سبب غيبة الإمام عن أتباعه

كتاب الغيبة|المجلّد 1|الكتاب 1|الباب 22

كتاب الغيبة

الكتاب 1, الباب 22

سبب غيبة الإمام عن أتباعه
19 حديثًا
الحديث 1

وفي أصحابنا من قال إن علة الاستتار عن أوليائه خوفه من أن يشيعوا خبره ويتحدثوا باجتماعهم معه سرورا به،فيؤدي ذلك إلى الخوف من الأعداء وإن كان غير مقصود. وهذا الجواب يضعف، لأن عقلاء شيعته لا يجوز أن يخفى عليهم ما في إظهار اجتماعهم معه من الضرر عليه وعليهم،فكيف يخبرون بذلك العامة مع علمهم بما عليه وعليهم فيه من المضرة العامة وإن جاز هذا على الواحد والاثنين لا يجوز على جماعة شيعته الذين لا يظهر لهم. على أن هذا يلزم عليه أن يكون شيعته قد عدموا الانتفاع به على وجه لا يتمكنون من تلافيه وإزالته لأنه إذا علق الاستتار بما يعلم من حالهم أنهم يفعلونه فليس في مقدورهم الآن ما يقتضي من ظهور الإمام عليه السلام وهذا يقتضي سقوط التكليف الذي الإمام لطف فيه عنهم وفي أصحابنا من قال علة استتاره عن الأولياء ما يرجع إلى الأعداء لأن انتفاع جميع الرعية من ولي وعدو بالإمام إنما يكون بأن ينفذ أمره ببسط يده فيكون ظاهرا متصرفا بلا دافع ولا منازع. وهذا مما المعلوم أن الأعداء قد حالوا دونه ومنعوا منه.

الحديث 2

قالوا: ولا فائدة في ظهوره سرا لبعض أوليائه لأن النفع المبتغى من تدبير الأمة لا يتم إلا بظهوره للكل ونفوذ الأمر، فقد صارت العلة في استتار الإمام على الوجه الذي هو لطف ومصلحة للجميع واحدة.

الحديث 3

ويمكن أن يعترض هذا الجواب بأن يقال: إن الأعداء وإن حالوا بينه وبين الظهور على وجه التصرف والتدبير فلم يحولوا بينه وبين لقاء من شاء من أوليائه على سبيل الاختصاص وهو يعتقد طاعته ويوجب اتباع أوامره، فإن كان لا نفع في هذا اللقاء لأجل الاختصاص لأنه غير نافذ الأمر للكل فهذا تصريح بأنه لا انتفاع للشيعة الإمامية بلقاء أئمتها من لدن وفاة أمير المؤمنين إلى أيام الحسن بن علي أبي القائم عليه السلام لهذه العلة. ويوجب أيضا أن يكون أولياء أمير المؤمنين عليه السلام وشيعته لم يكن لهم بلقائه انتفاع قبل انتقال الأمر إلى تدبيره وحصوله في يده وهذا بلوغ من قائله إلى حد لا يبلغه متأمل. على أنه لو سلم أن الانتفاع بالإمام لا يكون إلا مع الظهور لجميع الرعية ونفوذ أمره فيهم لبطل قولهم من وجه آخر، وهو أنه يؤدي إلى سقوط التكليف الذي الإمام لطف فيه عن شيعته لأنه إذا لم يظهر لهم لعلة لا يرجع إليهم ولا كان في قدرتهم وإمكانهم إزالته فلا بد من سقوط التكليف عنهم، لأنه لو جـاز أن يمنع قوم من المكلفين غيـرهم لطفهم ويكـون التكليف الذي ذلك اللطف لطف فيه مستمرا عليهم لجاز أن يمنع بعض المكلفين غيره بقيد وما أشبهه من المشي على وجه لا يمكن من إزالته ويكون تكليف المشي مع ذلك مستمرا على الحقيقة.

الحديث 4

وليس لهم أن يفرقوا بين القيد وبين اللطف من حيث كان القيد يتعذر معه الفعل ولا يتوهم وقوعه وليس كذلك فقد اللطف لأن أكثر أهل العدل على أن فقد اللطف كفقد القدرة والآلة وأن التكليف مع فقد اللطف فيمن له لطف معلوم كالتكليف مع فقد القدرة والآلة ووجود الموانع وأن من لم يفعل له اللطف ممن له لطف معلوم غير مزاح العلة في التكليف كما أن الممنوع غير مزاح العلة.

الحديث 5

والذي ينبغي أن يجاب عن السؤال الذي ذكرناه عن المخالف أن نقول إنا أولا لا نقطع على استتاره عن جميع أوليائه بل يجوز أن يظهر لأكثرهم ولا يعلم كل إنسان إلا حال نفسه فإن كان ظاهرا له فعلته مزاحة،وإن لم يكن ظاهرا له علم أنه إنما لم يظهر له لأمر يرجع إليه وإن لم يعلمه مفصلا لتقصير من جهته وإلا لم يحسن تكليفه.

الحديث 6

فإذا علم بقاء تكليفه عليه واستتار الإمام عنه علم أنه لأمر يرجع إليه كما تقوله جماعتنا فيمن لم ينظر في طريق معرفة الله تعالى فلم يحصل له العلم وجب أن يقطع على أنه إنما لم يحصل لتقصير يرجع إليه وإلا وجب إسقاط تكليفه وإن لم يعلم ما الذي وقع تقصيره فيه.

الحديث 7

فعلى هذا التقرير أقوى ما يعلل به ذلك إن الإمام إذا ظهر ولا يعلم شخصه وعينه من حيث المشاهدة فلا بد من أن يظهر عليه علم معجز يدل على صدقه والعلم بكون الشي‏ء معجزا يحتاج إلى نظر يجوز أن يعترض فيه شبهه فلا يمتنع أن يكون المعلوم من حال من لم يظهر له أنه متى ظهر وأظهر المعجز لم ينعم النظر فيدخل عليه فيه شبهة فيعتقد أنه كذاب ويشيع خبره فيؤدي إلى ما تقدم القول فيه.

الحديث 8

فإن قيل: أي تقصير وقع من الولي الذي لم يظهر له الإمام لأجل هذا المعلوم من حاله وأي قدرة له على النظر فيما يظهر له الإمام معه وإلى أي شي‏ء يرجع في تلافي ما يوجب غيبته؟

الحديث 9

قلنا: ما أحلنا في سبب الغيبة عن الأولياء إلا على معلوم يظهر موضع التقصير فيه وإمكان تلافيه لأنه غير ممتنع أن يكون من المعلوم من حاله أنه متى ظهر له الإمام قصر في النظر في معجزة فإنما أتى في ذلك لتقصيره الحاصل في العلم بالفرق بين المعجز والممكن والدليل من ذلك والشبهة ولو كان من ذلك على قاعدة صحيحة لم يجز أن يشتبه عليه معجز الإمام عند ظهوره له فيجب عليه تلافي هذا التقصير واستدراكه.

الحديث 10

وليس لأحد أن يقول هذا تكليف لما لا يطاق وحوالة على غيب لأن هذا الولي ليس يعرف ما قصر فيه بعينه من النظر والاستدلال فيستدركه حتى يتمهد في نفسه ويتقرر ونراكم تلزمونه ما لا يلزمه وذلك أن ما يلزم في التكليف قد يتميز تارة ويشتبه أخرى بغيره وإن كان التمكن من الأمرين ثابتا حاصلا. فالولي على هذا إذا حاسب نفسه ورأى أن الإمام لا يظهر له وأفسد أن يكون السبب في الغيبة ما ذكرناه من الوجوه الباطلة وأجناسها علم أنه لا بد من سبب يرجع إليه،وإذا علم أن أقوى العلل ما ذكرناه علم أن التقصير واقع من جهته في صفات المعجز وشروطه فعليه معاودة النظر في ذلك عند ذلك وتخليصه من الشوائب وما يوجب الالتباس فإنه من اجتهد في ذلك حق الاجتهاد ووفى النظر شروطه فإنه لا بد من وقوع العلم بالفرق بين الحق والباطل وهذه المواضع الإنسان فيها على نفسه بصيرة وليس يمكن أن يؤمر فيها بأكثر من التناهي في الاجتهاد والبحث والفحص والاستسلام للحق. وقد بينا أن هذا نظير ما نقول لمخالفينا إذا نظروا في أدلتنا ولم يحصل لهم العلم سواء.

الحديث 11

فإن قيل: لو كان الأمر على ما قلتم لوجب أن لا يعلم شيئا من المعجزات في الحال وهذا يؤدي إلى أن لا يعلم النبوة وصدق الرسول وذلك يخرجه عن الإسلام فضلا عن الإيمان.

الحديث 12

قلنا: لا يلزم ذلك لأنه لا يمتنع أن تدخل الشبهة في نوع من المعجزات دون نوع وليس إذا دخلت الشبهة في بعضها دخل في سائرها فلا يمتنع أن يكون المعجز الدال على النبوة لم تدخل عليه فيه شبهة فحصل له العلم بكونه معجزا وعلم عند ذلك نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمعجز الذي يظهر على يد الإمام إذا ظهر يكون أمرا آخرا يجوز أن يدخل عليه الشبهة في كونه معجزا فيشك حينئذ في إمامته وإن كان عالما بالنبوة.

الحديث 13

وهذا كما نقول إن من علم نبوة موسى عليه السلام بالمعجزات الدالة على نبوته إذا لم ينعم النظر في المعجزات الظاهرة على عيسى ونبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يجب أن يقطع على أنه ما عرف تلك المعجزات لأنه لا يمتنع أن يكون عارفا بها وبوجه دلالتها وإن لم يعلم هذه المعجزات واشتبه عليه وجه دلالتها.

الحديث 14

فإن قيل: فيجب على هذا أن يكون كل من لم يظهر له الإمام يقطع على أنه على كبيرة يلحق بالكفر لأنه مقصر على ما فرضتموه فيما يوجب غيبة الإمام عنه ويقتضي فوت مصلحته فقد لحق الولي على هذا بالعدو.

الحديث 15

قلنا: ليس يجب في التقصير الذي أشرنا إليه أن يكون كفرا ولا ذنبا عظيما لأنه في هذه الحال ما اعتقد في الإمام أنه ليس بإمام ولا أخافه على نفسه وإنما قصر في بعض العلوم تقصيرا كان كالسبب في أن علم من حاله أن ذلك الشك في الإمامة يقع منه مستقبلا والآن فليس بواقع فغير لازم أن يكون كافرا غير أنه وإن لم يلزم أن يكون كفرا ولا جاريا مجرى تكذيب الإمام والشك في صدقه فهو ذنب وخطأ لا ينافيان الإيمان واستحقاق الثواب ولو لم يلحق الولي بالعدو على هذا التقدير لأن العدو في الحال معتقد في الإمام ما هو كفر وكبيرة والولي بخلاف ذلك.

الحديث 16

وإنما قلنا إن ما هو كالسبب في الكفر لا يجب أن يكون كفرا في الحال أن أحدا لو اعتقد في القادر منا بقدرة أنه يصح أن يفعل في غيره من الأجسام مبتدئا كان ذلك خطأ وجهلا ليس بكفر ولا يمتنع أن يكون المعلوم من حال هذا المعتقد أنه لو ظهر نبي يدعو إلى نبوته وجعل معجزة أن يفعل الله تعالى على يده فعلا بحيث لا يصل إليه أسباب البشر أنه لا يقبله وهذا لا محالة لو علم أنه معجز كان يقبله وما سبق من اعتقاده في مقدور القدر كان كالسبب في هذا ولم يلزم أن يجري مجراه في الكفر.

الحديث 17

فإن قيل: إن هذا الجواب أيضا لا يستمر على أصلكم لأن الصحيح من مذهبكم أن من عرف الله تعالى بصفاته وعرف النبوة والإمامة وحصل مؤمنا لا يجوز أن يقع منه كفر أصلا فإذا ثبت هذا فكيف يمكنكم أن تجعلوا علة الاستتار عن الولي أن المعلوم من حاله أنه إذا ظهر الإمام فظهر على يده علم معجز شك فيه ولا يعرفه إماما وإن الشك في ذلك كفر وذلك ينقض أصلكم الذي صححتموه.

الحديث 18

قيل: هذا الذي ذكرتموه ليس بصحيح لأن الشك مع المعجز الذي يظهر على يد الإمام ليس بقادح في معرفته لغير الإمام على طريق الجملة وإنما يقدح في أن ما علم على طريق الجملة وصحت معرفته هل هو هذا الشخص أم لا والشك في هذا ليس بكفر لأنه لو كان كفرا لوجب أن يكون كفرا وإن لم يظهر المعجز فإنه لا محالة قبل ظهور هذا المعجز في يده شاك فيه ويجوز كونه إماما وكون غيره كذلك وإنما يقدح في العلم الحاصل له على طريق الجملة أن لو شك في المستقبل في إمامته على طريق الجملة وذلك مما يمنع من وقوعه منه مستقبلا.

الحديث 19

وكان المرتضى رضي الله عنه يقول: سؤال المخالف لنا لم لا يظهر الإمام للأولياء غير لازم لأنه إن كان غرضه أن لطف الولي غير حاصل فلا يحصل تكليفه فإنه لا يتوجه فإن لطف الولي حاصل لأنه إذا علم الولي أن له إماما غائبا يتوقع ظهوره عليه السلام ساعة ساعة ويجوز انبساط يده في كل حال فإن خوفه من تأديبه حاصل وينزجر لمكانه عن المقبحات ويفعل كثيرا من الواجبات فيكون حال غيبته كحال كونه في بلد آخر بل ربما كان في حال الاستتار أبلغ لأنه مع غيبته يجوز أن يكون معه في بلده وفي جواره ويشاهده من حيث لا يعرفه ولا يقف على أخباره وإذا كان في بلد آخر ربما خفي عليه خبره فصار حال الغيبة والانزجار حاصلا عن القبيح على ما قلناه.