وإذا لم يكن قد فاتهم اللطف جاز استتاره عنهم وإن سلم أنه يحصل ما هو لطف لهم ومع ذلك يقال لم لا يظهر لهم قلنا ذلك غير واجب على كل حال فسقط السؤال من أصله. على أن لطفهم بمكانه حاصل من وجه آخر وهو أن لمكانه يثقون بوصول جميع الشرع إليهم ولولاه لما وثقوا بذلك وجوزوا أن يخفى عليهم كثير من الشرع وينقطع دونهم وإذا علموا وجوده في الجملة أمنوا جميع ذلك فكان اللطف بمكانه حاصلا من هذا الوجه أيضا. وقد ذكرنا فيما تقدم أن ستر ولادة صاحب الزمان عليه السلام ليس بخارق للعادات إذ جرى أمثال ذلك فيما تقدم من أخبار الملوك،وقد ذكره العلماء من الفرس ومن روى أخبار الدولتين. من ذلك ما هو مشهور كقصة كيخسرو وما كان من ستر أمه حملها وإخفاء ولادتها وأمه بنت ولد أفراسياب ملك الترك وكان جده كيقاوس أراد قتل ولده فسترته أمه إلى أن ولدته وكان من قصته ما هو مشهور في كتب التواريخ ذكره الطبري.
الولادة الخفية للإمام صاحب الزمان (عليه السلام) لم تكن حدثاً خارقاً للعادة
كتاب الغيبة
الكتاب 1, الباب 23
وقد نطق القرآن بقصة إبراهيم عليه السلام وأن أمه ولدته خفيا وغيبته في المغارة حتى بلغ وكان من أمره ما كان. وما كان من قصة موسى عليه السلام فإن أمه ألقته في البحر خوفا عليه وإشفاقا من فرعون عليه وذلك مشهور نطق به القرآن. ومثل ذلك قصة صاحب الزمان عليه السلام سواء، فكيف يقال إن هذا خارج عن العادات؟ ومن الناس من يكون له ولد من جارية يستتر بها من زوجته برهة من الزمان حتى إذا حضرته الوفاة أقر به.
وفي الناس من يستر أمر ولده خوفا من أهله أن يقتلوه طمعا في ميراثه.قد جرت العادات بذلك فلا ينبغي أن يتعجب من مثله في صاحب الزمان عليه السلام. وقد شاهدنا من هذا الجنس كثيرا وسمعنا منه غير قليل فلا نطول بذكره لأنه معلوم بالعادات. وكم وجدنا من ثبت نسبه بعد موت أبيه بدهر طويل ولم يكن أحد يعرفه إذا شهد بنسبة رجلان مسلمان ويكون الأب أشهدهما على نفسه سترا عن أهله وخوفا من زوجته وأهله فوصى به فشهدا بعد موته أو شهدا بعقده على امرأة عقدا صحيحا فجاءت بولد يمكن أن يكون منه فوجب بحكم الشرع إلحاقه به. والخبر بولادة ابن الحسن عليه السلام وارد من جهات أكثر مما يثبت به الأنساب في الشرع. ونحن نذكر طرفا من ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.[b]
وأما إنكار جعفر بن علي عم صاحب الزمان عليه السلام شهادة الإمامية بولد لأخيه الحسن بن علي ولد في حياته ودفعه بذلك وجوده بعده وأخذه تركته وحوزه ميراثه وما كان منه في حمل سلطان الوقت على حبس جواري الحسن عليه السلام واستبدالهن بالاستبراء لهن من الحمل ليتأكد نفيه لولد أخيه وإباحته دماء شيعتهم بدعواهم خلفا له بعده كان أحق بمقامه فليس بشبهة يعتمد على مثلها أحد من المحصلين لاتفاق الكل على أن جعفرا لم يكن له عصمة كعصمة الأنبياء فيمتنع عليه لذلك إنكار حق ودعوى باطل؛ بل الخطأ جائز عليه والغلط غير ممتنع منه.
وقد نطق القرآن بما كان من ولد يعقوب عليه السلام مع أخيهم يوسف عليه السلام وطرحهم إياه في الجب وبيعهم إياه بالثمن البخس وهم أولاد الأنبياء وفي الناس من يقول كانوا أنبياء. فإذا جاز منهم مثل ذلك مع عظم الخطإ فيه فلم لا يجوز مثله من جعفر بن علي مع ابن أخيه وأن يفعل معه من الجحد طمعا في الدنيا ونيلها وهل يمنع من ذلك أحد إلا مكابر معاند.
فإن قيل: كيف يجوز أن يكون للحسن بن علي عليه السلام ولد مع إسناده وصيته في مرضه الذي توفي فيه إلى والدته المسماة بحديث المكناة بأم الحسن بوقوفه وصدقاته وأسند النظر إليها في ذلك ولو كان له ولد لذكره في الوصية؟
قيل: إنما فعل ذلك قصدا إلى تمام ما كان غرضه في إخفاء ولادته وستر حاله عن سلطان الوقت ولو ذكر ولده أو أسند وصيته إليه لناقض غرضه خاصة وهو احتاج إلى الإشهاد عليها وجوه الدولة وأسباب السلطان وشهود القضاة ليتحرس بذلك وقوفه ويتحفظ صدقاته ويتم به السترعلى ولده بإهمال ذكره وحراسة مهجته بترك التنبيه على وجوده. ومن ظن أن ذلك دليل على بطلان دعوى الإمامية في وجود ولد للحسن عليه السلام كان بعيدا من معرفة العادات. وقد فعل نظير ذلك الصـادق جعفـر بن محمد عليه السلام حين أسند وصيته إلى خمسة نفر أولهم المنصور إذ كان سلطان الوقت ولم يفرد ابنه موسى عليه السلام بها إبقاء عليه وأشهد معه الربيع وقاضي الوقت وجاريته أم ولده حميدة البربرية وختمهم بذكر ابنه موسى بن جعفر عليه السلام لستر أمره وحراسة نفسه ولم يذكر مع ولده موسى أحدا من أولاده الباقين لعلمه كان فيهم من يدعي مقامه من بعده ويتعلق بإدخاله في وصيته،ولو لم يكن موسى عليه السلام ظاهرا مشهورا في أولاده معروف المكان منه وصحة نسبه واشتهار فضله وعلمه وكان مستورا لما ذكره في وصيته ولاقتصر على ذكر غيره كما فعل الحسن بن علي والد صاحب الزمان عليه السلام.
فإن قيل: قولكم أنه منذ ولد صاحب الزمان عليه السلام إلى وقتنا هذا مع طول المدة لا يعرف أحد مكانه ولا يعلم مستقره ولا يأتي بخبره من يوثق بقوله خارج عن العادة،لأن كل من اتفق له الاستتار عن ظالم لخوف منه على نفسه أو لغير ذلك من الأغراض يكون مدة استتاره قريبة ولا يبلغ عشرين سنة ولا يخفى أيضا على الكل في مدة استتارة مكانه ولا بد من أن يعرف فيه بعض أوليائه وأهل مكانه أو يخبر بلقائه وقولكم بخلاف ذلك.
قلنا: ليس الأمر على ما قلتم، لأن الإمامية تقول إن جماعة من أصحاب أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام قد شاهدوا وجوده في حياته وكانوا أصحابه وخاصته بعد وفاته والوسائط بينه وبين شيعته معروفون، ربما ذكرناهم فيما بعد، ينقلون إلى شيعته معالم الدين ويخرجون إليهم أجوبته في مسائلهم فيه ويقبضون منهم حقوقه وهم جماعة كان الحسن بن علي عليهما السلام عد لهم في حياته واختصهم أمناء له في وقته وجعل إليهم النظر في أملاكه والقيام بأموره بأسمائهم وأنسابهم وأعيانهم،كأبي عمرو عثمان بن سعيد السمان وابنه أبي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد وغيرهم ممن سنذكر أخبارهم فيما بعد إن شاء الله تعالى. وكانوا أهل عقل وأمانة وثقة ظاهرة ودراية وفهم وتحصيل ونباهة،وكانوا معظمين عند سلطان الوقت لعظم أقدارهم وجلالة محلهم مكرمين لظاهر أمانتهم واشتهار عدالتهم حتى أنه كان يدفع عنهم ما يضيفه إليهم خصومهم. وهذا يسقط قولهم أن صاحبكم لم يره أحد ودعواهم خلافه.
فأما بعد انقراض أصحاب أبيه فقد كان مدة من الزمان أخباره واصلة من جهة السفراء الذين بينه وبين شيعته ويوثق بقولهم ويرجع إليهم لدينهم وأمانتهم وما اختصوا به من الدين والنزاهة وربما ذكرنا طرفا من أخبارهم فيما بعد.
وقد سبق الخبر عن آبائه عليه السلام بأن القائم عليه السلام له غيبتان؛أخراهما أطول من الأولى. فالأولى يعرف فيها خبره،والأخرى لا يعرف فيها خبره. فجاء ذلك موافقا لهذه الأخبار فكان ذلك دليلا ينضاف إلى ما ذكرناه وسنوضح عن هذه الطريقة فيما بعد إن شاء الله تعالى. فأما خروج ذلك عن العادات، فليس الأمر على ما قالوه،ولو صح لجاز أن ينقض الله تعالى العادة في ستر شخص ويخفى أمره لضرب من المصلحة وحسن التدبير لما يعرض من المانع من ظهوره.
وهذا الخضرعليه السلام موجود قبل زماننا من عهد موسى عليه السلام عند أكثر الأمة وإلى وقتنا هذا باتفاق أهل السير؛ لا يعرف مستقره ولا يعرف أحد له أصحابا إلا ما جاء به القرآن من قصته مع موسى عليه السلام. وما يذكره بعض الناس أنه يظهر أحيانا ولا يعرف ويظن من يراه أنه بعض الزهاد فإذا فارق مكانه توهمه المسمى بالخضر ولم يكن عرفه بعينه في الحال ولا ظنه فيها بل اعتقد أنه بعض أهل الزمان.
وقد كان من غيبة موسى بن عمران عليه السلام من وطنه وهربه من فرعون ورهطه ما نطق به القرآن ولم يظفر به أحد مدة من الزمان ولا عرفه بعينه حتى بعثه الله نبيا ودعا إليه فعرفه الولي والعدو.
وقد كان من قصة يوسف بن يعقوب عليه السلام ما جاء به سورة في القرآن وتضمنت استتار خبره عن أبيه وهو نبي الله يأتيه الوحي صباحا ومساء وما يخفى عليه خبر ولده وعن ولده أيضا حتى أنهم كانوا يدخلون عليه ويعاملونه ولا يعرفونه وحتى مضت على ذلك السنون والأزمان ثم كشف الله أمره وظهر خبره وجمع بينه وبين أبيه وإخوته،وإن لم يكن ذلك في عادتنا اليوم ولا سمعنا بمثله.
وكان من قصة يونس بن متى نبي الله عليه السلام مع قومه وفراره منهم حين تطاول خلافهم له واستخفـافهم بحقوقه وغيبته عنهم وعن كل أحد حتى لم يعلم أحد من الخلق مستقره وستره الله تعالى في جوف السمكة وأمسك عليه رمقه بضرب من المصلحة إلى أن انقضت تلك المدة ورده الله تعالى إلى قومه وجمع بينهم وبينه. وهذا أيضا خارج عن عادتنا وبعيد من تعارفنا،قد نطق به القرآن وأجمع عليه أهل الإسلام.
ومثل ما حكيناه أيضا قصة أصحاب الكهف وقد نطق بها القرآن وتضمن شرح حالهم واستتارهم عن قومهم فرارا بدينهم. ولو لا ما نطق القرآن به لكان مخالفونا يجحدونه دفعا لغيبة صاحب الزمان عليه السلام وإلحاقهم به،لكن أخبر الله تعالى أنهم بقوا ثلاثمائة سنة مثل ذلك مستترين خائفين ثم أحياهم الله تعالى فعادوا إلى قومهم وقصتهم مشهورة في ذلك.
وإذا كان ما ذكرناه معروفا كائنا كيف يمكن مع ذلك إنكار غيبة صاحب الزمان عليه السلام اللهم إلا أن يكون المخالف دهريا معطلا ينكر جميع ذلك ويحيله فلا نتكلم معه في الغيبة بل ننتقل معه إلى الكلام في أصل التوحيد وإن ذلك مقدور، وإنما نكلم في ذلك من أقر بالإسلام وجوز كون ذلك مقدورا لله تعالى فبين لهم نظائره في العادات.
وقد كان من أمر صاحب الحمار الذي نزل بقصته القرآن وأهل الكتاب يزعمون أنه كان نبيا فأماته الله تعالى مائة عام ثم بعثه وبقي طعامه وشرابه لم يتغير.وكان ذلك خارقا للعادة. وأمثال ما قلناه كثيرة مما رواه أصحاب السير والتواريخ من ملوك الفرس وغيبتهم عن أصحابهم مدة لا يعرفون خبرهم ثم عودهم وظهورهم لضرب من التدبير،وإن لم ينطق به القرآن فهو مذكور في التواريخ. وكذلك جماعة من حكماء الروم والهند قد كانت لهم غيبات وأحوال خارجة عن العادات لا نذكرها لأن المخالف ربما جحدها على عادتهم جحد الأخبار وهو مذكور في التواريخ.
فإن قيل: ادعاؤكم طول عمر صاحبكم أمر خارق للعادات مع بقائه على قولكم كامل العقل تام القوة والشباب لأنه على قولكم له في هذا الوقت الذي هو سنة سبع وأربعين وأربعمائة مائة وإحدى وتسعون سنة،لأن مولده على قولكم سنة ست وخمسين ومائتين.
ولم تجر العادة بأن يبقى أحد من البشر هذه المدة، فكيف انتقضت العادة فيه ولا يجوز انتقاضها إلا على يد الأنبياء؟
قلنا: الجواب عن ذلك من وجهين؛ أحدهما، أنا لا نسلم أن ذلك خارق لجميع العادات، بل العادات فيما تقدم قد جرت بمثلها وأكثر من ذلك،وقد ذكرنا بعضها كقصة الخضر عليه السلام وقصة أصحاب الكهف وغير ذلك. وقد أخبر الله تعالى عن نوح عليه السلام أنه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما. وأصحاب السير يقولون إنه عاش أكثر من ذلك وإنما دعا قومه إلى الله تعالى هذه المدة المذكورة بعد أن مضت عليه ستون من عمره.