في الأخبار عن موسى بن جعفر (عليه السلام) وهارون الرشيد وموسى بن المهدي

عيون أخبار الرضا|المجلّد 1|الكتاب 2|الباب 7

عيون أخبار الرضا

الكتاب 2, الباب 7

في الأخبار عن موسى بن جعفر (عليه السلام) وهارون الرشيد وموسى بن المهدي
14 حديثًا
الحديث 1

1 - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْراهيمَ بْنِ إِسْحاقَ الطَّالِقانِيُ‏ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوليُّ قالَ: حَدَّثَنا أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمان النُّوفَلِيِّ، عَنْ صالِحِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ عَطِيَّةِ قالَ: كانَ السَّبَبُ فِي وُقُوعِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍعَلَيْهِمَا السَّلاَمُ إِلى بَغدْادَ: أَنَّ هارُونَ الرَّشِيدَ أَرادَ أَنْ يَعْقِدَ الأَمْرَ لِإِبْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ زُبَيْدَةَ، وَكانَ لَهُ مِنَ الْبَنِينَ أَرْبَعَةَ عَشَر ابْناً، فَاخْتارَ مِنْهُمْ ثَلاثَةً: مُحَمَّدِ بْنِ زُبَيْدَةَ، وَجَعَلَهُ وَلِيِّ عَهْدِهِ وَعَبْدِ اللَّهَ الْمَأمُونَ، وَجَعَلَ الأَمْرَ بَعْد ابْنِ زُبَيْدَةَ، وَالقاسِمِ المُؤْتَمَنَ، وَجَعَلَ لَهُ الأَمْرَ من بَعْدَ الْمَأمُونِ، فَأَرادَ أَنْ يُحْكِمَ الأَمْرَ فِي ذلِكَ، وَيَشْهَرُهُ شُهْرَةً يَقِفُ عَلَيْها الخاصُّ وَالعامُّ، فَحَجَّ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمائَةٍ وَكَتَبَ إِلى جَمِيعَ الآفاقِ وَيَأْمُرُ الفُقَهاءَ وَالعُلَماءَ وَالقُرَّاءَ وَالاُمَراء أَنْ يَحْضَرُوا مَكَّةَ أيَّامَ المَوْسِمِ، فَأَخذَ هُوَطَرِيقَ المَدِينَةِ، قالَ: عَلِىُّ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّوفَلِيُّ: فَحَدِّثْنِي أَبي أَنَّهُ كانَ سَبَبُ سِعايَةِ يَحْيَى بْنِ خالِدٍ بِمُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وَضْعَ الرَّشِيدِ اِبْنَهُ مُحَمَّدَ بْنَ زُبَيْدَةَ فِي حِجْرِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ فَساءَ ذلِكَ يَحْيَى وَقالَ: إِذا ماتَ الرَّشِيدُ، وَأَفْضَى الأَمْرُ إِلى مُحَمَّدٍ انْقَضَتْ دَوْلَتِي وَدَوْلَة وُلْدِي، وَتَحَوَّلَ الأَمْرُ إِلى جَعْفَرِ بْـنِ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ وَوُلْدِهِ، وَكـانَ قَدْ عَرَفَ مَذْهَبَ جَعْفَرٍ فِي التَّشَيُّع،فَأَظْهَرَ لَهُ أَنَّهُ عَلَى مَذْهَبِهِ فَسُرَّ بِهِ جَعْفَرٌ وَأَفْضى‏ إِلَيْهِ بِجَمِيعِ اُمُورِهِ وَذَكَرَ لَهُ ما هُوَعَلَيْهِ فِي مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍعَلَيْهِمَا السَّلاَمُ فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى مَذْهَبِهِ سَعى‏ بِهِ إِلى الرَّشِيدِ، وَكانَ الرَّشِيدُ يَرْعى‏ لَهُ مَوْضِعَهُ مَوْضِعَ أَبِيهِ مِنْ نُصْرَةِ الخَلافَة، فَكانَ يُقَدِّمُ فِي أَمْرِهِ وَيُؤَخِّرُ، وَيَحْيَى لا يَأْلُو أَن يَحْطِبَ عَلَيْهِ إلَى أَنْ دَخَلَ يَوْماً إِلى الرَّشِيدِ، فَأَظْهَرَ لَهُ إِكْراماً وَجَرى‏ بَيْنَهُما كَلامَ مَزِيَّةِ جَعْفَرٍ لِحُرْمَتِهِ وَحُرْمَة أَبِيهِ، فَأَمَرَ لَهُ الرَّشِيدُ فِي‏ذلِكَ اليَوْمَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينارٍ، فَأَمْسَكَ يَحْيَى عَنْ أَنْ يَقُولُ فِيهِ شَيْئاً حَتّى‏ أَمْسى‏، ثُمَّ قالَ لِلرَّشِيدِ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ قَدْ كُنْتُ أَخْبَرْتُكَ عَنْ جَعْفَرٍ وَمَذْهَبِهِ، فَتُكَذِّبُ عَنْهُ وَههُنا أَمْرٌ فِيهِ الفَيْصَلُ، قالَ: وَما هُوَ؟ قالَ: إِنَّهُ لا يَصِلُ إِلَيْهِ مالٌ مِنْ جَهَة مِنَ الجَهاتِ إِلاّ اَخْرَجَ خَمْسَهُ فَوَجَّهَ بِهِ إِلى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَلَسْتُ أَشُكُّ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ ذلِكَ فِي العِشْرِينَ الأَلْفَ دِينارٍ الَّتِي أَمَرْتَ بِها لَهُ، فَقالَ هارُونُ: إِنَّ فِي هذا لَفَيَْلاً، فَأَرْسَلَ إِلى جَعْفَرٍ لَيْلاً، وَقَدْ كانَ عَرَفَ سِعايَةَ يَحْيَى بِهِ فَتَبايَنا وَأَظْهَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما لِصاحِبِهِ العَداوَة، فَلَمَّا طَرَقَ جَعْفَراً رَسُولُ الرَّشِيدِ بِاللَّيلِ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ فِيهِ قَوْلَ يَحْيَى وَأَنَّهُ إِنَّما دَعاهُ لِيَقْتُلَهُ، فَأَفاضَ عَلَيْهِ ماءً، وَدَعا بِمِسْكٍ وَكافُورٍ فَتَحَنَّطَ بِهِما وَلَبِسَ بُرْدَةً فَوْقَ ثِيابِهِ، وَأَقْبَلَ إِلى الرَّشِيدِ.فَلَمَّا وَقَعَتْ عَلَيْهِ عَيْنَهُ وَشَمَّ رائِحَةَ الكافُور وَرَأَى الْبُرْدَةَ عَلَيْهِ، قالَ: يا جَعْفَرُ ما هذا؟ فَقالَ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ سُعِيَ بي عِنْدَكَ، فَلَمَّاجاءَنِي رَسُولِكَ جاءَنِي رَسُولُكَ فِي هذِهِ السَّاعَةِ لَمْ آمَنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَدَحَ فِي قَلْبِكَ ما يُقالُ عَلِيِّ، فَأَرْسَلْتَ إِلَىَّ لِتَقْتُلَنِي، قالَ: كَلا، وَلكِن قَدْ خُبِّرْتُ إِنَّكَ تَبْعَثُ إِلى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ مِنْ كُلِّ ما يَصيرُ إِلَيكَ بِخُمْسِهِ وَإِنَّكَ قَدْ فَعَلْتَ بِذلِكَ فِي الْعِشْرِينَ الأَلْفَ دِينارٍ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَعْلَمَ ذلِكَ، فَقالَ جَعْفَرٌ: اللَّهُ أَكْبَرُ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ تَأْمُرُ بَعْضَ خَدِمَكَ يَذْهَبُ فَيَأْتِيكَ بِها بِخَواتِيمِها، فَقالَ الرَّشِيدُ لِخادِمٍلَهُ: خُذْ خاتَمَ جَعْفَرٍ وَانْطَلِقْ بِهِ حَتَّى تَأْتِيَني بِهذَا المالِ وَسَمّى‏ لَهُ جَعْفَرٌ جارِيَتَهُ الَّتِي عِنْدَها المالُ، فَدَفَعَتْ إِلَيْهِ البِدَرَ بِخَواتِيمِها، فَأَتى‏ بِها الرَّشِيدَ، فَقالَ لَهُ جَعْفَرٌ: هذا أَوَّل ما تَعْرِفُ بِهِ كِذْبَ مَنْ سَعى‏ بي إِلَيكَ، قالَ: صَدَقْتَ يا جَعْفَرُ، انْصَرِفْ آمِناً، فَإِنِّي لا أَقْبَلُ فيكَ قَوْلَ أَحَدٍ، قالَ: وَجَعَلَ يَحْيَى يَحْتالُ فِي إِسْقاطِ جَعْفَرٍ.قالَ النُّوفَلِيِّ: فَحَدِّثْنِي عَلِىُّ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِىِّ، عَنْ بَعْضِ مَشايِخِهِ - وَذلِكَ فِي حُجَّةِ الرَّشِيدِ قَبْلَ هذِهِ الحُجَّةِ - قالَ: لَقِيَني عَلِىُّ بْنُ إسْماعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، لي: ما لَكَ قَدْ أَخْمَلْتَ نَفْسِكَ؟! ما لَكَ لا تُدَبِّرُ اُمُور الوَزِيرِ؟ فَقَدْ أَرْسَلَ إِلى‏ فَعادَلْتُهُ وَطَلَبْتُ الْحَوائِجَ إِلَيْهِ.وَكانَ سَبَب ذلكَ أَنَّ يَحْيَى بْنِ خالِدٍ قالَ لِيَحْيَى بْنِ أَبي مَرْيَمَ: ألا تَدُلُّنِي عَلَى رَجُلٍ مِنْ آلِ أَبي طالِبٍ لَهُ رَغْبَةٌ فِي الدُّنْيا فَأُوَسِّعَ لَهُ مِنْها؟! قالَ: بَلى‏، أَدُلَّكَ عَلَى رَجُلٍ بِهذِهِ الصِّفَة وَهُوَ عَلِىُّ بْنُ إِسْماعِيل بْنِ جَعْفَرٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَحْيَى فَقالَ: أَخْبَرنِي عَنْ عَمِّكَ وَعَنْ شِيعَتِهِ وَالْمالِ الَّذِي يُحْمَلُ إِلَيْهِ، فَقالَ لَهُ: عِنْدِي الخَبَرُ وَسَعى‏ بِعَمِّهِ فَكانَ مِنْ سِعايَتِهِ أَنْ قالَ: مِنْ كِثْرَةِ الْمالِ عِنْدَهُ أَنَّهُ اشْتَرى‏ ضَيْعَةً تُسَمّى‏ اليَسِيرَةِ بِثَلاثِينَ أَلْفَ دِينارٍ، فَلَمَّا أَحْضَرَ المالَ، قالَ البائِعُ: لا اُرِيدُ هذاالنَّقْدَ، اُرِيدُ نَقداً كَذا وَكَذا، فَأَمَرَ بِها فَصُبَّتْ فِي بَيْتِ مالِهِ وَاَخْرَجَ مِنْهُ ثَلاثِينَ أَلْفَ دِينارٍ مِنْ ذلِكَ النَّقْدَ وَوَزْنَه فِي ثَمَن الضَّيْعَةِ.قالَ النُّوفَلِيِّ: قالَ أَبي: وَكانَ جَعْفَرٍعَلَيْهِمَا السَّلاَمُ يَأْمُر لِعَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيل وَيَثِقُ بِهِ حَتّى‏ رُبَما خَرَجَ الْكِتابُ مِنْهُ إِلى بَعْضِ شِيعَتِهِ بِخَطِّ عَلِىِّ بْنِ إِسْماعِيلَ: ثُمَّ اسْتَوْحَشَ مِنْهُ، فَلَمَّا أَرادَ الرَّشِيدُ الرَّحْلَةَ إِلى العِراق بَلَغَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ: أَنَّ عَلِيّاً ابْنِ أَخِيهِ يُرِيدُ الخُرُوجَ مَعَ السُّلْطانِ إِلى العِراق، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: ما لَكَ لِخُرُوجِ مَعَ السُّلْطانِ؟! قالَ: لأَنَّ عَلِيِّ دَيْناً، فَقالَ:دَيْنُكَ عَلِيِّ، قالَ: فَتَدْبِيرُ عِيالي؟! قالَ: أَنَا أَكْفِيهِمْ، فَأبى‏ إِلاّ الْخُرُوجَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَعَ أَخِيهِ مُحَمَّدِ [بْنِ إِسْمَاعِيلَ] بْنِ جَعْفَرٍ بِثَلاثِمائةٍ دِينارٍ و أَرْبَعَةَ آلافَ دِرْهَمٍ فَقالَ لَهُ: اجْعَلْ هذا فِي جَهازِكَ وَلا تُؤْتِمْ وُلْدِي.

الحديث 2

2 - حَدَّثَنا الحُسَيْنُ بْنُ إِبْراهيمَ بْنِ أَحْمَدِ بْنِ هِشامٍ المُؤَدِّبُ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: حَدَّثَنا عَلِىُّ بْنُ هاشِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبِيْدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ القاسِمِ البَجَليِّ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ جَعْفَرٍ قالَ: جاءَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَذَكَرَ لي: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنِ جَعْفَرٍ دَخَلَ عَلَى هارُون الرَّشِيدِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْخِلافَةِ، ثُمَّ قالَ لَهُ: ما ظَنَنْتُ أَنَّ فِي الأَرْضِ خَلِيفَتَيْنِ حَتّى‏ رَأَيْتُ أَخِي مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ بِالْخِلافَةِ.وَكانَ مِمَّنْ سَعى‏ بِمُوسَى بْنِ جَعْفَرٍعَلَيْهِمَا السَّلاَمُ يَعْقُوبُ بْنُ داوُدَ، وَكانَ يَرى‏ رأْيَ الزَّيْدِيَّة.

الحديث 3

3 - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْراهيمَ بْنِ إِسْحاقَ الطَّالِقانِيُ‏ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوْليُّ قالَ: حَدَّثَنا أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمانَ النُّوفَلِيِّ قالَ: حَدَّثَنا إِبْراهيمُ بْنُ أَبي البِلادِ قالَ: كانَ يَعْقُوبُ بْنُ داوُدِ يُخْبِرُني أَنَّهُ قَدْ قالَ بِالإِمامَة، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ فِي اللَّيْلَة الَّتِي اُخِذَ فِيها مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍعَلَيْهِمَا السَّلاَمُ فِي صَبِيحَتِها فَقالَ لي: كُنْتُ عِنْدَ الوَزِيرِ السَّاعَةَ - يَعْنِي يَحْيَى بْنِ خالِدٍ - فَحَدِّثْنِي أَنَّهُ سَمِعَ الرَّشِيدَ يَقُولُ عِنْدَ قَبْرِ رَسُولَ اللَّهِ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ كَالُْمخاطِبِ لَهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَاُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ إِنّي أَعْتَذِرُ إِلَيكَ مِنْ أَمْرٍ قَدْ عَزَمْتُ عَلَيْهِ، فَإِنِّي اُرِيدُ أَن آخُذَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ فَأَحْبِسَهُ، لأَنِّي قَدْ خَشِيتُ أَن يُلْقي بَيْنِ اُمَّتِكَ حَرْباً تُفْسَكُ فِيها دِماؤُهُمْ. وَأَنَا أَحْسِبُ أَنَّهُ سَآخُذُهُ غَداً، فَلَمَّا كانَ مِنَ الْغَدِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ الفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي مَقامِ رَسُولَ اللَّهِ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فَأَمَرَ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَحَبْسَهُ.

الحديث 4

4 - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ زِيادِ بْنِ جَعْفَرٍ الْهَمَذانيّ‏ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: حَدَّثَنا عَلِىُّ بْنُ هاشِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صالِحٍ قالَ: حَدَّثَني صاحِبَ الفَضْلِ بْنِ الرَّبِيع، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ، قالَ: كُنْتُ ذاتَ لَيْلَةٍ فِي فِراشِى معَ بَعْضِ جَواريَّ، فَلَمَّا كانَ فِي نِصْفِ اللَّيْلِ سَمِعْتُ حَرَكَةَ بابِ المَقْصُورَةِ، فَراعَني ذلِكَ، فَقالَتْ الجارِيَةُ: لَعَلَّ هذا مِنَ الرِّيحِ، فَلَمْ يَمْضِ إِلاّ يَسِيرٌ حَتّى‏ رَأَيْتُ بابَ البِيْتِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ قَدْ فُتِحَ، وَإِذا مَسْرُورٌ الْكَبِيرُ قَدْ دَخَلَ عَلِيَّ فَقالَ لي: أَجِبِ الأَمِيرِ، وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلِيِّ، فَأَيِسْتُ مِنْ نَفْسي، وَقُلْتُ: هذا مَسْرُورٌ دَخَلَ إِلى بِلا إِذْنٍ وَلَمْ يُسَلِّمْ، ما هُوَإِلاَّ القَتْلُ، وَكُنْتُ جُنُباً فَلَمْ أجْسِرْ أَنْ أَسْأَلَهُ إِنْظارِي حَتّى‏ أَغْتَسِلَ، فَقالَتْ الجارِيَةُ لَمَّا رَأَتْ تُحَيِّري وَتُبَلِّدِي: ثِقْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَانْهَضْ، فَنَهَضْتُ وَلَبِسْتُ ثِيابِي وَخَرَجْتُ حَتّى‏ أَتَيْتُ الدَّارَ، فَسَلَّمْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَفِي مَرْقَدِه، فَرَدَّ عَلِيِّ السَّلامُ فَسَقَطْتُ، فَقالَ: تَداخَلَكَ رُعْبٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَرَكَنِي ساعَةً حَتّى‏ سَكَنْتُ، ثُمَّ قالَ لي: سِرْ إِلى حَبْسِنا فَأخْرِجْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَادْفَعْ إِلَيْهِ ثَلاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَاخْلَعْ عَلَيْهِ خَمْسَ خِلَعٍ، وَاحْمِلْهُ عَلَى ثَلاثَ مَراكِبٍ وَخَيَّرَهُ بَيْنَ المَقامِ مَعَنا أَوْ الرَّحِيلِ عَنّا إِلى أيُّ بَلَدٍ أَرادَ أَحَبَّ، فَقُلْتُ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنين تَأْمُرُ بِإِطْلاقِ مُوسَى بْنِ جَعْفَر؟ قالَ لي: نَعَمْ، فَكَرَّرْتُ ذلِكَ عَلَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَقالَ لي: نَعَمْ وَيْلَكَ أَتُرِيدُ أَنْ أَنْكُثَ الْعَهْدَ؟ فَقُلْتُ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ وَمَا العَهْدُ؟ قالَ: بَيْنا أَنَا فِي مَرْقَدِي هذا إِذْ ساوَرَني أَسْوَدٌ ما رَأَيتُ مِنَ السُّودانِ أَعْظَمَ مِنْهُ، فَقَعَدَ عَلَى صَدْرِي وَقَبَضَ عَلَى حَلْقِي، وَقالَ لي: حَبَسْتَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ ظالِماً لَهُ؟! فَقُلْتُ: فَأَنَا اُطْلِقُهُ وَأَهَبُ لَهُ وَأَخْلَعُ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ عَلِيَّ عَهْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمِيثاقَهُ وَقامَ عَنْ صَدْرِي، وَقَدْ كادَتْ نَفْسي تَخْرُجُ، فَخَرَجْتُ مِنْ عنْدَهُ وَوافَيْتُ مُوسَى بْنِ جَعْفَر عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ وَهُوَ فِي حَبْسِهِ، فَرَأَيْتُهُ قائِماً يُصَلّي، فَجَلَسْتُ حَتّى‏ سَلَّمَ، ثُمَّ أَبْلَغْتُهُ سَلامَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ وَأَعْلَمْتُهُ بِالَّذي أَمَرَنِي بِهِ فِي أَمْرِهِ وَإِنِّي قَدْ أَحْضَرْتُ ما أَوْصَلَهُ بِهِ، فَقالَ: إِنْ كُنْتُ اُمِرْتَ بِشَي‏ءٍ غَيْرِ هذا فَافْعَلْهُ، فَقُلْتُ: لا وَحَـقَّجَدِّكَ رَسُولِ اللَّهِ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ما أَمَرْتُ إِلاّ بِهذَا، قالَ: لا حاجَةَ لي‏ فِي الخِلَع وَالحُْلانِ وَالمالَ إِذا كانَتْ فِيهِ حُقُوقُ الاُمَّةِ: فَقُلْتُ: ناشَدْتُكَ بِاللَّهِ أَنْ لا تَرُدَّهُ فَيَغْتاظَ، فَقالَ: اعْمَلْ بِهِ ما أَحْبَبْتَ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ‏ عَلَيْهِ السَّلامُ وَأَخْرَجْتُهُ مِنَ السِّجْنِ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: يا ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ أَخْبرْنِي السَّبَبَ الَّذِي نِلْتَ بِهِ هذِهِ الكَرامَةَ مِنْ هذا الرَّجُلِ؟ فَقَدْ وَجَبَ حَقِّي عَلَيْكَ لِبِشارَتِي إِيَّاكَ، وَلِما أَجْراهُ اللَّهُ عَلَى يَدي مِنْ هذا الأَمْرِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: رَأَيْت النَّبِيَ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لَيْلَةَ الأَرْبِعاءِ فِي النَّوْم، فَقالَ لي: يا مُوسَى أَنْتَ مَحْبُوسٌ مَظْلُومٌ؟! فَقُلْتُ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ مَحْبُوسٌ مَظْلُومٌ، فَكَرَّرَ عَلِيِّ ذلِكَ ثَلاثاً، ثُمَّ قالَ:«وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينَ» أَصْبِحْ غَداً صائِماً وَأَتْبِعْهُ بِصِيامِ الْخَمِيس وَالجُمُعَةِ، فَإِذا كانَتْ وَقْتُ الإِفْطارِ فَصَلِّ اثْنَتَيْ عَشَرةَ رَكْعَة، تَقْرَاُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ الْحَمْدُ مَرَّةً وَاثْنَتِي عَشَرَةَ مَرَّةً قُلْ هُوَاللَّهُ أَحَدٌ، فَإِذا صَلَّيْتَ مِنْها أَرْبَعَ رَكَعاتٍ فَاسْجُدْ، ثُمَّ قُلْ:«يا سابِق الفَوْتِ، وَيا سامِعَ كُلِّ صَوْتٍ، يا مُحْيِيَ العِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ بَعْد المَوْتَ، أَسأَلُكَ بِإِسْمِكَ العَظِيمِ الأَعْظَم أَن تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِه الطَّيِّبِين، وَأَنْ تُعَجِّل لِيَ الفَرَجَ مِمَّا أَنَا فِيهِ»، فَفْعَلْتُ، فَكانَ الَّذِي رَأَيْتَ.

الحديث 5

5 - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ زِيادِ بْنِ جَعْفَرٍ الْهَمَذانيّ‏ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: حَدَّثَنا عَلِىُّ بْنُ إِبراهِيمَ بْنِ هاشِمٍ قالَ: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَن المَدَنِيُّ، عَنْ أَبي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الفَضْلِ، عَنْ أَبيهِ الفَضْلِ قالَ: كُنْت أَحْجِبُ الرَّشِيدَ، فَأَقَبْلَ عَلِيِّ يَوْماً غَضْبِاناً وَبِيَدِهِ سَيْفٌ يَقْلِبُهُ، فَقالَ لي: يا فَضْلُ بِقَرابَتي مِنْ رَسُولَ اللَّهِ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لَئِنْ لَمْ تَأْتِني بِإِبْنِ عَمِّي الآنَ لآخُذَنَّ الَّذِي فِيهِ عَيْناكَ، فَقُلْتُ: بِمَنْ أَجِيئُكَ؟ فَقالَ: بِهذَا الحِجازِيِّ، فَقُلْتُ: وَأيُّ الحِجازِيِّ؟ قالَ: مُوسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ أَبِي طالِب عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ. قالَالفَضْلُ: فَخِفْتُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ اُجِي‏ءَ بِهِ إِلَيْهِ، ثُمَّ فَكَّرْتُ فِي النَّقْمَةِ فَقُلْتُ لَهُ: أَفْعَلُ، فَقالَ: ائْتِنِي بِسَوَّاطَيْنِ وَهَبَّارَيْنِ وَجَلاّدَيْنِ، قالَ: فَأَتَيْتَهُ بِذلِكَ وَمَضَيْتُ إِلى مَنْزِلِ أَبي إِبْراهيمَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرعَلَيْهِمَا السَّلاَمُ فَأَتَيْتُ إِلى‏ خَرِبَةً فِيها كُوخٌ مِنْ جَرايِد النَّخْل فَإِذا أَنَا بِغُلاْمٍ أَسْوَدَ فَقُلْتُ لَهُ: اسْتَأْذِنْ لي‏ عَلَى مَوْلاكَ - يَرْحَمُكَ اللَّهُ - فَقالَ لي: لِجْ فَلَيْسَ لَهُ حاجِب وَلا بَوَّاب، فَوَلَجْتُ إِلَيْهِ، فَإِذا أَنَا بِغُلاْمٍ أَسْوَدَ بِيَدِهِ مِقَصٌ يَأْخُذُ اللَّحْمَ مِنْ جَبِينِهِ وَعِرْنِينِ أَنْفِه من كِثْرَةِ سُجودِه فَقُلْتُ لَهُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا ابْنِ رَسُولَ اللَّهِ أَجِبَ الرَّشِيدِ، فَقالَ: ما لِلرَّشِيدِ وَما لِيَ؟ أَمَّا تَشْغَلُهُ نِعْمَتُهُ عَنِّي؟ ثُمَّ وَثَبَ مُسْرِعاً وَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنِّي سَمِعْتُ فِي خَبَرٍ عَنْ جَدِّي رَسُولَ اللَّهِ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: أَنَّ طاعَةَ السُّلْطانِ لِلتَّقِيَّةِ واجِبَة إِذا ما جِئْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: اسْتَعِدَ لِلْعُقُوبَةِ يا أَبَا إِبْراهِيمَ - رَحِمَكَ اللَّه - فَقالَ‏ عَلَيْهِ السَّلامُ: أَلَيْسَ مَعِيَ مَنْ يَمْلِكُ الدُّنْيا وَالآخِرَةَ؟ وَلَنْ يَقْدِرَ الْيَوْمَ عَلَى سُوءٍ بي إِنْ شاءَ اللَّهَ تَعالى‏، قالَ فَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ: فَرَأَيْتُهُ وَقَدْ أَدارَ يَدُهُ‏ عَلَيْهِ السَّلامُ يُلَوِّحُ بِها عَلَى رَأْسِهِ‏ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَدَخَلْتُ عَلَى الرَّشِيدِ فَإِذا هُوَكَأَنَّهُ اِمْرَأَةٌ ثَكْلى‏ قائِمٌ حَيْرانٌ، فَلَمَّا رَآنِي قالَ لي: يا فَضْلُ، فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ، فَقالَ: جِئْتَنِي بِإِبْنِ عَمِّي؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: لا تَكُون أَزْعَجْتُهُ، فَقُلْتُ: لا، قالَ: لا تَكُونُ أَعْلَمْتُهُ إِنِّي عَلَيْهِ غَضْبانُ، فَإِنِّي قَدْ هَيَّجَتْ عَلَى نَفْسي ما لَمْ أَرِدْهُ، ائْذَنْ لَهُ بِالدُّخُولِ، فَأَذنت لَهُ، فَلَمَّا رَآهُ وَثَبَ إِلَيْهِ قائِماً وَعانَقَهُ وَقالَ لَهُ: مَرْحَباً بِإِبْنِ عَمِّي وَأَخِي وَوارِث نِعْمَتِي، ثُمَّ اجْلِسَهُ عَلَى مِخَذَّهٍ فَقالَ لَهُ: ما الَّذِي قَطَعَكَ عَنْ زِيارَتِنا؟ فَقالَ: سَعَةُ مُلْكِكَ وَحُبُّكَ لِلدُّنْيا، فَقالَ: ايتُونِي بِحُقَّةِ الغالِيَةِ، فَأُتِيَ بِها، فَغَلَفَهُ بِيَدِهِ،ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُحْمَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ خِلْعٌ وَبَدْرَتانِ دَنانِيرُ، فَقالَ جَعْفَرٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ: وَاللَّهِ لَوْ لا إِنِّي أَرى‏ أَنْ أَزَوِّجَ بِها مِنْ عُزَّابِ بَنِي أَبي طالِبٍ لِئَلاَّ يَنْقَطِعُ نَسْلُهُ أبَداً ما قَبِلْتُها، ثُمَّ تَوَلَّى‏ عَلَيْهِ السَّلامُ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.فَقالَ الفَضْلُ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنين أَرَدْتُ أَنْ تُعاقِبَهُ فَخَلَعْتَ عَلَيْهِ وَأَكْرَمْتَهُ؟ فَقالَ لي: يا فَضْلُ إِنَّكَ لَمّا مَضَيْتَ لِتَجِيئَني بِهِ رَأَيْتُ أَقْواماً قَدْ أَحْدَقُوا بِدارِي، بِأَيْدِيهِمْ حِرابٌ قَدْ غَرَسُوها فِي أَصْلِ الدَّارِ يَقُولُونَ: إِنْ آذى‏ ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ خَسَفْنا بِهِ، وَإِنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ انْصَرَفْنا عَنْهُ وَتَرَكْناهُ.فَتَبِعْتُهُ‏ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقُلْتُ لَهُ: ما الَّذِي قُلْتَ حَتّى‏ كُفِيتَ أَمْرَ الرَّشِيدِ؟ فَقالَ: دُعاءُ جَدِّي عَلِىِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ كانَ إِذا دَعا بِهِ ما بَرَزَ إِلى عَسْكَرٍ إِلاّ هَزَمَهُ، وَلا إِلى فارِسٍ إِلاّ قهره، وَهُوَ دُعاءُ كِفايَةِ البَلاءِ، قُلْتُ: وَما هُوَ؟ قالَ: قُلْتُ:«اَللّْهُمَّ بِكَ أُساورٌ وَبِكَ اُحاوِلُ وَبِكَ اُحاوِرُ، وَبِكَ اُصُولُ وَبِكَ أَنْتَصِرُ، وَبِكَ أَمُوتُ وَأَحْيا، أَسْلَمْتُ نَفْسي إِلَيكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيكَ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاّ بِاللَّهِ العَلِيُّ العَظِيمِ، اَللّْهُمَّ إِنَّكَ خَلَقْتَنِي وَرَزَقْتَنِي وَسَتَرْتَنِي، وَعَنِ العِبادِ بِلُطْفِ ما خَوَّلْتَنِي أَغْنَيْتَنِي، وَإِذا هَوَيْتُ رَدَدْتَنِي، وَإِذا عَثَرْتُ قَوَّمْتَنِي، وَإِذا مَرِضْتُ شَفِيتَنِي، وَإِذا دَعَوْتُ أَجَبْتَنِي، يا سَيِّدِي ارْض عَنِّي فَقَدْ أَرْضَيْتَنِي ».

الحديث 6

6 - حَدَّثَنا أَبي رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: حَدَّثَنا عَلِىُّ بْنُ إِبراهِيمَ بْنِ هاشِمٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عِيسَى، عَنْ أَصْحابِهِ قالَ: قالَ أَبُو يُوسُفَ لِلْمَهْدِيِّ - وَعِنْدَهُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ: تَأذَنْ لي‏ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ مَسائِلَ لَيْسَ عنْدَهُ فِيها شَي‏ءٌ؟ فَقالَ لَهُ: نَعَمْ، فَقـالَ لِمُوسَـى بْنِ جَعْفَرٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ: أَسـأَلَكَ؟ قـالَ: نَعَمْ، قالَ: ما تَقُولُ فِي التَّظْلِيلِ لِلْمُحْرِمِ؟ قالَ: لا يُصْلِحُ، قالَ: فَيَضْرِبُ الخَبَأَ الأَرْضِ وَيَدْخُلُ البِيْتَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَما الفَرْقُ بَيْنِ هذَيْنِ؟ قالَ أَبُو الحَسَن‏ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما تَقُولُ فِي الطَّامِثِ أَتَقْضِي الصَّلاةَ؟ قالَ: لا، قالَ: أَفَتَقْضِي الصَّوْمَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: وَلَمْ؟ قالَ: هكَذا جاءَ، قالَ أَبُو الحَسَن‏ عَلَيْهِ السَّلامُ: وَهكَذا جاءَ هذا، فَقالَ المَهْدِيُّ لأَبِي يُوسُفَ: ما أَراكَ صَنَعْتَ شَيْئاً؟ قالَ: رَمانِي بِحَجَرٍ دامِغٍ.

الحديث 7

7 - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى المُكَتَّبِ قالَ: حَدَّثَنا أَبُو الطَيِّبِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الوَرَّاقُ قالَ: حَدَّثَنا عَلِىُّ بْنُ هارُونَ الحِمْيَريُّ قالَ: حَدَّثَنا عَلِىُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمانَ النُّوفَلِيِّ قالَ: حَدَّثَني أَبي، عَنْ عَلِىِّ بْنِ يَقْطِينٍ قالَ: اُنْهِيَ الخَبَرُ إِلى أَبي الحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍعَلَيْهِمَا السَّلاَمُ وَعِنْدَهُ جَماعَةٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ بِما عَزَمَ إِلَيْهِ مُوسَى بْنُ المَهْدِيِّ فِي أَمْرِهِ، فَقالَ لأَهْلِ بَيْتِهِ: ما تُشِيرُونَ؟ قالُوا: نَرى‏ أَنْ تَتَباعَدَ عَنْهُ وَأَنْ تُغَيِّبَ شَخْصَكَ، [مِنْهُ] ، فَإِنَّهُ لا يُؤْمِنُ شَرُّهُ فَتَبَسَّمَ أَبُو الحَسَن‏ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ قالَ:وَلَيَغْلِبَنَّ مُغالِبُ الغُلاَّبِ‏زَعَمَتْ سَخِينَةُ أَنْ سَتَغْلِبَ رَبِّهاثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ إِلى السَّماءِ، فَقالَ: «اَللّْهُمَّ كَمْ مِنْ عَدُوٍّ شَحَذَ لي‏ ظُبَةَ مُدْيَتِهِ وَأَرْهَفَ شَباحَدِّهِ، وَدافَ لي قَواتِلَ سُمُومِهِ وَلَمْ تَنَمْ عَنِّي عَيْنُ حِراسَتِهِ، فَلَمَّا رَأَيْتَ ضَعْفِي عَنِ اِحْتِمالِ الْفَوادِحِ، وَعَجْزِي ذلِكَ عَنْ مُلِمَّاتِ الحَوائِجِ صَرَفْتَ عَنِّي ذلِكَ، بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ لا بِحَوْلِي قُوَّتِي، فَأَلْقَيْتَهُ فِي الحَفِيرِ الَّذِي احْتَفَرَهُ لي، خائِباً مِمَّا أَمَّلَهُ فِي دُنْياهُ، مُتَباعِداً مِمَّا رَجاهُ آخِرَتِهِ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلى‏ ذلِكَ قَدْرَ اسْتِحْقاقِكَ، سَيِّدي اَللَّهُمَّ فَخُذْهُ بِعِزَّتِكَ، وَافْلُلْ حَدَّهُ عَنِّي بِقُدْرَتِكَ، وَاجْعَلْ لَهُ شُغْلاً فِيما يَليِه، وَعَجْزاً عَمَّنْ يُناوِيهِ، اَللّْهُمَّ وَأَعْدِني عَلَيْهِ مِنْ عُدْوى‏ حاضِرةً تَكُونُ مِنْ غَيْظِي شِفاءً، وَمِنْ حَنَقِي عَلَيْهِ وِقاءً، وَصَلِّ اَللَّهُمَّ دَعائي بِالْإِجابَةِ وَانْظِمْ شِكايَتِي بِالتَّغْيِيرِ، وَعَرَّفَهُ عَمَّا قَلِيلٍ ما وَعَدْتَ الظَّالِمِين وَعَرَّفَنِي ما وَعَدْتَفِي إِجابَة المُضْطَرِّينَ، إِنَّكَ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ وَالمَنِّ الكَرِيم».قالَ: ثُمَّ تَفَرَّقَ القَوْمَ فَما اجْتَمَعُوا إِلاّ لِقِراءَةِ الْكِتابِ الوارِدِ عَلَيْهِ بِمَوْتِ مُوسَى بْنِ المَهْدِيِّ، فَفِي ذلِكَ يَقُولُ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍعَلَيْهِمَا السَّلاَمُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ:مَحَلاًّ وَلَمْ يَقْطَعُ بِها البُعْدُ قاطِعُ‏وَسارِيَةٍ لَمْ تَسْرِ فِي الأَرْضِ تَبْتَغيلِوِرْدٍ وَلَمْ يَقْصُرْ لَها البُعْدُ مانِعُ‏سَرَتْ حَيْثُ لَمْ تُحْدَ الرِّكابُ وَلَمْ تُنِخَ‏بِجُثْمانِهِ فِيهِ سَمِيرٌ وَهاجِعٌ‏تَمُرُّ وَراءَ اللَّيْلِ، وَاللَّيْلُ ضارِبٌ‏إِذا قَرَعَ الأَبْوابَ مِنْهُنَّ قارِعٌ‏تَفَتَّحُ أَبْوابُ السَّماءِ وَدُونَهاعَلَى أَهْلِها وَاللَّهُ راءٍ وَسامِعُ‏إِذا وَرَدَتْ لَمْ يَرْدُدَ اللَّهُ وَفْدَهاأَرى‏ بِجَمِيلِ الظَّنِّ ما اللَّه صانِعُ‏وَإِنّي لأَرْجُو اللَّهَ حَتّى‏ كَأَنَّما

الحديث 8

8 - حَدَّثَنا أَبُو أحْمَد هانِيُّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ العَبْدِي‏ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: حَدَّثَني أَبي بِإِسْنادِهِ - رَفَعَهُ - أَنَّ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍعَلَيْهِمَا السَّلاَمُ دَخَلَ عَلَى الرَّشِيدِ، فَقالَ لَهُ الرَّشِيدُ: يا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَخْبِرنِي عَنِ الطّبائِعِ الأَرْبَعَ فَقالَ مُوسَى‏ عَلَيْهِ السَّلامُ: أَمَّا الرِّيحُ فَإِنَّهُ مَلِكٌ يُدارِي وَأَمَّا الدَّمُ فَإِنَّهُ عَبْدٌ عارِمٌ وَرُبَما قَتَلَ العَبْدُ مَوْلاهُ، وَأَمَّا البَلْغَمُ فَإِنَّهُ خَصْمٌ جَدِلٌ إِنْ سَدَدْتَهُ مِنْ جانِب انْفَتَحَ مِنْ آخَرَ، وَأَمَّا المَرَّةَ فَإِنَّها الأَرْضَ إِذا اهْتَزَّْت رَجَفَتْ بِما فَوْقَهافَقالَ لَهُ هارُونُ: يا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ تُنْفِقُ عَلَى النَّاسِ مِنْ كُنُوزِ اللَّه وَرَسُولِهِ.

الحديث 9

9 - حَدَّثَنا أَبُو أحْمَدَ هانِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ العَبْدِي‏ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودٍ بِإِسْنادِهِ - رَفَعَهُ - إِلى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّهُ قالَ: لَمّا اُدْخِلْتُ عَلَى الرَّشِيدِ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلِيَّ السَّلامَ ثُمَّ قالَ: يا مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ خَلِيفَتَيْنِ يُجْبى‏ إِلَيْهِما الخَراجُ؟! فَقُلْتُ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ أُعِيذُكَ بِاللَّه أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ، وَتَقْبَلَ الباطِلُ مِنْ أَعْدائِنا عَلَيْنا، فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ قَدْ كُذِبَ عَلَيْنا مُنْذُ قُبِضَ رَسُولَ اللَّهِ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بِما عِلْمُ ذلِكَ عِنْدَكَ فَإِنْ رَأَيْتَ بِقرابَتِكَ مِنْ رَسُولَ اللَّهِ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَنْ تَأْذَنَ لي‏ أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ أَخْبَرَنِي بِهِ أَبي، عَنْ‏آبائِهِ، عَنْ جَدِّهِ رَسُولِ اللَّهِ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَقالَ: قَدْ أَذِنْتُ لَكَ، فَقُلْتُ: أَخْبَرَنِي أَبي، عَنْ آبائِهِ، عَنْ جَدِّهِ رَسُولُ اللَّهِ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، أَنَّهُ قالَ: إِنَّ الرَّحِمَ إِذا مَسَّتِ الرَّحِمَ تَحَرَّكَتْ وَاضْطَرَبَتْ، فَناوِلْني يَدَكَ - جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِداكَ - فَقالَ: أُدْنُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَأَخَذَ بِيَدِي ثُمَّ جَذَّبَني إِلى نَفْسَهُ وَعانَقَنِي طَوِيلاً تَرَكَنِي، قالَ: اجْلِسْ يا مُوسَى فَلَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فَإِذا أَنَّهُ قَدْ دَمَعَتْ عَيْناهُ فَرَجَعَتْ إِلى نَفْسِي، فَقالَ: صَدَقْتَ وَصَدَقَ جَدُّكَ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، لَقَدْ تَحَرَّكَ دَمِي وَاضْطَرَبَتْ عُرُوقي حَتّى‏ غَلَبَتْ عَلِيَّ الرِّقَّةُ وَفاضَتْ عَيْنايَ، وَأَنَا اُرِيدُ أَنْ أَسأَلَكَ عَنْ أَشْياءَ تَتَلَجْلَجُ فِي صَدْرِي مِنْذُ حِينٍ لَمْ أَسْأَلُ عَنْها أَحَداً، فَإِنْ أَنْتَ أَجَبْتَنِي عَنْها خَلَّيْتُ عَنْكَ وَلَمْ أَقْبَلْ قَوْلَ أَحَدٍ فِيكَ، وَقَدْ بَلَغَني أَنَّكَ لَمْ تكْذِبْ قَطُّ، فَاصْدُقْني عَمَّا أَسأَلُكَ مِمَّا فِي قَلْبِي، فَقُلْتُ: ما كانَ عِلْمُهُ عِنْدِي فَإِنِّي مُخْبِرُكَ إِنْ أَنْتَ أَمَنْتَني، فَقالَ: لَكَ الأَمانُ إِن صَدَقْتَني وَتَرَكْتَ التَّقِيَّةَ الَّتِي تُعْرَفُونَ بِها مَعْشَرَ بَنِي فاطِمَة، فَقُلْتُ: لِيَسْـأَلُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنـينَعَمَّا شاءَ قالَ: أَخْبَرْنِي لَمْ فُضِّلْتُمْ عَلَيْنا وَنَحْنُ فِي شَجَرَةٍ واحِدةٍ وَبَنُو عَبْدُ المُطَلِّب وَنَحْنُ وَأَنْتُمْ واحِدٌ، إنَّا بَنُو العَبَّاسِ وَأَنْتُمْ وُلْدُ أَبي طالِبٍ وَهُما عَمَّا رَسُولِ اللَّهِ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَقَرابَتُهُما مِنْهُ سَواءٌ؟! فَقُلْتُ: نَحْنُ أَقْرَبُ، قالَ: وَكَيْفَ ذلِكَ؟قُلْتُ لأَنَّ عَبْدِ اللَّه وَأَبَا طالِبٍ لأَبٍ وَاُمُّ، وَأَبُوكُمُ العَبَّاسُ لَيْسَ هُوَمِنْ اُمِّ عَبْدِ اللَّه وَلا مِنْ أَبِي طالِب.قالَ: فَلَمْ ادَّعَيْتُمْ أَنَّكُمْ وَرِثْتُمُ النَّبِيَ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَالْعَمُّ يَحْجُبُ ابْنِ العَمَّ، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَقَدْ تُوُفِّيَ أَبُو طالِبٍ قَبْلَهُ وَالعَبَّاسُ عَمِّهِ حَىٌّ؟فَقُلْتُ لَهُ: إِنْ رَأى‏ أَمِيرُ الْمُؤْمِنينَ أَن يُعْفِيَني مِنْ هذِهِ المَسْأَلَة وَيَسْألَنِي عَنْ كُلِّ بابٍ سَواهُ يُرِيدُه، فَقالَ: لا، أَوْ تُجِيبُ، فَقُلْتُ: فَآمِنّي، فَقالَ: قَدْ آمَنْتُك قَبْلُ الكَلام.فَقُلْتُ: إِنَّ فِي قَوْلِ عَلِىِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ‏ عَلَيْهِ السَّلامُ: أَنَّهُ لَيْسَ مَعَ وُلْدِ الصُّلْبِ ذِكْراً كانَ أَوْ اُنْثى‏ لأَحَدٍ سَهْمٌ إِلاّ لِلأَبَوَيْنِ وَالزَّوْج وَالزَّوْجَة، وَلَمْ يَثْبُتْ لِلْعَمِّ مَعَ وُلْدِ الصُّلْبِ مِيراثٌ، وَلَمْ يَنْطِقُ بِهِ الْكِتابُ إِلاّ أَنَّ تَيْماً وَعَدياً وَبَنِي اُمَيَّةَ قالُوا: العَمُّ والِدٌ، رَأْياً مِنْهُمْ بِلا حَقِيقَةٍ وَلا أَثَرَ عَنِ الرَّسُولِ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَمن قالَ بِقَوْلِ عَلِيِ‏ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ العُلَماءِ فَقَضاياهُم خِلافٌ قَضايا هؤُلاء، هذا نُوحُ بْنِ دُرَّاج يَقُولُ فِي هذِهِ المَسْأَلَة بِقَوْلِ عَلِيِ‏ عَلَيْهِ السَّلامُ وَقَدْ حَكَمَ بِهِ، وَقَدْ وَلاهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ المِصْرَيْنِ الكُوفَةَ وَالبَصْرَةَ، وَقَدْ قَضى‏ بِهِ فَأُنهِيَ إِلى أَمِيرِ الْمُؤْمِنينَ.فَأَمَرَ بِإِحْضارِه وَإِحْضارِ مَنْ يَقُولُ بِخَلافِ قَوْلَهُ، مِنْهُمْ سُفْيانُ الثُّوْرِيُّ وَإِبْراهِيــمُ المَدَنِيُّ،وَالفُضَيْلِ بْنِ عَياضٍ، فَشَهَدَوا: أَنَّهُ قَوْلَ عَلِيٍ‏ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي هذِهِ المَسْأَلَةِ، فَقالَ لَهُمْ فِيما أَبْلَغَني بَعْضُ العُلَماءِ مِنْ أَهْلِ الحِجاز: فَلَمْ لا تُفْتُونَ بِهِ وَقَدْ قَضى‏ بِهِ نُوحُ بْنِ دُرَّاج؟ فَقالُوا: جَسَرَ نُوحٌ وَجَبُنا وَقَدْ أمَضى‏ أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ قَضِيَّةً يَقُولُ قَدْماءِ العامَّةِ عَنِ النَّبِيِ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَنَّهُ قالَ: «عَلِيٌّ أَقْضاكُمْ» وكَذلِكَ قالَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب: «عَلِيٌّ أَقْضانا» وَهُوَ اِسْمٌ جامِعٌ، لأَنَّ جَمِيعَ ما مَدَحَ بِهِ النَّبِيُّ أَصْحابِهِ مِنَ القِراءَةِ وَالفَرائِضِ وَالعِلْمِ داخِلٌ فِي القَضاءِ.قالَ: زِدْنِي يا مُوسَى، قُلْتُ: الَمجالِسُ بِالأَمانات، وَخاصَّةً مَجْلِسُكَ، فَقالَ: لا بَأْسَ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لَمْ يُوَرِّثْ مَنْ لَمْ يُهاجِرْ وَلا أَثْبَتَ لَهُ وِلايَةً حَتّى‏ يُهاجِر، فَقالَ: ما حُجَّتُكَ فِيهِ؟ فَقُلْتُ: قَوْلُ اللَّه تَعالى‏: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا» وَإِنَّ عَمِّي العَبَّاسَ لَمْ يُهاجِرْ.فَقالَ لي: أَسأَلُكَ يا مُوسَى هَلْ أَفْتَيْتَ بِذلِكَ أَحَداً مِنْ أَعْدائِنا أَمْ أَخْبَرْتَ أَحَداً مِنَ الفُقَهاءِ فِي هذِهِ المَسْأَلَة بِشَي‏ءٍ؟ فَقُلْتُ: اَللَّهُمَّ لا، وَما سَأَلَنِي عَنْها إِلاّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ.ثُمَّ قالَ: لَمْ جَوَّزْتُمْ لِلْعامَّةِ وَالخاصَّةِ أَن يَنْسِبُوكُمْ إِلى رَسُولِ اللَّهِ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَيَقُولُونَ لَكُمْ: يا بَنِي رَسُولِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ بَنُو عَلِيٍّ، وَإِنَّما يَنْسِبُ المَرْءُ إِلى أَبِيهِ، وَفاطِمَةُ إِنَّما هِيَ وِعاءٌ، وَالنَّبِيَ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ جَدُّكُمْ مِنْ قَبْلِ اُمِّكُمْ؟ فَقُلْتُ: يـا أَمِيرَ الْمُؤْمِنين، لَوْأَنَّ النَّبِيَ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ نُشِرَ فَخَطَبَ إِلَيكَ كَرِيمَتَكَ هَلْ كُنْتَ تُجِيبُهُ؟ فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وَلَمْ لا أَجيبُهُ؟ بَلْ أَفْتَخِرُ عَلَى العَرَبِ و العَجَمِ وَقُرَيْشٍ بِذلِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: لكِنَّهُ يَخْطَبُ إِلَىَّ، وَلا اُزَوِّجُهُ، فَقالَ: وَلِمَ؟ فَقُلْتُ: لأَنَّهُ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَلَدَنِي وَلَمْ يَلِدْكَ، فَقالَ: أَحْسَنْتَ يا مُوسَى.ثُمَّ قالَ: كَيْفَ قُلْتُمْ: إِنّا ذُرِّيَّة النَّبِيِّ وَالنَّبِيُ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لَمْ يُعْقِبْ وَإِنَّما العَقِبُ لِلذَّكَرِ لا لِلْاُنْثى‏: وَأَنْتُمْ وُلْدُ البِنْتِ، وَلا يَكُونُ لَها عَقِبٌ؟! فَقُلْتُ: أَسأَلُكَ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ بِحَقِّ القَرابَة وَالقَبْرِ وَمَنْ فِيهِ إِلاّ ما أَعْفَيْتَني عَنْ هذِهِ المَسْأَلَةِ، فَقالَ: لا أَوْ تُخْبِرَنِي بِحُجَّتِكُمْ فِيهِ يا وُلْدَ عَلِيٍّ وأَنْتَ يا مُوسَى يَعْسُوبُهُمْ وَإِمامُ زَمانِهِم كَذا اُنْهِيَ إِلَىَّ، وَلَسْتُ أُعْفِيكَ فِي كُلِّ ما أَسأَلُكَ عَنْهُ حَتّى‏ تَأْتِيَني فِيهِ بِحُجَّةِ مِنْ كِتابِ اللَّه تَعالى‏ و أَنْتُمْ تَدْعُونَ مَعْشَرَ وُلْدِ عَلِيٍّ أَنَّهُ لا يَسْقُطُ عَنْكُمْ مِنْهُ شَيْ‏ءٌ أَلْفٌ وَلا واوٌ، إِلاّ وَتَأْوِيلِهِ عِنْدَكُمْ وَاحْتَجَجْتُمْ بِقَوْلِه عَزَّ وَجَلَّ: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ» وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُمْ عَنْ رَأي العُلَماءِ وَقِياسِهِمْ، فَقُلْتُ: تَأذَنُ لي‏ فِي الجَوابَ؟ قالَ: هاتِ، قُلْتُ أَعُوذُ بِاللَّهِ منَ الشَّيْطانِ الرَّجِيم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمن الرَّحِيم «وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الُْمحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى‏ وَإِلْياسَ » مَنْ أَبُو عِيسَى يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنينِ؟ فَقالَ: لَيْسَ لِعِيسى‏ أَبٌ، فَقُلْتُ: إِنَّما أَلْحَقْناهُ بِذَرارِي الأَنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ مِنْ طَرِيقِ مَرْيَمَ وَكَذلِكَ أَلْحَقنا بِذَرارِي النَّبِيِ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مِنْ قَبْلِ اُمِّنا فاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ.أزِيدُكَ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنين؟ قالَ: هاتِ، قُلْتُ: قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ» وَلَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ أَنَّهُ أَدْخَلَهُ النَّبِيُ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ تَحْتَ الكِساءِ عِنْدَ المُباهِلَةِ لِلنَّصارى‏ إِلاّ عَلِىُّ بْنُ أَبي طالِبٍ وَفاطِمَةُ وَالحَسَنُ وَالحُسَيْنُ، فَكانَ تَأْوِيلُ قَوْلَهُ تَعالى‏: «أَبْناءَنا» الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ وَ«نِساءَنا» فاطِمَة وَ«أَنْفُسَنا» عَلِىَّ بْنَ أَبِي طالِبٍ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ، عَلَى أَنَّ العُلَماءَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ جِبْرَئِيلَ‏ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ يَوْمَ أَحَدٍ: يا مُحَمَّدُ إِنَّ هذِهِ لَهِيَ المُواساةُ مِنْ «عَلِيٍّ» قالَ: لأَنَّهُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، فَقالَ جِبْرَئِيلُ: وَأَنَا مِنْكُما يا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: «لا سَيْفَ إِلاّ ذُو الفَقارَ وَلا فَتى‏ إِلاّ عَلِيٌّ» فَكانَ كَما مَدَحَ اللَّهُ تَعالى‏ بِهِ خَلِيلِهِ‏ عَلَيْهِ السَّلامُ إِذْ يَقُولُ:«فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ» إِنّا مَعْشَرُ بَنِي عَمِّكَ نَفْتَخِرُ بِقَوْلِ جِبْرَئِيلَ: أَنَّهُ مِنَّا، فَقالَ: أَحْسَنْتَ يا مُوسَى ارْفَع إِلَيْنا حَوائِجَكَ، فَقُلْتُ لَهُ: أَوَّلُ حاجَةٍ أَنْ تَأْذَنَ لِإِبْنِ عَمِّكَ أَنْ يَرْجِعَ إِلى حَرَمِ جَدِّهِ وَإِلى عِيالِهِ، فَقالَ نَنْظُرُ إِنْ شاءَ اللَّه تَعالى‏.فَرُوِيَ أَنَّهُ أَنْزَلَه عِنْدَ السَّنْدِيِّ بْنِ شاهك، فَزُعِمَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ عنْدَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الحديث 10

10 - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْراهيمَ بْنِ إِسْحاقَ الطَّالِقانِيُّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوليُّ قالَ: حَدَّثَنا أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمانَ النُّوفَلِيِّ قالَ: سَمِعْتُ أَبي يَقُولُ: لَمَّا قَبَضَ الرَّشِيدُ عَلَى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبَضَ عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِ النَّبِيِ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ قائِماً يُصَلّي، فَقَطَعَ عَلَيْهِ صَلاتَهُ، وَحُمِلَ وَهُوَ يَبْكي وَيَقُولُ: أَشْكُو إِلَيكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أَلْقى‏، وَأَقْبَلَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جانِبٍ يَبْكُونَوَيَصِيحُونَ، فَلَمَّا حُمِلَ إِلى بَيْنِ يَدِيَ الرَّشِيدِ شَتَمَهُ وَجَفاهُ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْل أَمَرَ بِقُبَّتَيْنِ فَهُيِّئا لَهُ، فَحُمِلَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ إِلى أَحَدِهِما فِي خَفاءٍ وَدَفَعَهُ إِلى حَسَّان السَّرْوِيِّ وَأَمَرَهُ بِأَنْ يَصيرَ بِهِ فِي قُبَّة إِلى البَصْرَة فَيُسَلِّمَ إِلى عِيسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبي جَعْفَرٍ وَهُوَ أَمِيرُها، وَوَجَّهَ قُبَّةً اُخْرى‏ عَلانِيَةً نَهاراً إِلى الكُوفَةِ مَعَها جَماعَةٌ، لِيُعَمِّيَ عَلَى النَّاسِ أَمْرَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، فَقَدِمَ حَسَّانُ البَصْرَةَ قَبْلَ التَّرْوِيَة بِيَوْمٍ، فَدَفَعَهُ إِلى عِيسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبي جَعْفَرً نَهاراً عَلانِيَةً حَتّى‏ عُرِفَ ذلِكَ وَشاعَ خَبَرُهُ، فَحَبَسَهُ عِيسَى فِي بَيْتً مِنْ بُيُوتِ الَمجْلِسِ الَّذِي كانَ يَجْلِسُ فِيهِ، وَأَقْفَلَ عَلَيْهِ، وَشَغَلَهُ العَبْدِ عَنْهُ، فَكانَ لا يَفْتَحُ عَنْهُ البابُ إِلاّ في حالَتَيْنِ، حالَةً يَخْرُج فِيها إِلى الطَّهُورِ، وَحالَةٍ يُدْخَلُ إِلَيْهِ فِيها الطَّعام.قالَ أَبي: فَقالَ لِيَ الفَيْضُ بْنُ أَبي صالِحٍ وَكانَ نَصْرانِيّاً ثُمَّ أَظْهَرَ الإِسْلام وَكانَ زِنْدِيقاً وَكانَ يَكْتُبُ لِعِيسى‏ بْنِ جَعْفَرٍ وَكانَ بي خاصّاً، فَقالَ: يا أَبَا عَبْدِ اللَّه لَقَدْ سَمِعَ هذا الرَّجُلُ الصَّالِحُ فِي أَيَّامِهِ هذِهِ فِي الدَّار الَّتِي هُوَفِيها مِنْ ضُرُوب الفَواحِشِ وَالمَناكِيرِ ما أَعْلَمُ وَلا أَشُكُّ أَنَّهُ لَمْ يَخْطُرُ بِبالِهِ.قالَ أَبي: وَسَعى‏ لي فِي تِلْكَ الأَيَّامِ إِلى عِيسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبي جَعْفَرٍ عَلِىُّ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ عَوْنِ بْنِ العَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ فِي رُقْعَةٍ دَفَعَها إِلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ اُسَيِّدٍ حاجِبُ عِيسَى - قالَ: وَكانَ عَلِىُّ بْنُ يَعْقُوبِ مِنْ مَشايِخِ بَنِي هاشِمٍ وَكانَ أَكْبَرُهُم سِنّاً وَكانَ مَعَ كِبَرِ سِنِّهِ يَشْرَبُ الشَّراب وَيَدْعُو أَحْمَدَ بْنَ اُسَيِّدٍ إِلى منْزِلِهِ فَيَحْتَفِلُ لَهُ وَيَأْتِيهِ بِالْمُغَنِّينَ وَالمُغَنِّياتِ، يَطْمَعُ فِي أَنْ يَذْكُرَهُ لِعِيسى‏ - فَكانَ فِي رُقْعَتِهِ الَّتِي رَقَّعَها إِلَيْهِ: أَنَّكَ تُقَدِّمُ عَلَيْنا مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمانَ فِي إجْلالِكَ وَإِكْرامِكَ، وَتَخُصُّهُ بِالْمِسْكِ، وَفِينا مَنْ هُوَأَسَنُّ مِنْهُ، وَهُوَ يَدَيْنُ بِطاعَةِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ الَمحْبُوسِ عِنْدَكَ.قالَ أَبي: فَإِنِّي لَقائِلٌ يَوْمَ قائِظٍ إِذْ حُرِّكَتْ حَلْقَةُ البابِ عَلِيَّ، فَقُلْتُ: ما هذا؟ قالَ لِيَ الغُلامُ: قَعْنَبُ بْنِ يَحْيَى عَلَى الباب، يَقُولُ: لابُدَّ مِنْ لِقائِكَ السَّاعَةَ، فَقُلْتُ: ما جاءَ إِلاّ لأَمْرٍ، ائْذَنُوا لَهُ، فَدَخَلَ، فَخَبَّرَني عَنِ الفَيْضِ بْنِ أَبي صالِحٍ بِهذِهِ القِصَّة وَالرُّقْعَةِ، قالَ: وَقَدْ كانَ قالَ لِيَ الفَيْضُ بَعْد ما أَخْبَرَنِي: لا تُخْبِرْ أَبَا عَبْدِاللَّهِ فَتَحْزُنَهُ، فَإِنَّ الرَّافِعَ عِنْدَ الأَمِيرِ لَمْ يَجِدْ فِيهِ مُساغاً وَقَدْ قُلْتُ للأَمِيرِ: أَفي نَفْسِكَ مِنْ هذا شَي‏ءٌ حَتّى‏ أَخْبِرَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَيَأْتِيَكَ وَيَحْلِفَ عَلَى كَذِبِهِ؟ فَقالَ: لا تُخْبِرْهُ فَتَغُمَّهُ، فَإِنَّ ابْنِ عَمِّهِ إِنَّما حَمَلَهُ عَلَى هذا، الحَسَدُ لَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يا أَيُّهَا الأَمِيرُ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ لا تَخْلُو بِأَحَدٍ خَلْوَتَكَ بِهِ، فَهَلْ حَمَلَكَ عَلَى أَحَدٍ قَطُّ؟ قالَ: مَعاذَ اللَّهِ، قُلْتُ: فَلَوْ كانَ لَهُ مَذْهَبٌ يُخالِفُ فِيهِ النَّاسِ لأَحَبَّ أَنْ يَحْمِلَكَ عَلَيْهِ، قالَ: أَجَلْ وَمَعْرِفَتِي بِهِ أَكْثَرُ.قالَ أَبي: فَدَعَوْتُ بِدابَّتِي وَرَكِبْتُ إلى الفَيْضُ مِنْ ساعَتي فَصِرْتُ إِلَيْهِ وَمَعِي قَعْنَبٌ فِي الظَّهِيرَةِ، فَاسْتَأْذَنْتُ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَىَّ [وَقالَ] : جُعِلْتُ فِداكَ قَدْ جَلَسْتُ مَجْلِساً، أَرْفَعُ قَدْرَكَ عَنْهُ، وَهُوَ جالِسٌ عَلَى شَرابِهِ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ وَاللَّهِ لا بُدَّ مِنْ لِقائِكَ، فَخَرَجَ إِلَىَّ فِي قَمِيصٍ رَقِيقٍ إِزارٍ مُوَرَّدٍ فَأَخْبَرْتُهُ بِما بَلَغَني، فَقالَ لِقَعْنَبٍ: لا جُزِيتَ خَيْراً، أَلَمْ أتُقَدِّمْ إِلَيكَ أَن لا تُخْبِرَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَتَغُمَّهُ؟ ثُمَّ قالَ لي: لا بَأْسَ‏َ، فَلَيْسَ فِي قَلْبِ الأَمِيرِ مِنْ ذلِكَ شَي‏ءٌ، قالَ: فَما مَضَتْ بَعْدَ ذلِكَ إِلاّ أيَّامٌ يَسِيرَةٌ حَتّى‏ حُمِلَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ سِرّاًً إِلى بَغدْادَ وَحُبِسَ، ثُمَّ اُطْلِقَ، ثُمَّ حُبِسَ، ثُمَّ سَلَّمَ إِلى السَّنْدِيّ بْنِ شاهَكَ فَحَبَسَهُ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ الرَّشِيدُ بِسَمٍّ فِي رُطَبٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُقَدِّمَهُ إِلَيْهِ وَيُحَتِّمَ عَلَيْهِفِي تَناوُلِهِ مِنْهُ فَفَعَلَ، فَماتَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ.

الحديث 11

11 - حَدَّثَنا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّه الوَرَّاقُ؛ وَالحُسَيْنُ بْنُ إِبْراهيمَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ هِشامِ المُكَتَّبُ؛ أَحْمَدُ بْنُ زِيادِ بْنِ جَعْفَرٍ الْهَمَذانيُّ؛ وَالحُسَيْنُ بْنُ إِبْراهيمَ بْنِ ناتانَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ عَلِىِّ بْنِ إِبراهِيمَ بْنِ هاشِمٍ؛ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِى ماجِيلوَيْه؛ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ المُتَوَكِّل - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قالُوا: حَدَّثَنا عَلِىُّ بْنُ إِبراهِيمَ بْنِ هاشِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُثْمانِ بْنِ عِيسَى، عَنْ سُفْيانَ بْنِ نَزارٍ قالَ: كُنْتُ يَوْماً عَلَى رَأْسِ الْمَأمُونِ، فَقالَ: أَتَدْرُونَ مَنْ عَلَّمَني التَّشَيُّعَ؟ فَقالَ القَوْمُ جَمِيعاً: لا وَاللَّهِ ما نَعْلَمُ؟ قالَ: عَلَّنِيهِ الرَّشِيدُ، قِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ ذلِكَ وَالرَّشِيدُ كانَ يَقْتُلُ أَهْلَ هذا الْبِيْتِ؟ قالَ: كانَ يَقْتُلُهُمْ عَلَى المُلْكِ، لأَنَّ المُلْكِ عَقِيمٌ وَلَقَدْ حَجَجْتُ مَعَهُ سِنَةً، فَلَمَّا صارَ إِلى المَدِينَةِ تَقَدَّمَ إِلى حُجَّابِهِ وَقالَ: لا يَدْخُلَنَّ عَلِيَّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ وَمَكَّةِ مِنْ أبْناءَ المُهاجِرِين وَالأَنْصارِ و بَنِي هاشِمٍ وَسائِرِ بُطُونِ قُرَيْشٍ إِلاّ نَسَبَ نَفْسَهُ، وَكانَ الرَّجُلُ إِذا دَخَلَ عَلَيْهِ قالَ: أَنَا فُلانُ بْنُ فُلانٍ حَتّى‏ يَنْتَهِي إِلى جَدِّهِ مِنْ هاشِميٍّ أَوْ قُرَشِيّ‏ٍّ أَوْ مُهاجِرِيٍّ أَوْ أَنْصارِيٍّ، فَيَصِلُهُ مِنَ المالِ بِخَمْسَةِ آلافَ دِينارٍ وَما دُونَها إِلى مِأَتَيْ دِينارٍ، عَلَى قَدْرٍ شَرَفِهِ وَهِجْرَةِ آبائِهِ.فَأَنَا ذاتَ يَوْمٍ واقِفٌ إِذْ دَخَلَ الفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعُ فَقالَ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ عَلَى البابِ رَجُلٌ يَزْعَمُ أَنَّهُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ‏ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ فَأَقْبَلَ عَلَيْنا وَنَحْنُ قِيامٌ عَلَى رَأسِهِ، وَالأَمِينُ وَالمُؤْتَمَنُ، وَسائِرُ القَوَّاد، فَقالَ: احْفَظُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، ثُمَّ قالَ لِآذِنِهِ: أِئْذَنْ لَهُ، وَلا يَنْزِلْ إِلاّ عَلَى بَساطِي.فَإِنَّا لَكَذلِكَ إِذْ دَخَلَ شَيْخٌ مُسَخَّدٌ، قَدْ أَنْهَكَتْهُ العِبادَةُ، كَأَنَّهُ شَنٌ بالٍ قَدْ كُلِمَ مِنَ السُّجُودِ وَجْهُهُ وَأَنْفُهُ، فَلَمَّا رَأى‏ الرَّشِيدَ رَمى‏ بِنَفْسِهِ عَنْ حِمارٍ كانَ راكِبَةُ، فَصاحَ الرَّشِيدُ: لا واللَّه إِلاّ عَلَى بَساطِي، فَمَنَعَهُ الحُجَّاب مِنَ التَّرَجُّلِ، وَنَظَرْنا إِلَيْهِ بِأَجْمَعِنا بِالْإِجْلالِ وَالإِعْظام فَمازالَ يَسِيرُ عَلَى حِمارِه حَتّى‏ صارَ إِلى البِساط، وَالحُجَّابُ وَالقَوَّادُ مُحْدِقُونَ بِهِ، فَنَزَلَ فَقامَ إِلَيْهِ الرَّشِيدُ وَاستَقْبَلَهُ إِلى آخِرَ البِساط، وَقَبَّلَ وَجْهُهُ وَعَيْنَيْهِ وَأَخَذَ بِيَدِهِ حَتّى‏ صَيَّرَهُ فِي صَدْرِ الَمجْلِسِ وَأَجْلِسَهُ مَعَهُ فِيهِ، وَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ وَيُقْبِلُ بِوَجْهِهِ عَلَيْهِ وَيَسْأَلُهُ عَنْ أَحْوالِهِ.ثُمَّ قالَ لَهُ: يا أَبَا الحَسَنِ ما عَلَيْكَ مِنَ العِيالِ؟ فَقالَ: يَزِيدُونَ عَلَى الخَمْسِمِائَةٍ، قالَ: أَوْلادٌ كُلُّهُمْ؟ قالَ: لا، أَكْثَرُهُم مَوالِيّ وَحَشَمٌ، أَمَّا الوَلَدُ فَلِي نَيِّفٌ وَثَلاثُونَ، الذُّكْرانُ مِنْهُمْ كَذا، وَالنِّسْوانُ مِنْهُمْ كَذا، قالَ: فَلِمَ لا تُزَوِّجُ النِّسْوانَ مِنْ بَني عُمُومَتِهِنَّ وَأَكْفائِهِنَّ؟ قالَ: اليَدُ تَقْصُرُ عَنْ ذلِكَ، قالَ: فَما حالُ الضَّيْعَةِ؟ قالَ: تُعْطي وَقْتٍ وَتَمْنَعُ فِي آخَرَ؟ قالَ: فَهَلْ عَلَيْكَ دَيْنٌ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: كَمْ؟ قالَ: نَحْوُ عَشَرَةَ آلاْفِ دِينارٍ.فَقالَ لَهُ الرَّشِيدُ: يا ابْنَ عَمِّ أَنَا أُعْطِيكَ مِنَ المالِ ما تُزَوِّجُ الذُّكْران وَالنِّسْوانَ وَتَقْضِي الدَّيْنَ وَتَعْمُرُ الضِّياعَ، فَقالَ لَهُ: وَصَلَتْكَ رَحِمٌ يا ابْنَ عَمِّ وَشَكَرَ اللَّهُ لَكَ هذِهِ النِّيَّة الجَمِيلَةَ، وَالرَّحِمُ ماسَّةٌ وَالقَرابَةُ وَاشِجَةٌ وَالنَّسَبَ واحِدٌ، وَالعَبَّاسُ عَمُّ النَّبِيِ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَصِنْوٌ أَبِيهِ، وَعَمُّ عَلِيِّ بْنِ أَبي طالِبٍ‏ عَلَيْهِ السَّلامُ وَصِنْوٌ أَبِيهِ، وَما أَبْعَدَكَ اللَّهُ مِنْ أَنُ تَفْعَلَ ذلِكَ، وَقَدْ بَسَطَ يَدَكَ وَأَكْرَمَ عُنْصُرَكَ، وَأعَلَى مُحْتَدَكَ، فَقالَ: أَفْعَلُ ذلِكَ يا أَبَا الحَسَن وَكِرامَةً. فَقالَ: يا أَمِيرُ الْمُؤْمِنينَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ فَرَضَ عَلَى وُلاةِ عَهْدِهِ أَنْ يَنْعَشُوا فُقَراء الاُمَّةِ وَيَقْضُوا عَنِ الغارِمِينَ، وَيُؤَدُّوا عَنِ المُثْقَلِ، وَيَكْسُوا العارِيّ وَيُحْسِنُوا إِلى العانِي فَأَنت أَوْلى‏ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ، فَقالَ: أَفْعَلُ يا أَبَا الحَسَنِ.ثُمَّ قامَ، فَقامَ الرَّشِيدُ لِقِيامِهِ وَقَبَّلَ عَيْنَيْهِ وَوَجْهَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلِيِّ وَعَلَى الأَمِينِ وَالمُؤْتَمَنِ، فَقالَ: يا عَبْدِ اللَّه وَيا مُحَمَّدُ، وَيا إِبْراهيمُ امْشُوا بَيْنِ يَدِيَ عَمِّكُمْ وَسَيِّدِكُمْ، خُذُوا بِرِكابِهِ، وَسَوُّوا عَلَيْهِ ثِيابَهُ وَشَيِّعُوهُ إِلى منْزِله، فَأَقْبَلَ عَلِيَّ أَبُو الحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ سِرّاً بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَبَشَّرَني بِالْخِلافَةِ، فَقالَ لي: إِذا مَلَكْتَ هذا الأَمْرَ فَأَحْسِنْ إِلى وُلْدِي.ثُمَّ انْصَرَفْنا وَكُنْتُ أَجْراً وُلْدِ أَبي عَلَيْهِ، فَلَمَّا خَلاَ الَمجْلِسُ قُلْتُ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ مَنْ هذا الرَّجُلُ الَّذِي قَدْ أَعْظَمْتَهُ وَأَجْلَلْتَهُ، وَقُمْتَ مِنْ مَجْلِسِكَ إِلَيْهِ فَاسْتَقْبَلْتَهُ، وَأَقْعَدْتَهُ فِي صَدْرِ الَمجْلِسِ، وَجَلَسْتَ دُونَهُ، ثُمَّ أَمَرْتَنا بِأَخْذِ الرِّكابِ لَهُ؟! قالَ: هذا إِمامُ النَّاسِ وَحُجَّةَ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَخَلِيفَتُهُ عَلَى عِبادِهِ، فَقُلْتُ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ أَوْ لَيْسَتْ هذِهِ الصِّفاتُ كُلِّها لَكَ وَفِيكَ؟ فَقالَ: أَنَا إِمامُ الجَماعَةِ فِي الظَّاهِر وَالغَلَبَةِ وَالقَهْرِ، وَمُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إِمامُ حَقٍّ، وَاللَّهِ يا بُنَيَّ إِنَّهُ لأَحَقُّ بِمَقامِ رَسُولِ اللَّهِ‏ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مِنِّي وَمِنَ الْخَلْقِ جَمِيعاً، وَوَاللَّهِ لَوْ نازَعْتَني هذا الأَمْرَ لَأَخَذْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْناكَ، فَإِنَّ المُلْكَ عَقِيمٌ.فَلَمَّا أَرادَ الرَّحِيلَ مِنَ المَدِينَة إِلى مَكَّةِ أَمَرَ بِصُرَّةٍ سَوْداءَ فِيها مائتا دِينارٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقالَ لَهُ: إِذْهَبْ بِهذِهِ إِلى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنينَ: نَحْنُ ضِيقَةٍ وَسَيَأْتِيكَ بِرُّنا بَعْدَ الوَقْتِ.فَقُمْتُ فِي صَدْرِهِ فَقُلْتُ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ تُعْطي أَبْناءَ المُهاجِرِينَ وَالأَنْصارَ وَسائِرَ قُرَيْشٍ وَبَنِي هاشِمٍ وَمَنْ لا يُعْرَفُ حَسَبُهُ وَنَسَبُهُ خَمْسَةَ آلافِ دينارٍ إِلى ما دُونَها، وَتُعْطي مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَقَدْ أَعْظَمْتَهُ و أَجْلَلْتَهُ مِائَتَيْ دِينارٍ أَخَسَّ عَطِيَّةٍ أَعْطَيْتَها أَحَداً مِنَ النَّاسِ؟! فَقالَ: اسْكُتُ لا اُمَّ لَكَ، فَإِنِّي لَوْ أَعْطَيْتُ هذا ما ضَمِنْتُهُ لَهُ ما كُنْتُ أَمِنْتُهُ أَنْ يَضْرِبَ وَجْهِيغَداً بِمِائةِ أَلْفِ سَيْفٍ مِنْ شِيعَتِهِ وَمَوالِيهِ، وَفَقْرُ هذا وَأَهْلِ بَيْتِهِ أَسْلَمُ لي وَلَكُمْ مِنْ بَسْط أَيْدِيهِم أَعْيُنِهِمْ.فَلَمَّا نَظَرَ إِلى ذلِكَ مُخارِقُ المُغَنِّي دَخَلَهُ فِي ذلِكَ غَيْظٌ، فَقامَ إِلى الرَّشِيدِ فَقالَ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ قَدْ دَخَلْتُ المَدِينَةَ وَأَكْثَرَ أَهْلِها يَطْلُبُونَ مِنِّي شَيْئاً، وَإِنْ خَرَجْتُ وَلَمْ أَقْسِم فِيهِمْ شَيْئاً لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ تَفَضُّلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنينَ عَلِيَّ وَمَنْزِلَتي عِنْدَهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلافَ دِينارٍ، فَقالَ لَهُ: يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينِ هذا لأَهْلِ المَدِينَةِ وَعَلِيَّ دَيْنٌ أَحْتاجُ أَنْ أَقْضِيَهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلافِ دِينارٍ اُخْرى‏، فَقالَ لَهُ: يا أَمِيرِ الْمُؤْمِنين بَناتِي اُرِيدُ أَنْ اُزَوِّجَهُنَّ وَأَنَا مُحْتاجٌ إِلى جَهازَهُنَّ، فَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلافِ دِينارٍ اُخْرى‏، فَقالَ لَهُ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لا بُدَّ مِنْ غَلَّةٍ تُعْطِينِيها تَرُدَّ عَلِيُّ وَعَلَى عِيالي وَبَناتِي وَأَزْواجِهِنَّ القُوتَ، فَأَمَرَ لَهُ بِأَقْطاعٍ ما تَبْلُغُ غَلَّتُهُ فِي السَّنَةِ عَشَرَةَ آلافِ دِينارٍ وَأَمَرَ أَنْ يُعَجِّلَ ذلِكَ لَهُ مِنْ ساعَتِهِ.ثُمَّ قامَ مُخارِقُ مِنْ فَوْرِهِ وَقَصَدَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرَعَلَيْهِمَا السَّلاَمُ وَقالَ لَهُ: قَدْ وَقَفْتُ عَلَى ما عامَلَك بِهِ هذا المَلْعُونُ وَما أَمَرَ لَكَ بِهِ وَقَدْ احْتَلْتُ عَلَيْهِ لَكَ وَأَخَذْتُ مِنْهُ صِلاتٍ ثَلاثِينَ أَلْفَ دِينارٍ وَأقْطاعاً تُغِلُّ فِي السِّنَةِ عَشَرةَ آلافِ دِينارٍ، وَلا وَاللَّهِ يا سَيِّدي ما أَحْتاجُ إِلى شَي‏ءٍ مِنْ ذلِكَ، ما أَخَذْتُهُ إِلاَّ لَكَ، وَأَنَا أَشْهَدُ لَكَ بِهذِهِ الأَقْطاع وَقَدْ حَمَلْتُ المالَ إِلَيكَ.فَقالَ: بارِكَ اللَّه لَكَ فِي مالِكَ وَأَحْسَنَ جَزاكَ، ما كُنْتُ لآخُذَ مِنْهُ دِرْهَماً واحِداً وَلا مِنْ هذِهِ الأَقْطاعِ شَيْئاً وَقَدْ قَبِلْتُ صَلَتَكَ وَبِرَّكَ، فَانْصَرِفْ راشِداً، وَتُراجِعْني فِي ذلِكَ فَقَبَّلَ يَدَهُ و انْصَرِفَ.

الحديث 12

12 - حَدَّثَنا أَبي‏ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: حَدَّثَنا عَلِىُّ بْنُ إِبراهِيمَ بْنِ هاشِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّيانِ بْنِ شَبِيبٍ قالَ: سَمِعْتُ الْمَأمُونَ يَقُولُ: ما زِلْتُ أُحِبُّ أَهْلَ البِيْتِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ وَأَظْهِرُ لِلرَّشِيدِ بُغْضَهُمْ تَقَرُّباً إِلَيْهِ فَلَمَّا حَجَّ الرَّشِيدُ كُنْتُ أَنَا وَمُحَمَّدٌ وَالقاسِمُ مَعَهُ، فَلَمَّا كانَبِالْمَدِينَةِ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ النَّاسُ وَكانَ آخِرُ مَنْ أَذِنَ لَهُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍعَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، فَدَخَلَ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ الرَّشِيدُ تَحَرَّكَ وَمَدَّ بَصَرَهُ وَعُنُقَهُ إِلَيْهِ حَتّى‏ دَخَلَ البِيْتَ الَّذِي كانَ فِيهِ.فَلَمَّا قَرُبَ جَثا الرَّشِيدُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَعانَقَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ: كَيْفَ أَنْتَ يا أَبَا الحَسَن؟ وَكَيْفَ عِيالُكَ وَعِيالُ أَبِيكَ؟ كَيْفَ أَنْتُمْ، ما حالُكُمْ؟ فَما زالَ يَسْأَلُهُ هذا وَأَبُو الحَسَنِ يَقُولُ: خَيْرٌ خَيْرٌ، فَلَمَّا قامَ أَرادَ الرَّشِيدُ أَن يَنْهَضَ، فَأَقْسَمَ [عَلَيْهِ] أَبُو الحَسَنِ فَأَقْعَدَهُ وَعانَقَهُ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَوَدَّعَهُ، قالَ الْمَأمُونُ: كُنْتُ أَجْراً وُلْدِ أَبي عَلَيْهِ.فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو الحَسَن مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ قُلْتُ لأَبِي: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنين لَقَدْ رَأَيْتُكَ عَمِلْتَ بِهذَا الرَّجُلِ شَيْئاً ما رَأَيْتُكَ فَعَلْتَهُ بِأَحَدٍ مِنْ أَبْناءِ المُهاجِرِينَ وَالأَنْصارِ، وَلا بِبَنِي هاشِمٍ! فَمَنْ هذا الرَّجُلُ؟ فَقالَ: يا بَنِي هذا وارِثُ عِلْمِ النَبِيِّينَ، هذا مُوسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، إِنْ أَرَدْتَ العِلْمَ الصَّحِيحَ فَعِنْدَ هذا، قالَ الْمَأمُونُ: فَحِينَئِذٍ انْغَرَسَ فِي قَلْبِي مَحَبَّتُهُمْ.

الحديث 13

13 - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِىٍّ ماجِيلوَيْه‏ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: حَدَّثَنا عَلِىُّ بْنُ إِبراهِيمَ بْنِ هاشِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً مِنْ أَصْحابِنا يَقُولُ: لَمّا حَبَسَ الرَّشِيدُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍعَلَيْهِمَا السَّلاَمُ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، فَخافَ ناحِيَة هارُونَ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَجَدَّدَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍعَلَيْهِمَا السَّلاَمُ طَهُورَهُ فَاسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ القِبْلَةَ وَصَلَّى لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَرْبَعَ رَكَعاتٍ، ثُمَّ دَعا بِهذِهِ الدَّعَواتِ: فَقالَ: «يا سَيِّدي نَجِّني مِنْ حَبْسِ هارُونَ وَخَلِّصْني مِنْ يَدِهِ يا مُخَلَّصِ الشَّجَرِ مِنْ بَيْنِ رَمْلٍ وَطِينٍ [و ماء] وَيا مُخَلِّصَ اللَّبَنِ مِنْ بِيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ، وَيا مُخَلِّصَ الوَلَدِ مِنْ بَيْنِ مَشِيمَةٍ وَرَحِمٍ وَيا مُخَلِّصَ النَّارِ مِنَ الحَدِيد وَالْحَجَرِ، وَيا مُخَلِّصَ الرُّوحُ مِنْ بَيْنِ الأَحْشاءِ وَالأَمْعاءِ خَلِّصْني مِنْ يَدِ هارُونَ».قالَ: فَلَمَّا دَعا مُوسَى‏ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهذِهِ الدَّعَواتِ أَتى‏ هارُونَ رَجُلٌ أَسْوَدُ فِي مَنامِه، وَبِيَدِهِ سَيْفٌ قَدْ سَلَّهُ، فَوَقَفَ عَلَى رَأْسِ هارُونَ وَهُوَ يَقُولُ: يا هارُونُ اطْلِقْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وَإِلاّ ضَرَبْتُ عِلاوَتَكَ بِسَيْفِي هذا، فَخافَ هارُونُ مِنْ هَيْبَتِه، ثُمَّ دَعا الحاجِبَ فَجاءَ، فَقالَ لَهُ: إذْهَبْ إِلى السِّجْنِ فَأَطْلِقْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: فَخَرَجَ الحاجِبُ فَقَرَعَ بابَ السِّجْنِ فَأَجابَهُ صاحِبُ السِّجْنِ، فَقالَ مَنْ ذاً؟ قالَ: إِنَّ الخَلِيفَةَ يَدْعُو مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ فَأَخْرَجْهُ مِنْ سِجْنِكَ وَأَطْلِقْ عَنْهُ، فَصاحَ السُّبْحانُ: يا مُوسَى إِنَّ الخَلِيفَةَ يَدْعُوكَ.فَقامَ مُوسَى‏ عَلَيْهِ السَّلامُ مَذْعُوراً فَزَعاً، وَهُوَ يَقُولُ: لا يَدْعُونِي فِي جَوْفِ هذا اللَّيْلِ إِلاّ لِشَرٍّ يُرِيدُهُ بي، فَقامَ باكِياً حَزِيناًمَغْمُوماً آيِساً مِنْ حَياتِه فَجاءَ إِلى هارُونَ وَهُوَ يَرْتَعِدُ فَرائِصُهُ فَقالَ: سَلامٌ عَلَى هارُونَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ قالَ لَهُ هارُونُ: ناشَدْتُكَ بِاللَّه هَلْ دَعَوْتَ فِي جَوْفِ هذا اللَّيْلَةِ بِدَعَواتٍ؟ فَقالَ: نَعَمْ، قالَ: وَما هُنَّ؟ قالَ: جَدَّدْتُ طَهُوراً، وَصَلَّيْتُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَرْبَعَ رَكَعاتٍ، وَرَفَعْتُ طَرَفِي إِلى السَّماءِ وَقُلْتُ:«يا سَيِّدي خَلِّصْني مِنْ يَدِ هارُونَ وَشَرِّهُ» - وَذَكَرَ لَهُ ما كانَ مِنْ دُعائِهِ - فَقالَ هارُونَ: قَدْ استَجابَ اللَّهُ دَعَوْتَكَ، يا حاجِبُ أَطْلِقْ عَنْ هذا.ثُمَّ دَعا بِخِلَعٍ عَلَيْهِ ثَلاثاً وَحَمَلَهُ عَلَى فَرَسِهِ وَأَكْرَمَهُ وَصَيَّرَهُ نَدِيماً لِنَفْسِهِ، ثُمَّ قالَ: هاتِ الكَلَمات، فَعَلَّمَهُ، قالَ: فَأَطْلَقَ عَنْهُ وَسَلَّمَهُ إِلى الحاجِبِ لِيُسَلِّمَهُ إِلى الدَّارِ وَيَكُونُ مَعَهُ فَصارَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ كَرِيماً شَرِيفاً عِنْدَ هارُونَ، وَكانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ خَمِيسٍ إِلى أَنْ حَبَسَهُ الثَّانِيَةَ، فَلَمْ يُطْلِقْ عَنْهُ حَتّى‏ سَلَّمَهُ إِلى السَّنْدِي بْنِ شاهَكَ وَقَتَلَهُ بِالسَّمِّ.

الحديث 14

14 - حَدَّثَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِىِّ بْنِ حاتَمٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدِاللَّه بْنُ بَحْرٍ الشَّيْباني قالَ: حَدَّثَني الخَزْرِيُّ أَبُو العَبَّاسِ بِالْكُوفَةِ، قالَ: حَدَّثَنا الثَّوبانِيُّ قالَ: كانَتْ لأَبِي الحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍعَلَيْهِمَا السَّلاَمُ بِضْعَ عَشَرَةَ سِنَةً كُلِّ يَوْمٍ سِجْدَةٌ بَعْد ابْيِضاضِ الشَّمْسِ إِلى وَقْت الزَّوال، فَكانَ هارُونُ رُبَما صَعِدَ سَطْحاً يُشْرِفُ مِنْهُ عَلَى الحَبْسِ الَّذِي حُبِسَ فِيهِ أَبُو الحَسَنِ‏ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكانَ يَرى‏ أَبَا الحَسَنِ‏ عَلَيْهِ السَّلامُ ساجِداً؟، فَقالَ لِلرَّبِيعِ: يا رَبِيعُ ما ذاكَ الثَّوْبُ الَّذِي أَراهُ يَوْمٍ في ذلِكَ المَوضِعِ؟ فَقالَ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنين ما ذاكَ بِثَوْبٍ وَإِنَّما هُوَمُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ لَهُ يَوْمٍ سِجْدَةٌ بَعْدَ طُلُوع الشَّمْسِ إِلى وَقْتِ الزَّوال، قالَ الرَّبِيعُ: فَقالَ لي‏ هارُونُ: أَما إِنَّ هذَا مِنْ رُهْبانِ بَنِي هاشِمٍ، قُلْتُ: فَما لَكَ قَدْ ضَيِّقْتَ عَلَيْهِ فِي الحَبْسِ؟! قالَ: هَيْهاتَ لا بُدَّ مِنْ ذلِكَ!.