاف منا وإن كان ذلك غير واجب علينا. أقول: إنه معلوم أنه ليس كل مدع ومدعى له بمحق، وإن كل سائل لمدع تصحيح دعواه بمنصف وهؤلاء القوم ادعوا أن لهم من قد صح عندهم أمره ووجب له على الناس الانقياد والتسليم وقد قدمنا أنه ليس كل مدع ومدعى له بواجب له التسليم، ونحن نسلم لهؤلاء القوم الدعوى ونقر على أنفسنا بالابطال - وإن كان ذلك في غاية المحال - بعد أن يوجدونا إنية المدعى له ولا نسألهم تثبيت الدعوى، فإن كان معلوما أن في هذا أكثر من الانصاف فقد وفينا بما قلنا، فان قدروا عليه فقد أبطلوا، و إن عجزوا عنه فقد وضح ما قلناه من زيادة عجزهم عن تثبيت ما يدعون على عجز كل مبطل عن تثبيت دعواه. وأنهم مختصون من كل نوع من الباطل بخاصة يزدادون بها انحطاطا عن المبطلين أجمعين لقدرة كل مبطل سلف على تثبيت دعواه إنية من يدعون له وعجز هؤلاء عما قدر عليه كل مبطل إلا ما يرجعون إليه من قولهم " إنه لابد ممن تجب به حجة الله عز وجل وأجل لابد من وجوده فضلا عن كونه، فأوجدونا الآنية من دون إيجاد الدعوى. ولقد خبرت عن أبي جعفر بن أبي غانم أنه قال لبعض من سأله فقال: بم تحاج الذين كنت تقول ويقولون: إنه لابد من شخص قائم من أهل هذا البيت؟ قال له: أقول لهم: هذا جعفر. فيا عجبا أيخصم الناس بمن ليس هو بمخصو وقد كان شيخ في هذه الناحية - رحمه الله - يقول: قد وسمت هؤلاء باللابدية أي أنه لا مرجع لهم ولا معتمد إلا إلى أنه لابد من أن يكون هذا الذي (ليس) في الكاينات، فوسمهم من أجل ذلك، و نحن نسميهم بها أي أنهم دون كل من له بد يعكف عليه إذ كان أهل الأصنام التي أحدها البد قد عكفوا على موجود وإن كان باطلا، وهم قد تعلقوا بعدم ليس وباطل محض وهم اللابدية حقا، أي لابد لهم يعكفون عليه إذ كان كل مطاع معبود، وقد وضح ما قلنا من اختصاصهم من كل نوع الباطل بخاصة يزدادون بها انحطاطا و الحمد لله. ثم قال: نختم الان هذا الكتاب بأن نقول: إنما نناظر ونخاطب من قد سبق منه الاجماع على أنه لابد من إمام قائم من أهل هذا البيت تجب به حجة الله ويسد به فقر الخلق وفاقتهم ومن لم يجتمع معنا على ذلك فقد خرج من النظر في كتابنا فضلا عن مطالبتنا به ونقول لكل من اجتمع معنا على هذا الأصل من الذي قدمنا في هذا الموضع: كنا وإياكم قد أجمعنا على أنه لا يخلو أحد من بيوت هذه الدار من سراج زاهر، فدخلنا الدار فلم نجد فيها إلا بيتا واحدا فقد وجب وصح أن في ذلك البيت سراجا. والحمد لله رب العالمين.
اعتراضات ابن بشار وأجوبة ابن قُبّة الرازي
فأجابه أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي بأن قال: إنا نقول: - وبالله التوفيق: - ليس الاسراف في الادعاء والتقول على الخصوم مما يثبت بهما حجة، ولو كان ذلك كذلك لارتفع الحجاج بين المختلفين واعتمد كل واحد على إضافة ما يخطر بباله من سوء القول إلى مخالفه وعلى ضد هذا بني الحجاج ووضع النظر والانصاف أولى ما يعامل به أهل الدين وليس قول أبي الحسن ليس لنا ملجأ نرجع إليه ولا قيما نعطف عليه ولا سندا نتمسك بقوله حجة لان دعواه هذا مجرد من البرهان، والدعوى إذا انفردت عن البرهان كانت غير مقبول عند ذوي العقول والألباب ولسنا نعجز عن أن نقول: بلى لنا - والحمد لله - من نرجع إليه ونقف عند أمره ومن كان ثبتت حجته وظهرت أدلته، فان قلت: فأين ذلك؟ دلونا عليه قلنا: كيف تحبون أن ندلكم عليه أتسألوننا أن نأمره أن يركب ويصير إليكم ويعرض نفسه عليكم أو تسألونا أن نبني له دارا ونحوله إليها ونعلم بذلك أهل الشرق والغرب فان رمتم ذلك فلسنا نقدر عليه ولا ذلك بواجب عليه، فان قلتم: من أي وجه تلزمنا حجته وتجب علينا طاعته؟ قلنا: إنا نقر أنه لا بد من رجل من ولد أبي الحسن علي بن محمد العسكري عليهما السلام تجب به حجة الله دللناكم على ذلك حتى نضطركم إليه إن أنصفتم من أنفسكم، وأول ما يجب علينا وعليكم أن لا نتجاوز ما قد رضي به أهل النظر واستعملوه ورأوا أن من حاد عن ذلك فقد ترك سبيل العلماء، وهو أنا لا نتكلم في فرع لم يثبت أصله وهذا الرجل الذي تجحدون وجوده فإنما يثبت له الحق بعد أبيه وأنتم قوم لا تخالفونا في وجود أبيه فلا معنى لترك النظر في حق أبيه والاشتغال بالنظر معكم في وجوده فإنه إذا ثبت الحق لأبيه، فهذا ثابت ضرورة عند ذلك باقراركم، وإن بطل أن يكون الحق لأبيه فقد آل الامر إلى ما تقولون وقد أبطلنا، وهيهات لن يزداد الحق إلا قوة ولا الباطل إلا وهنا، وإن زخرفه المبطلون، والدليل على صحته أمر أبيه أنا وإياكم مجمعون على أنه لا بد من رجل من ولد أبي الحسن تثبت به حجة الله وينقطع به عذر الخلق وإن ذلك الرجل تلزم حجته من نأى عنه من أهل الاسلام كما تلزم من شاهده وعاينه ونحن وأكثر الخلق ممن قد لزمتنا الحجة من غير مشاهدة فننظر في الوجه الذي لزمتنا منه الحجة ما هي، ثم ننظر من أولى من الرجلين اللذين لا عقب لأبي - الحسن غيرهما فأيهما كان أولى فهو الحجة والامام ولا حاجة بنا إلى التطويل، ثم نظرنا من أي وجه تلزم الحجة من نأى عن الرسل والأئمة عليهم السلام فإذا ذلك بالاخبار التي توجب الحجة وتزول عن ناقليها تهمة التواطؤ عليها والاجماع على تخرصها ووضعها ثم فحصنا عن الحال فوجدنا فريقين ناقلين يزعم أحدهما أن الماضي نص على الحسن عليه السلام وأشار إليه ويروون مع الوصية وما له من خاصة الكبر أدلة يذكرونها وعلما يثبتونه، ووجدنا الفريق الاخر يروون مثل ذلك لجعفر لا يقول غير هذا فإنه أولى بنا نظرنا فإذا الناقل لاخبار جعفر جماعة يسيرة والجماعة اليسيرة يجوز عليها التواطؤ والتلاقي والتراسل فوقع نقلهم موقع شبهة لا موقع حجة وحجج الله لا تثبت بالشبهات ونظرنا في نقل الفريق الاخر فوجدناهم جماعات متباعدي الديار والأقطار، مختلفي الهمم والآراء متغايرين، فالكذب لا يجوز عليهم لنأي بعضهم عن بعض ولا التواطؤ ولا التراسل والاجتماع على تخرص خبر ووضعه، فعلمنا أن النقل الصحيح هو نقلهم وأن المحق هؤلاء، ولأنه إن بطل ما قد نقله هؤلاء على ما وصفنا من شأنهم لم يصح خبر في الأرض وبطلت الاخبار كلها فتأمل - وفقك الله - في الفريقين فإنك تجدهم كما وصفت، وفي بطلان الاخبار هدم الاسلام وفي تصحيحها تصحيح خبرنا، وفي ذلك دليل على صحة أمرنا، والحمد لله رب العالمين. ثم رأيت الجعفرية تختلف في إمامة جعفر من أي وجه تجب؟ فقال قوم: بعد أخيه محمد، وقال قوم: بعد أخيه الحسن، وقال قوم: بعد أبيه. ورأيناهم لا يتجاوزون ذلك ورأينا أسلافهم وأسلافنا قد رووا قبل الحادث ما يدل على إمامة الحسن وهو ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا توالت ثلاثة أسماء: محمد وعلي والحسن فالرابع القائم " وغير ذلك من الروايات وهذه وحدها توجب الإمامة للحسن، وليس إلا الحسن وجعفر. فإذا لم تثبت لجعفر حجة على من شاهده في أيام الحسن والامام ثابت الحجة على من رآه ومن لم يره فهو الحسن اضطرارا، وإذا ثبت الحسن عليه السلام وجعفر عندكم مبرء تبرأ منه والامام لا يتبرأ من الامام والحسن قد مضى ولا بد عندنا وعندكم من رجل من ولد الحسن عليه السلام تثبت به حجة الله، فقد وجب بالاضطرار للحسن ولد قائم عليه السلام. ثم رأيت الجعفرية [يعني جعفر الكذاب] تختلف في إمامة جعفر من أي وجه تجب فقال قوم بعد أخيه محمد و قال قوم بعد أخيه الحسن و قال قوم بعد أبيه و رأيناهم لا يتجاوزون ذلك و رأينا أسلافهم و أسلافنا قد رووا قبل الحادث ما يدل على إمامة الحسن و هو ما رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: إِذَا تَوَالَتْ ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ مُحَمَّدٌ وَ عَلِيٌّ وَ الْحَسَنُ فَالرَّابِعُ الْقَائِمُ. وغير ذلك من الروايات و هذه وحدها توجب الإمامة للحسن و ليس إلا الحسن و جعفر فإذا لم تثبت لجعفر حجة على من شاهده في أيام الحسن و الإمام ثابت الحجة على من رآه و من لم يره فهو الحسن اضطرارا وإذا ثبت الحسن عليه السلام و جعفر عندكم مبرأ تبرأ منه و الإمام لا يتبرأ من الإمام و الحسن قد مضى و لا بد عندنا و عندكم من رجل من ولد الحسن عليه السلام تثبت به حجة الله فقد وجب بالاضطرار للحسن ولد قائم ع.
و قل يا أبا جعفر أسعدك الله لأبي الحسن أعزه الله يقول محمد بن عبد الرحمن قد أوجدناك إنية المدعى له فأين المهرب هل تقر على نفسك بالإبطال كما ضمنت أو يمنعك الهوى من ذلك فتكون كما قال الله تعالى وَ إِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فأما ما وسم به أهل الحق من اللابدية لقولهم لا بد ممن تجب به حجة الله فيا عجبا فلا يقول أبو الحسن لا بد ممن تجب به حجة الله و كيف لا يقول و قد قال عند حكايته عنا و تعييره إيانا أجل لا بد من وجوده فضلا عن كونه فإن كان يقول ذلك فهو و أصحابه من اللابدية و إنما وسم نفسه و عاب إخوانه و إن كان لا يقول ذلك فقد كفينا مئونة تنظيره و مثله بالبيت و السراج و كذا يكون حال من عاند أولياء الله يعيب نفسه من حيث يرى أنه يعيب خصمه و الحمد لله المؤيد للحق بأدلته و نحن نسمي هؤلاء بالبدية إذ كانوا عبدة البد قد عكفوا على ما لا يسمع و لا يبصر و لا يغني عنهم شيئا و هكذا هؤلاء و نقول يا أبا الحسن هداك الله هذا حجة الله على الجن و الإنس و من لا تثبت حجته على الخلق إلا بعد الدعاء و البيان محمد ص قد أخفى شخصه في الغار حتى لم يعلم بمكانه ممن احتج الله عليهم به إلا خمسة نفر. فإن قلت إن تلك غيبة بعد ظهوره و بعد أن قام على فراشه من يقوم مقامه قلت لك لسنا نحتج عليك في حال ظهوره و لا استخلافه لمن يقوم مقامه من هذا في قبيل و لا دبير و إنما نقول لك أ ليس تثبت حجته في نفسه في حال غيبته على من لم يعلم بمكانه لعلة من العلل فلا بد من أن تقول نعم قلنا و نثبت حجة الإمام و إن كان غائبا لعلة أخرى و إلا فما الفرق ثم نقول و هذا أيضا لم يغب حتى ملأ آباؤه عليه السلام آذان شيعتهم بأن غيبته تكون و عرَّفوهم كيف يعملون عند غيبته فإن قلت في ولادته فهذا موسى عليه السلام مع شدة طلب فرعون إياه و ما فعل بالنساء و الأولاد لمكانه حتى أذن الله في ظهوره. قَدْ قَالَ الرِّضَا عليه السلام فِي وَصْفِهِ بِأَبِي وَ أُمِّي شَبِيهِي وَ سَمِيُّ جَدِّي وَ شَبِيهُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ.
و حجة أخرى نقول لك يا أبا الحسن أ تقر أن الشيعة قد روت في الغيبة أخبارا فإن قال لا أوجدناه الأخبار و إن قال نعم قلنا له فكيف تكون حالة الناس إذا غاب إمامهم فكيف تلزمهم الحجة في وقت غيبته فإن قال يقيم من يقوم مقامه فليس يقوم عندنا و عندكم مقام الإمام إلا الإمام- و إذا كان إماما قائما. فلا غيبة و إن احتج بشيء آخر في تلك الغيبة فهو بعينه حجتنا في وقتنا لا فرق فيه و لا فصل و من الدليل على فساد أمر جعفر موالاته و تزكيته فارس بن حاتم لعنه الله و قد برئ منه أبوه و شاع ذلك في الأمصار حتى وقف عليه الأعداء فضلا عن الأولياء. و من الدليل على فساد أمره استعانته بمن استعان في طلب الميراث من أم الحسن عليه السلام و قد أجمعت الشيعة أن آباءه عليه السلام أجمعوا أن الأخ لا يرث مع الأم. و من الدليل على فساد أمره قوله إني إمام بعد أخي محمد فليت شعري متى تثبت إمامة أخيه و قد مات قبل أبيه حتى تثبت إمامة خليفته و يا عجبا إذا كان محمد يستخلف و يقيم إماما بعده و أبوه حي قائم و هو الحجة و الإمام فما يصنع أبوه و متى جرت هذه السنة في الأئمة و أولادهم حتى نقبلها منكم فدلونا على ما يوجب إمامة محمد حتى إذا ثبتت قبلنا إمامة خليفته و الحمد لله الذي جعل الحق مؤيدا و الباطل مهتوكا ضعيفا زاهقا.
فأما ما حكي عن ابن أبي غانم رحمه الله فلم يرد الرجل بقوله عندنا يثبت إمامة جعفر و إنما أراد أن يعلم السائل أن أهل هذه البيت لم يفنوا حتى لا يوجد منهم أحدا. وأما قوله و كل مطاع معبود فهو خطأ عظيم لأنا لا نعرف معبودا إلا الله و نحن نطيع رسول الله ص و لا نعبده. وأما قوله نختم الآن هذا الكتاب بأن نقول إنما نناظر و نخاطب من قد سبق منه الإجماع بأنه لا بد من إمام قائم من أهل هذه البيت تجب به حجة الله إلى قوله و صح أن في ذلك البيت سراجا و لا حاجة بنا إلى دخوله- فنحن وفقك الله لا نخالفه و أنه لا بد من إمام قائم من أهل هذا البيت تجب به حجة الله وإنما نخالفه في كيفية قيامه و ظهوره و غيبته. و أما ما مثل به من البيت و السراج فهو منى و قد قيل إن المنى رأس أموال المفاليس و لكنا نضرب مثلا على الحقيقة لا نميل فيه على خصم و لا نحيف فيه على ضد بل نقصد فيه الصواب فنقول كنا و من خالفنا قد أجمعنا على أن فلانا مضى و له ولدان و له دار و أن الدار يستحقها منهما من قدر على أن يحمل بإحدى يديه ألف رطل و أن الدار لا تزال في يدي عقب الحامل إلى يوم القيامة و نعلم أن أحدهما يحمل و الآخر يعجز ثم احتجنا أن نعلم من الحامل منهما فقصدنا مكانهما لمعرفة ذلك فعاق عنهما عائق منع عن مشاهدتهما غير أنا رأينا جماعات كثيرة في بلدان نائية متباعدة بعضها عن بعض يشهدون أنهم رأوا أن الأكبر منهما قد حمل ذلك و وجدنا جماعة يسيرة في موضع واحد يشهدون أن الأصغر منهما فعل ذلك و لم نجد لهذه الجماعة خاصة يأتوا بها فلم يجز في حكم النظر و حفيظة الإنصاف و ما جرت به العادة وصحت به التجربة رد شهادة تلك الجماعات و قبول شهادة هذه الجماعة و التهمة تلحق هؤلاء و تبعد عن أولئك.
فإن قال خصومنا فما تقولون في شهادة سلمان وأبي ذر وعمار و المقداد لأمير المؤمنين وشهادة تلك الجماعات وأولئك الخلق لغيره أيهما كان أصوب قلنا لهم لأمير المؤمنين وأصحابه أمور خص بها و خصوا بها دون من بإزائهم فإن أوجدتمونا مثل ذلك أو ما يقاربه لكم فأنتم المحقون أولها أن أعداءه كانوا يقرون بفضله وطهارته و علمه وَ قَدْ رُوِّينَا وَرَوَوْا لَهُ مَعَنَا أَنَّهُ ص خَبَّرَ أَنَّ اللَّهَ يُوَالِي مَنْ يُوَالِيهِ وَ يُعَادِي مَنْ يُعَادِيهِ فوجب لهذا أن يتبع دون غيره و الثاني أن أعداءه لم يقولوا له نحن نشهد أن النبي ص أشار إلى فلان بالإمامة و نصبه حجة للخلق و إنما نصبوه لهم على جهة الاختيار كما قد بلغك و الثالث أن أعداءه كانوا يشهدون على أحد أصحاب أمير المؤمنين أنه لا يكذب لِقَوْلِهِ مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَ لَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ فكانت شهادته وحده أفضل من شهادتهم و الرابع أن أعداءه قد نقلوا ما نقله أولياؤه مما تجب به الحجة و ذهبوا عنه بفساد التأويل و الخامس أن أعداءه رَوَوْا فِي الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ أَنَّهُمَا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَرَوَوْا أَيْضاً أَنَّهُ ص قَالَ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ . فلما شهدا لأبيهما بذلك و صح أنهما من أهل الجنة بشهادة الرسول وجب تصديقهما لأنهما لو كذبا في هذا لم يكونا من أهل الجنة و كانا من أهل النار و حاشا لهما الزكيين الطيبين الصادقين فليوجدنا أصحاب جعفر خاصة هي لهم دون خصومهم حتى يقبل ذلك و إلا فلا معنى لترك خبر متواتر لا تهمة في نقله و لا على ناقليه و قبول خبر لا يؤمن على ناقليه تهمة التواطؤ عليه و لا خاصة معهم يثبتون بها و لن يفعل ذلك إلا تائه حيران فتأمل أسعدك الله في النظر فيما كتبت به إليك مما ينظر به الناظر لدينه المفكر في معاده المتأمل بعين الخيفة و الحذار إلى عواقب الكفر و الجحود موفقا إن شاء الله تعالى أطال الله بقاءك و أعزك و أيدك و ثبتك و جعلك من أهل الحق و هداك له و أعاذك من أن تكون من الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً و من الذين يستزلهم الشيطان بخدعه وغروره و إملائه و تسويله و أجرى لك أجمل ما عودك.
وكتب بعض الإمامية إلى أبي جعفر بن قبة كتابا يسأله فيه عن مسائل فورد في جوابها أما قولك أيدك الله حاكيا عن المعتزلة أنها زعمت أن الإمامية تزعم أن النص على الإمام واجب في العقل فهذا يحتمل أمرين إن كانوا يريدون أنه واجب في العقل قبل مجيء الرسل عليه السلام و شرع الشرائع فهذا خطأ و إن أرادوا أن العقول دلت على أنه لا بد من إمام بعد الأنبياء عليه السلام فقد علموا ذلك بالأدلة القطعية و علموه أيضا بالخبر الذي ينقلونه عمن يقولون بإمامته. و أما قول المعتزلة إنا قد علمنا يقينا أن الحسن بن علي عليه السلام مضى و لم ينص فقد ادعوا دعوى يخالفون فيها و هم محتاجون إلى أن يدلوا على صحتها و بأي شيء ينفصلون ممن زعم من مخالفيهم أنهم قد علموا من ذلك ضد ما ادعوا أنهم علموه. و من الدليل على أن الحسن بن علي عليه السلام قد نص على ثبات إمامته و صحة النص من النبي ص و فساد الاختيار و نقل الشيع عمن قد أوجبوا بالأدلة تصديقه أن الإمام لا يمضي أو ينص على إمام كما فعل رسول الله ص إذ كان الناس محتاجين في كل عصر إلى من يكون خبره لا يختلف و لا يتكاذب كما اختلفت أخبار الأمة عند مخالفينا هؤلاء و تكاذبت و أن يكون إذا أمر ائتمر بطاعته و لا يد فوق يده و لا يسهو و لا يغلط و أن يكون عالما ليعلم الناس ما جهلوا و عادلا ليحكم بالحق و من هذا حكمه فلا بد من أن ينص عليه علام الغيوب على لسان من يؤدى ذلك عنه إذ كان ليس في ظاهر خلقته ما يدل على عصمته. فإن قالت المعتزلة هذه دعاوي تحتاجون إلى أن تدلوا على صحتها قلنا أجل لا بد من الدلائل على صحة ما ادعيناه من ذلك و أنتم فإنما سألتم عن فرع و الفرع لا يدل عليه دون أن يدل على صحة أصله و دلائلنا في كتبنا موجودة على صحة هذه الأصول و نظير ذلك أن سائلا لو سألنا الدليل على صحة الشرائع لاحتجنا أن ندل على صحة الخبر و على صحة نبوة النبي ص و على أنه أمر بها و قبل ذلك أن الله عز و جل واحد حكيم و ذلك بعد فراغنا من الدليل على أن العالم محدث و هذا نظير ما سألونا عنه و قد تأملت في هذه المسألة فوجدت غرضها ركيكا و هو أنهم قالوا لو كان الحسن بن علي قد نص على من تدعون إمامته لسقطت الغيبة و الجواب في ذلك أن الغيبة ليست هي العدم فقد يغيب الإنسان إلى بلد يكون معروفا فيه و مشاهدا لأهله و يكون غائبا عن بلد آخر وكذلك قد يكون الإنسان غائبا عن قوم دون قوم و عن أعدائه لا عن أوليائه فيقال إنه غائب
وإنه مستتر و إنما قيل غائب لغيبته عن أعدائه و عمن لا يوثق بكتمانه من أوليائه وأنه ليس مثل آبائه ظاهرا للخاصة والعامة وأولياؤه مع هذا ينقلون وجوده و أمره و نهيه و هم عندنا ممن تجب بنقلهم الحجة إذا كانوا يقطعون العذر لكثرتهم واختلافهم في هممهم و وقوع الاضطرار مع خبرهم و نقلوا ذلك كما نقلوا إمامة آبائه عليه السلام وإن خالفهم مخالفوهم فيها وكما تجب بنقل المسلمين صحة آيات النبي ص سوى القرآن وإن خالفهم. أعداؤهم من أهل الكتاب و المجوس والزنادقة والدهرية في كونها وليست هذه مسألة تشتبه على مثلك مع ما أعرفه من حسن تأملك. و أما قولهم إذا ظهر فكيف يعلم أنه محمد بن الحسن بن علي عليه السلام فالجواب في ذلك أنه قد يجوز بنقل من تجب بنقله الحجة من أوليائه كما صحت إمامته عندنا بنقلهم. و جواب آخر و هو أنه قد يجوز أن يظهر معجزا يدل على ذلك و هذا الجواب الثاني هو الذي نعتمد عليه و نجيب الخصوم به و إن كان الأول صحيحا. و أما قول المعتزلة فكيف لم يحتج عليهم علي بن أبي طالب بإقامة المعجز يوم الشورى فإنا نقول إن الأنبياء و الحجج عليه السلام إنما يظهرون من الدلالات و البراهين حسب ما يأمرهم الله عز و جل به مما يعلم الله أنه صالح للخلق فإذا ثبتت الحجة عليهم بقول النبي ص فيه و نصه عليه فقد استغنى بذلك عن إقامة المعجزات اللهم إلا أن يقول قائل إن إقامة المعجزات كانت أصلح في ذلك الوقت فنقول له و ما الدليل على صحة ذلك و ما ينكر الخصم من أن تكون إقامته لها ليس بأصلح و أن يكون الله عز و جل لو أظهر معجزا على يديه في ذلك الوقت لكفروا أكثر من كفرهم ذلك الوقت و لادعوا عليه السحر و المخرقة و إذا كان هذا جائزا لم يعلم أن إقامة المعجز كانت أصلح. فإن قالت المعتزلة فبأي شيء تعلمون أن إقامة من تدعون إمامته المعجز على أنه ابن الحسن بن علي عليه السلام أصلح قلنا لهم لسنا نعلم أنه لا بد من إقامة المعجز في تلك الحال و إنما نجوز ذلك اللهم إلا أن يكون لا دلالة غير المعجز فيكون لا بد منه لإثبات الحجة و إذا كان لا بد منه كان واجبا و ما كان واجبا كان صلاحا لا فسادا و قد علمنا أن الأنبياء عليه السلام قد أقاموا المعجزات في وقت دون وقت و لم يقيموها في كل يوم و وقت و لحظة و طرفة و عند كل محتج عليهم ممن أراد الإسلام بل في وقت دون وقت على حسب ما يعلم الله عز و جل من الصلاح و قد حكى الله عز و جل عن المشركين أنهم سألوا نبيه ص أن يرقى في السماء و أن يسقط السماء عليهم كسفا أو ينزل عليهم كتابا يقرءونه و غير ذلك مما في الآية فما فعل ذلك بهم و سألوه أن يحيي لهم قصي بن كلاب و أن ينقل عنهم جبال تهامة فما أجابهم إليه و إن كان عليه السلام قد أقام لهم غير ذلك من المعجزات و كذا حكم ما سألت المعتزلة عنه و يقال لهم كما قالوا لنا لم نترك أوضح الحجج و أبين الأدلة من تكرر المعجزات و الاستظهار بكثرة الدلالات. و أما قول المعتزلة أنه احتج بما يحتمل التأويل فيقال فما احتج عندنا على أهل الشورى إلا بما عرفوا من نص النبي ص لأن أولئك الرؤساء لم يكونوا جهالا بالأمر و ليس حكمهم حكم غيرهم من الأتباع و نقلب هذا الكلام على المعتزلة فيقال لهم لم لم يبعث الله عز و جل بأضعاف من بعث من الأنبياء و لم لم يبعث في كل قرية نبيا و في كل عصر و دهر نبيا أو أنبياء إلى أن تقوم الساعة و لم لم يبين معاني القرآن حتى لا يشك فيه شاك و لم تركه محتملا للتأويل و هذه المسائل تضطرهم إلى جوابنا إلى هاهنا كلام أبي جعفر بن قبة رحمه الله.