إمامة الإمام الحسن العسكري عليه السلام

كتاب الغيبة|المجلّد 1|الكتاب 1|الباب 33

كتاب الغيبة

الكتاب 1, الباب 33

إمامة الإمام الحسن العسكري عليه السلام
48 حديثًا
الحديث 1

163- ما رواه سعد بن عبد الله عن جعفر بن محمد بن مالك عن سيار بن محمد البصري عن علي بن عمر النوفلي قال: كنت مع أبي الحسن العسكري عليه السلام في داره فمر عليه أبو جعفر، فقلت له: هذا صاحبنا؟ فقال: لا. صاحبكم الحسن.

الحديث 2

164- وعنه عن هارون بن مسلم بن سعدان عن أحمد بن محمد بن رجا صاحب الترك قال:قال أبو الحسن عليه السلام: الحسن ابني القائم من بعدي.

الحديث 3

165- عنه عن أحمد بن عيسى العلوي من ولد علي بن جعفر قال: دخلت على أبي الحسن عليه السلام بصريا فسلمنا عليه، فإذا نحن بأبي جعفر وأبي محمد قد دخلا،فقمنا إلى أبي جعفر لنسلم عليه فقال أبو الحسن عليه السلام: ليس هذا صاحبكم. عليكم بصاحبكم. وأشار إلى أبي محمد عليه السلام.

الحديث 4

166- وروى يحيى بن بشار القنبري قال: أوصى أبو الحسن عليه السلام إلى ابنه الحسن عليه السلام قبل مضيه بأربعة أشهر،وأشهدني على ذلك وجماعة من الموالي.

الحديث 5

167- فقد رواه سعد بن عبد الله الأشعري قال:حدثني أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري قال: كنت عند أبي الحسن عليه السلام وقت وفاة ابنه أبي جعفر، وقد كان أشار إليه ودل عليه، فإني لأفكر في نفسي وأقول هذه قضية أبي إبراهيم وقضية إسماعيل، فأقبل علي أبو الحسن عليه السلام فقال: نعم يا أبا هاشم. بدا لله تعالى في أبي جعفر وصير مكانه أبا محمد،كما بدا لله في إسماعيل بعد ما دل عليه أبو عبد الله عليه السلام ونصبه. وهو كما حدثت به نفسك وإن كره المبطلون. أبو محمد ابني الخلف من بعدي؛ عنده ما تحتاجون إليه ومعه آلة الإمامة، والحمد لله.

الحديث 6

168- سعد عن علي بن محمد الكليني عن إسحاق بن محمد النخعي عن شاهويه بن عبد الله الجلاب قال: كنت رويت عن أبي الحسن العسكري عليه السلام في أبي جعفر ابنه روايات تدل عليه، فلما مضى أبو جعفر قلقت لذلك وبقيت متحيرا لا أتقدم ولا أتأخر، وخفت أن أكتب إليه في ذلك فلا أدري ما يكون. فكتبت إليه أسأله الدعاء وأن يفرج الله تعالى عنا في أسباب من قبل السلطان كنا نغتم بها في غلماننا. فرجع الجواب بالدعـاء ورد الغلمان علينـا،وكتب في آخر الكتاب: أردتَ أن تسـأل عن الخلف بعد مضي أبي جعفر، وقلقت لذلك، فلا تغتم، فإن الله لا يضل قوماًبعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون. صاحبكم بعدي أبو محمد ابني، وعنده ما تحتاجون إليه. يقدم الله ما يشاء ويؤخر ما يشاء: ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها﴾. قد كتبت بما فيه بيان وقناع لذي عقل يقظان.

الحديث 7

قال محمد بن الحسن ما تضمن الخبر المتقدم من قوله بدا لله في محمد كما بدا له في إسماعيل معناه ظهر من الله وأمره في أخيه الحسن ما زال الريب والشك في إمامته، فإن جماعة من الشيعة كانوا يظنون أن الأمر في محمد من حيث كان الأكبر، كما كان يظن جماعة أن الأمر في إسماعيل بن جعفر دون موسى عليه السلام. فلما مات محمد ظهر من أمر الله فيه وأنه لم ينصبه إماما كما ظهر في إسماعيل مثل ذلك، لا أنه كان نص عليه ثم بدا له في النص على غيره فإن ذلك لا يجوز على الله تعالى العالم بالعواقب.

الحديث 8

169- وروى سعد بن عبد الله عن محمد بن أحمد العلوي عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري قال: سمعت أبا الحسن العسكري عليه السلام يقول: الخلف من بعدي الحسن. فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟ فقلت: ولم جعلني الله فداك؟ فقال: لأنكم لا ترون شخصه ولا يحل لكم ذكره باسمه. فقلت: فكيف نذكره؟فقال: قولوا الحجة من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

الحديث 9

170- وروى محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن ابن أبي الصهبان قال: لما مات أبو جعفر محمد بن علي بن محمد بن علي بن موسى عليهم السلام وضع لأبي الحسن علي بن محمد عليه السلام كرسي فجلس عليه، وكان أبو محمد الحسن بن علي عليهما السلام قائما في ناحية،فلما فرغ من غسل أبي جعفر التفت أبو الحسن إلى أبي محمد عليه السلام فقال: يا بني، أحدث لله شكرا فقد أحدث فيك أمرا.

الحديث 10

وأما معجزاته الدالة على إمامته فأكثر من أن تحصى. منها:

الحديث 11

171- ما رواه سعد بن عبد الله الأشعري عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري قال: كنت عند أبي محمد عليه السلام فاستؤذن لرجل من أهل اليمن فدخل رجل طويل جسيم، فسلم عليه بالولاية، فقلت في نفسي ليت شعري من هذا؟ فقال أبو محمد عليه السلام: هذا من ولد الأعرابية صاحبة الحصاة التي طبع فيها آبائي بخواتيم فانطبعت. ثم قال: هاتها. فأخرج حصاة وفي جانب منها موضع أملس، فطبع فيها فانطبع. وكأني أقرأ نقش خاتمه الساعة: الحسن بن علي. ثم نهض الرجل وهو يقول: ﴿رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ.﴾ ﴿ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ.﴾أشهد أن حقك الحق الواجب كوجوب حق أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام، وإليك انتهت الحكمة والولاية،وأنك ولي الله الذي لا عذر لأحد في الجهل بك. فسألته عن اسمه،فقال: اسمي مهجع بن الصلت بن عقبة بن سمعان بن غانم ابن أم غانم، وهي الأعرابية اليمانية صاحبة الحصاة التي ختم فيها أمير المؤمنين عليه السلام…تمام الحديث.

الحديث 12

172- وروى علي بن محمد بن زياد الصيمري قال: دخلت على أبي أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وبين يديه رقعة أبي محمد عليه السلام فيها: إني نازلت الله في هذا الطاغي - يعني المستعين- وهو آخذه بعد ثلاث. فلما كان اليوم الثالث خلع وكان من أمره ما كان إلى أن قتل.

الحديث 13

173- وروى سعد بن عبد الله عن أبي هاشم الجعفري قال: كنت محبوسا مع أبي محمد عليه السلام في حبس المهتدي بن الواثق، فقال لي: يا با هاشم، إن هذا الطاغي أراد أن يعبث بالله في هذه الليلة، وقد بتر الله عمره وجعله للقائم من بعده. ولم يكن لي ولد وسأرزق ولدا. قال أبو هاشم: فلما أصبحنا شغب الأتراك على المهتدي فقتلوه، وولي المعتمد مكانه وسلمنا الله تعالى.

الحديث 14

174- وأخبرني جمـاعة عن التلعكبري عن أحـمد بن علي الرازي عن الحسـين بن علي عن محمد بن الحسن بن رزين قال: حدثني أبو الحسن الموسوي الخيبري قال: حدثني أبي أنه كان يغشى أبا محمد عليه السلام بسر من رأى كثيرا، وأنه أتاه يوما فوجده وقد قدمت إليه دابته ليركب إلى دار السلطان، وهو متغير اللون من الغضب، وكان يجيئه رجل من العامة فإذا ركب دعا له وجاء بأشياء يشيع بها عليه،فكان عليه السلام يكره ذلك. فلما كان ذلك اليوم زاد الرجل في الكلام وألح، فسار حتى انتهى إلى مفرق الطريقين وضاق على الرجل أحدهما من الدواب فعدل إلى طريق يخرج منه ويلقاه فيه، فدعا عليه السلام ببعض خدمه وقال له: امض فكفن هذا. فتبعه الخادم. فلما انتهى عليه السلام إلى السوق ونحن معه خرج الرجل من الدرب ليعارضه، وكان في الموضع بغل واقف، فضربه البغل فقتله، ووقف الغلام فكفنه كما أمره،وسار عليه السلام وسرنا معه.

الحديث 15

175- وروى سعد بن عبد الله عن داود بن قاسم الجعفري قال: كنت عند أبي محمد عليه السلام فقال: إذا قام القائم يهدم المنار والمقاصير التي في المساجد. فقلت في نفسي: لأي معنى هذا؟فأقبل علي فقال: معنى هذا أنها محدثة مبتدعة لم يبنها نبي ولا حجة.

الحديث 16

176- وبهذا الإسناد عن أبي هاشم الجعفري قال:سمعت أبا محمد عليه السلام يقول: من الذنوب التي لا تغفر قول الرجل: ليتني لا أؤاخذ إلا بهذا. فقلت في نفسي: إن هذا لهو الدقيق؛ينبغي للرجل أن يتفقد من أمره ومن نفسه كل شي‏ء. فأقبل علي أبو محمد عليه السلام فقال: يا أبا هاشم،صدقت. فالزم ما حدثت به نفسك،فإن الإشراك في الناس أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء ومن دبيب الذر على المسح الأسود.

الحديث 17

177- سعد بن عبد الله عن أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد قال:أخبرني أبو الهيثم بن سيابة أنه كتب إليه لما أمر المعتز بدفعه إلى سعيد الحاجب عند مضيه إلى الكوفة وأن يحدث فيه ما يحدث به الناس بقصر ابن هبيرة: جعلني الله فداك، بلغنا خبر قد أقلقنا وأبلغ منا؟ فكتب عليه السلام إليه: بعد ثالث يأتيكم الفرج. فخلع المعتز اليوم الثالث.

الحديث 18

178- أخبرني جماعة عن أبي المفضل الشيباني عن أبي الحسين محمد بن بحر بن سهل الشيباني الرهني قال:قال بشر بن سليمان النخاس، وهو من ولد أبي أيوب الأنصاري أحد موالي أبي الحسن وأبي محمد عليهما السلام وجارهما بسر من رأى: أتاني كافور الخادم فقال: مولانا أبو الحسن علي بن محمد العسكري عليهما السلام يدعوك إليه. فأتيته،فلما جلست بين يديه قال لي: يا بشر، إنك من ولد الأنصار، وهذه الموالاة لم تزل فيكم يرثها خلف عن سلف، وأنتم ثقاتنا أهل البيت،وإني مزكيك ومشرفك بفضيلة تسبق بها الشيعة في الموالاة بها بسر أطلعك عليه وأنفذك في ابتياع أمة. فكتب كتابا لطيفا بخط رومي ولغة رومية وطبع عليه خاتمه وأخرج شقيقة صفراء فيها مائتان وعشرون دينارا فقال: خذها،وتوجه بها إلى بغداد وأحضر معبر الفرات ضحوة يوم كذا. فإذا وصلت إلى جانبك زواريق السبايا وترى الجواري فيها ستجد طوائف المبتاعين من وكلاء قواد بني العباس وشرذمة من فتيان العرب، فإذا رأيت ذلك فأشرف من البعد على المسمى عمر بن يزيد النخاس عامة نهارك إلى أن تبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا وكذا، لابسة حريرين صفيقين، تمتنع من العرض ولمس المعترض والانقياد لمن يحاول لمسها. وتسمع صرخة رومية من وراء ستر رقيق فاعلم أنها تقول: وا هتك ستراه! فيقول بعض المبتاعين: على ثلاثمائة دينار، فقد زادني العفاف فيها رغبة. فتقول له بالعربية: لو برزت في زي سليمان بن داود وعلى شبه ملكه ما بدت لي فيك رغبة، فاشفق على مالك. فيقول النخاس: فما الحيلة ولا بد من بيعك؟فتقول الجارية: وما العجلة؟ ولا بد من اختيار مبتاع يسكن قلبي إليه وإلى وفائه وأمانته. فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخاس وقل له إن معك كتابا ملصقا لبعض الأشراف كتبه بلغة رومية وخط رومي، ووصف فيه كرمه ووفاءه ونبله وسخاءه. فناولها لتتأمل منه أخلاق صاحبه، فإن مالت إليه ورضيته فأنا وكيله في ابتياعها منك. قال بشر بن سليمان: فامتثلت جميع ما حده لي مولاي أبو الحسن عليه السلام في أمر الجارية، فلما نظرت في الكتاب بكت بكاء شديدا وقالت لعمر بن يزيد: بعني! من صاحب هذا الكتاب؟وحلفت بالمحرجة والمغلظة أنه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها. فما زلت أشاحه في ثمنها حتى استقر الأمر فيه على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي عليه السلام من الدنانير، فاستوفاه مني وتسلمت الجارية ضاحكة مستبشرة،وانصرفت بها إلى الحجيرة التي كنت آوي إليها ببغداد. فما أخذها القرار حتى أخرجت كتاب مولانا عليه السلام من جيبها وهي تلثمه وتطبقه على جفنها وتضعه على خدها وتمسحه على بدنها.فقلت تعجبا منها: تلثمين كتابا لا تعرفين صاحبه؟ فقالت: أيها العاجز الضعيف المعرفة بمحل أولاد الأنبياء! أعرني سمعك وفرغ لي قلبك. أنا ملكية بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم،وأمي من ولد الحواريين تنسب إلى وصي المسيح شمعون. أنبئك بالعجب: إن جدي قيصر أراد أن يزوجني من ابن أخيه وأنا من بنات ثلاث عشرة سنة، فجمع في قصره من نسل الحواريين من القسيسين والرهبان ثلاثمائة رجل ومن ذوي الأخطار منهم سبعمائة رجل، وجمع من أمراء الأجناد وقواد العسكر ونقباء الجيوش وملوك العشائر أربعة آلاف،وأبرز من بهي ملكه عرشا مصنوعا من أصناف الجوهر إلى صحن القصر ورفعه فوق أربعين مرقاة. فلما صعد ابن أخيه وأحدقت الصلب وقامت الأساقفة عكفا ونشرت أسفار الإنجيل تسافلت الصلب من الأعلى فلصقت بالأرض وتقوضت أعمدة العرش فانهارت إلى القرار وخر الصاعد من العرش مغشيا عليه، فتغيرت ألوان الأساقفة وارتعدت فرائصهم، فقال كبيرهم لجدي: أيها الملك، أعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالة على زوال دولة هذا الدين المسيحي والمذهب الملكاني. فتطير جدي من ذلك تطيرا شديدا وقال للأساقفة: أقيموا هذه الأعمدة وارفعوا الصلبان وأحضروا أخا هذا المدبر العاثر المنكوس جده لأزوجه هذه الصبية فيدفع نحوسه عنكم بسعوده. فلما فعلوا ذلك حدث على الثاني مثل ما حدث على الأول وتفرق الناس. وقـام جـدي قيـصر مغتمـا فدخـل منـزل النسـاء وأرخيـت الستـور. وأريـت في تلك الليلة كأن المسيح وشمعون وعدة من الحواريين قد اجتمعوا في قصر جدي ونصبوا فيه منبرا من نور يباري السماء علوا وارتفاعا في الموضع الذي كان نصب جدي فيه عرشه، ودخل عليهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وختنه ووصيه وعدة من أبنائه عليهم السلام.فتقدم المسيح إليه فاعتنقه،فيقول له محمد صلى الله عليه وآله وسلم: يا روح الله، إني جئتك خاطبا من وصيك شمعون فتاته مليكة لابني هذا. وأومأ بيده إلى أبي محمد عليه السلام ابن صاحب هذا الكتاب. فنظر المسيح إلى شمعون وقال له: قد أتاك الشرف! فصل رحمك رحم آل محمد عليهم السلام. قال: قد فعلت.فصعد ذلك المنبر فخطب محمد صلى الله عليه وآله وسلم وزوجني من ابنه، وشهد المسيح عليه السلام وشهد أبناء محمد عليهم السلام والحواريون. فلما استيقظت أشفقت أن أقص هذه الرؤيا على أبي وجدي مخافة القتل، فكنت أسرها ولا أبديها لهم. وضرب صدري بمحبة أبي محمد عليه السلام حتى امتنعت من الطعام والشراب، فضعفت نفسي ودق شخصي ومرضت مرضا شديدا،فما بقي في مدائن الروم طبيب إلا أحضره جدي وسأله عن دوائي. فلما برح به اليأس قال: يا قرة عيني، وهل يخطر ببالك شهوة فأزودكها في هذه الدنيا؟ فقلت: يا جدي،أرى أبواب الفرج علي مغلقة. فلو كشفت العذاب عمن في سجنك من أسارى المسلمين وفككت عنهم الأغلال وتصدقت عليهم ومنيتهم الخلاص رجوت أن يهب لي المسيح وأمه عافية. فلما فعل ذلك تجلدت في إظهار الصحة من بدني قليلا وتناولت يسيرا من الطعام،فسر بذلك وأقبل على إكرام الأسارى وإعزازهم. فأريت أيضا بعد أربع عشرة ليلة كأن سيدة نساء العالمين فاطمة عليها السلام قد زارتني ومعها مريم ابنة عمران وألف من وصائف الجنان، فتقول لي مريم: هذه سيدة نساء العالمين أم زوجك أبي محمد. فأتعلق بها وأبكي وأشكو إليها امتناع أبي محمد عليه السلام من زيارتي. فقالت سيدة النساء عليها السلام: إن ابني أبا محمد لا يزورك وأنت مشركة بالله على مذهب النصارى. وهذه أختي مريم بنت عمران تبرأ إلى الله تعالى من دينك. فإن ملت إلى رضى الله ورضى المسيح ومريم عليهما السلام وزيارة أبي محمد إياك فقولي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن أبي محمدا رسول الله. فلما تكلمت بهذه الكلمة ضمتني إلى صدرها سيدة نساء العالمين عليها السلام وطيبت نفسي وقالت: الآن توقعي زيارة أبي محمد، فإني منفذته إليك. فانتبهت وأنا أنول وأتوقع لقاء أبي محمد عليه السلام. فلما كان في الليلة القابلة رأيت أبا محمد عليه السلام وكأني أقول له: جفوتني يا حبيبي بعد أن أتلفت نفسي معالجة حبك. فقال: ما كان تأخري عنك إلا لشركك، فقد أسلمت وأنا زائرك في كل ليلة إلى أن يجمع الله تعالى شملنا في العيان. فما قطع عني زيارته بعد ذلك إلى هذه الغاية. قال بشر: فقلت لها: وكيف وقعت في الأسارى؟ فقالت: أخبرني أبو محمد عليه السلام ليلة من الليالي أن جدك سيسير جيشا إلى قتال المسلمين يوم كذا وكذا ثم يتبعهم، فعليك باللحاق بهم متنكرة في زي الخدم مع عدة من الوصائف من طريق كذا. ففعلت ذلك فوقعت علينا طلائع المسلمين حتى كان من أمري ما رأيت وشاهدت، وما شعر بأني ابنة ملك الروم إلى هذه الغاية أحد سواك، وذلك باطلاعي إياك عليه. ولقد سألني الشيخ الذي وقعت إليه في سهم الغنيمة عن اسمي فأنكرته وقلت: نرجس. فقال: اسم الجواري. قلت: العجب إنك رومية ولسانك عربي؟!قالت: نعم، من ولوع جدي وحمله إياي على تعلم الآداب أن أوعز إلى امرأة ترجمانة لي في الاختلاف إلي. وكانت تقصدني صباحا ومساء وتفيدني العربية حتى استمر لساني عليها واستقام. قال بشر: فلما انكفأت بها إلى سر من رأى دخلت على مولاي أبي الحسن عليه السلام،فقال: كيف أراك الله عز الإسلام وذل النصرانية وشرف محمد وأهل بيته عليهم السلام؟ قالت: كيف أصف لك يا ابن رسول الله ما أنت أعلم به مني؟ قال: فإني أحببت أن أكرمك. فما أحب إليك؛ عشرة آلاف دينار أم بشرى لك بشرف الأبد؟ قالت: بشرى بولد لي.قال لها: أبشري بولد يملك الدنيا شرقا وغربا ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. قالت: ممن؟ قال: ممن خطبك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له ليلة كذا في شهر كذا من سنة كذا بالرومية. قالت: من المسيح ووصيه؟ قال لها: ممن زوجك المسيح عليه السلام ووصيه. قالت: من ابنك أبي محمد عليه السلام؟ فقال: هل تعرفينه؟ قالت: وهل خلت ليلة لم يرني فيها منذ الليلة التي أسلمت على يد سيدة النساء عليها السلام؟ قال: فقال مولانا: يا كافور، ادع أختي حكيمة. فلما دخلت قال لها: ها هيه. فاعتنقتها طويلا وسرت بها كثيرا. فقال لها أبو الحسن عليه السلام: يا بنت رسول الله، خذيها إلى منزلك وعلميها الفرائض والسنن، فإنها زوجة أبي محمد وأم القائم عليه السلام.

الحديث 19

179- وأخبرنا جماعة عن أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري رحمه الله قال: كنت في دهليز أبي علي محمد بن همام رحمه الله على دكة إذ مر بنا شيخ كبير عليه دراعة، فسلم على أبي علي بن همام فرد عليه السلام ومضى.فقال لي: أتدري من هو هذا؟ فقلت لا. فقال: هذا شاكري لسيدنا أبي محمد عليه السلام. أفتشتهي أن تسمع من أحاديثه عنه شيئا؟قلت: نعم. فقال لي: معك شي‏ء تعطيه؟فقلت له: معي درهمان صحيحان. فقال: هما يكفيانه. فمضيت خلفه فلحقته فقلت له: أبو علي يقول لك تنشط للمصير إلينا. فقال: نعم. فجئنا إلى أبي علي بن همام فجلس إليه، فغمز بي أبو علي أن أسلم إليه الدرهمين، فسلمتها إليه. فقال لي: ما يحتاج إلى هذا؟ ثم أخذهما. فقال له أبو علي بن همام: يا با عبد الله محمد! حدثنا عن أبي محمد عليه السلام ما رأيت. فقال: كان أستاذي صالحا من بين العلويين لم أر قط مثله، وكان يركب بسرج صفته بزيون مسكي وأزرق. (قال) وكان يركب إلى دار الخلافة بسر من رأى في كل إثنين وخميس. (قال) وكان يوم النوبة يحضر من الناس شي‏ء عظيم ويغص الشارع بالدواب والبغال والحمير والضجة فلا يكون لأحد موضع يمشي ولا يدخل بينهم.(قال) فإذا جاء أستاذي سكنت الضجة وهدأ صهيل الخيل ونهاق الحمير. (قال) وتفرقت البهائم حتى يصير الطريق واسعا لا يحتاج أن يتوقى من الدواب تحفه ليزحمها. ثم يدخل فيجلس في مرتبته التي جعلت له. فإذا أراد الخروج وصاح البوابون: هاتوا دابة أبي محمد، سكن صياح الناس وصهيل الخيل،فتفرقت الدواب حتى يركب ويمضي. وقال الشاكري: واستدعاه يوما الخليفة وشق ذلك عليه وخاف أن يكون قد سعى به إليه بعض من يحسده على مرتبته من العلويين والهاشميين، فركب ومضى إليه. فلما حصل في الدار قيل له: إن الخليفة قد قام. ولكن اجلس في مرتبتك أو انصرف. (قـال) فانصـرف وجـاء إلى سوق الدواب وفيها من الضجة والمصادمة واختلاف الناس شي‏ء كثير. فلما دخل إليها سكن الناس وهدأت الدواب. (قال) وجلس إلى نخاس كان يشتري له الدواب. (قال) فجي‏ء له بفرس كبوس لا يقدر أحد أن يدنو منه. (قال) فباعوه إياه بوكس، فقال لي: يا محمد،قم فاطرح السرج عليه. (قال) فقلت: إنه لا يقول لي ما يؤذيني. فحللت الحزام وطرحت السرج عليه،فهدأ ولم يتحرك. وجئت به لأمضي به، فجاء النخاس فقال لي: ليس يباع. فقال لي: سلمه إليهم. قال: فجاء النخاس ليأخذه، فالتفت إليه التفاتة ذهب منه منهزما. (قال) وركب ومضينا، فلحقنا النخاس فقال: صاحبه يقول أشفقت أن يرد،فإن كان قد علم ما فيه من الكبس فليشتره. فقال لي أستاذي: قد علمت. فقال: قد بعتك. فقال لي: خذه. فأخذته. (قال) فجئت به إلى الإصطبل،فما تحرك ولا آذاني ببركة أستاذي.فلما نزل جاء إليه وأخذ أذنه اليمنى فرقاه ثم أخذ أذنه اليسرى فرقاه. فوالله لقد كنت أطرح الشعير له فأفرقه بين يديه فلا يتحرك. هذا ببركة أستاذي. قال أبو محمد: قال أبو علي بن همام: هذا الفرس يقال له الصئول. (قال) يرجم بصاحبه حتى يرجم به الحيطان ويقوم على رجليه ويلطم صاحبه. قال محمد الشاكري: كان أستاذي أصلح من رأيت من العلويين والهاشميين. ما كان يشرب هذا النبيذ. كان يجلس في المحراب ويسجد فأنام وانتبه وأنام وهو ساجد، وكان قليل الأكل. كان يحضره التين والعنب والخوخ وما شاكله فيأكل منه الواحدة والثنتين ويقول: شل هذا يا محمد إلى صبيانك. فأقول: هذا كله؟ فيقول: خذه. ما رأيت قط أسدى منه. فهذه بعض دلائله، ولو استوفيناها لطال به الكتاب. وكان مع إمامته من أكرم الناس وأجودهم.

الحديث 20

180- أخبرني جماعة عن التلعكبري عن أحمد بن علي الرازي عن الحسين بن علي عن أبي الحسن الأيادي قال:حدثني أبو جعفر العمري رضي الله عنه أن أبا طاهر بن بلبل حج فنظر إلى علي بن جعفر الهماني وهو ينفق النفقات العظيمة، فلما انصرف كتب بذلك إلى أبي محمد عليه السلام،فوقع في رقعته: قد كنا أمرنا له بمائة ألف دينار،ثم أمرنا له بمثلها فأبى قبولها إبقاء علينا. ما للناس والدخول في أمرنا فيما لم ندخلهم فيه؟

الحديث 21

فأما القائلون بأن الحسن بن علي لم يمت وهو حي باق وهو المهدي فقولهم باطل بما علمنا موته كما علمنا موت من تقدم من آبائه. والطريقة واحدة والكلام عليهم واحد. هذا مع انقراض القائلين به واندراسهم،ولو كانوا محقين لما انقرضوا. ويدل أيضا على صحة وفاته:

الحديث 22

181- ما رواه سعد بن عبد الله الأشعري قال:سمعت أحمد بن عبيد الله بن خاقان وهو عامل السلطان بقم-في حديث طويل اختصرناه– قال: لما اعتل أبو محمد الحسن بن علي عليه السلام بعث إلى أبي أن ابن الرضا قد اعتل،فركب مبادرا إلى دار الخلافة. ثم رجع مستعجلا ومعه خمسة من خدم أمير المؤمنين من ثقاته وخاصته،منهم نحرير. فأمرهم بلزوم دار أبي محمد وتعرف خبره وحاله. وبعث إلى نفر من المتطببين فأمرهم بالاختلاف إليه وتعهده صباحا ومساء. فلما كان بعد يومين أخبر أنه قد ضعف،فركب حتى نظر إليه ثم أمر المتطببين بلزومه وبعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلسه وأمره أن يختار من أصحابه عشرة فبعث بهم إلى دار أبي محمد وأمرهم بلزومه ليلا ونهارا.فلم يزالوا هناك حتى توفي عليه السلام لأيام مضت من شهر ربيع الأول سنة ستين ومائتين. فصارت سر من رأى ضجة واحدة: مات ابن الرضا.ثم أخذوا في تهيئته وعطلت الأسواق وركب أبي وبنو هاشم وسائر الناس إلى جنازته وأمر السلطان أبا عيسى بن المتوكل بالصلاة عليه، فلما وضعت الجنازة دنا أبو عيسى فكشف عن وجهه وعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية والقواد والكتاب والقضاة والفقهاء المعدلين وقال: هذا الحسن بن علي بن محمد بن الرضا، مات حتف أنفه على فراشه، حضره من خدم أمير المؤمنين من ثقاته فلان وفلان وفلان. ثم غطى وجهه وصلى عليه وكبرعليه خمسا وأمر بحمله فحمل من وسط داره ودفن في البيت الذي دفن فيه أبوه.

الحديث 23

وأما من قال إن الحسن بن علي عليهما السلام يعيش بعد موته وإنه القائم بالأمر وتعلقهم بما روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إنما سمي القائم قائما لأنه يقوم بعد ما يموت، فقوله باطل بما دللنا عليه من موته. وادعاؤهم أنه يعيش يحتاج إلى دليل، ولو جاز لهم ذلك لجاز أن تقول الواقفة إن موسى بن جعفر عليهماالسلام يعيش بعد موته. على أن هذا يؤدي إلى خلو الزمان من إمام بعد موت الحسن عليه السلام إلى حين يحيى. وقد دللنا بأدلة عقلية على فساد ذلك.ويدل على فساد ذلك أيضا:

الحديث 24

182- ما رواه سعد بن عبد الله الأشعري عن محمد بن عيسى بن عبيد ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن محمد بن الفضل عن أبي حمزة الثمالي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أتبقى الأرض بغير إمام؟ فقال: لو بقيت الأرض بغير إمام ساعة لساخت.

الحديث 25

183- وقول أمير المؤمنين عليه السلام: اللهم إنك لا تخلي الأرض من حجة إما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا يدل على ذلك.

الحديث 26

على أن قوله يقوم بعد ما يموت لو صح الخبر احتمل أن يكون أراد يقوم بعد ما يموت ذكره ويخمل ولا يعرف،وهذا جائز في اللغة. وما دللنا به على أن الأئمة اثنا عشر يبطل هذا المقال لأن الحسن بن علي عليه السلام هو الحادي عشر فيبطل قولهم على أن القائلين بذلك قد انقرضوا ولله الحمد ولو كان حقا لما انقرض القائلون به.

الحديث 27

وأما من ذهب إلى الفترة بعد الحسن بن علي عليهما السلام وخلو الزمان من إمام، فقولهم باطـل بمـا دللنـا عليـه مـن أن الزمـان لا يخلـو عن إمـام في حـال من الأحـوال بأدلـة عقليـة وشرعية وتعلقهم بالفترات بين الرسل باطل لأن الفترة عبارة عن خلو الزمان من نبي ونحن لا نوجب النبوة في كل حال وليس في ذلك دلالة على خلو الزمان من إمام على أن القائلين بذلك قد انقرضوا ولله الحمد فسقط هذا القول أيضا.

الحديث 28

وأما القائلون بإمامة جعفر بن علي بعد أخيه عليه السلام، فقولهم باطل بما دللنا عليه من أنه يجب أن يكون الإمام معصوما لا يجوز عليه الخطأ، وأنه يجب أن يكون أعلم الأمة بالأحكام. وجعفر لم يكن معصوما بلا خلاف، وما ظهر من أفعاله التي تنافي العصمة أكثر من أن يحصى، لا نطول بذكرها الكتاب، وإن عرض فيما بعد ما يقتضي ذكر بعضها ذكرناه. وأما كونه عالما فإنه كان خاليا منه، فكيف تثبت إمامته على أن القائلين بهذه المقالة قد انقرضوا أيضا ولله الحمد والمنة.

الحديث 29

وأما من قال لا ولد لأبي محمد عليه السلام فقوله يبطل بما دللنا عليه من إمامة الاثني عشر وسياقة الأمر فيهم. ويزيده بيانا:

الحديث 30

184- ما رواه محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه عن أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن عقبة بن جعفر قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: قد بلغت ما بلغت وليس لك ولد. فقال: يا عقبة بن جعفر،إن صاحب هذا الأمر لا يموت حتى يرى ولده من بعده.

الحديث 31

185- عنه عن أبيه عن محمد بن عيسى عن الحسن بن علي الخزاز عن عمر بن أبان عن الحسن بن أبي حمزة عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام قال: يا با حمزة،إن الأرض لن تخلو إلا وفيها عالم منا. فإن زاد الناس قال قد زادوا،وإن نقصوا قال قد نقصوا. ولن يخرج الله ذلك العالم حتى يرى في ولده من يعلم مثل علمه أو ما شاء الله.

الحديث 32

186- وروى محمد بن يعقوب الكليني رفعه قال:قال أبو محمد عليه السلام حين ولد الحجة عليه السلام: زعم الظلمة أنهم يقتلونني ليقطعوا هذا النسل. فكيف رأوا قدرة الله. وسماه المؤمل.

الحديث 33

187- وروى سعد بن عبد الله عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري قال: كنت محبوسا مع أبي محمد عليه السلام في حبس المهتدي بن الواثق،فقال لي: يا أبا هاشم،إن هذا الطاغي أراد أن يعبث بالله في هذه الليلة. وقد بتر الله تعالى عمره، وقد جعله الله للقائم من بعده. ولم يكن لي ولد وسأرزق ولدا. قال أبو هاشم: فلما أصبحنا وطلعت الشمس شغب الأتراك المهتدي فقتلوه، وولي المعتمد مكانه وسلمنا الله.

الحديث 34

فأما من زعم أن الأمر قد اشتبه عليه فلا يدري هل لأبي محمد عليه السلام ولد أم لا، إلا أنهم متمسكون بالأول حتى يصح لهم الآخر،فقوله باطل بما دللنا عليه من صحة إمامة ابن الحسن وبما بينا من أن الأئمة اثنا عشر. ومع ذلك لا ينبغي التوقف بل يجب القطع على إمامة ولده،وبما قدمناه أيضا من أنه لا يمضي إمام حتى يولد له ويرى عقبه. ويؤكد ذلك ما رواه:

الحديث 35

188- محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه عن علي بن سليمان بن رشيد عن الحسن بن علي الخزاز قال: دخل علي بن أبي حمزة على أبي الحسن الرضا عليه السلام فقال له: أنت إمام؟قال: نعم. فقال له: إني سمعت جدك جعفر بن محمد عليه السلام يقول: لا يكون الإمام إلا وله عقب. فقال: أنسيت يا شيخ أو تناسيت؟ ليس هكذا قال جعفر عليه السلام. إنما قال جعفر عليه السلام: لا يكون الإمام إلا وله عقب، إلا الإمام الذي يخرج عليه الحسين بن علي عليه السلام فإنه لا عقب له. فقال له: صدقت،جعلت فداك. هكذا سمعت جدك يقول.

الحديث 36

وما دللنا عليه من أن الزمان لا يخلو من إمام عقلا وشرعا يفسد هذا القول أيضا.

الحديث 37

189- فأما تمسكهم بما روي تمسكوا بالأول حتى يصح لكم الآخر، فهو خبر واحد. ومع هذا فقد تأوله سعد بن عبد الله بتأويل قريب.

الحديث 38

قال: قوله تمسكوا بالأول حتى يظهر لكم الآخر هو دليل على إيجاب الخلف، لأنه يقتضي وجوب التمسك بالأول ولا يبحث عن أحوال الآخر إذا كان مستورا غائبا في تقية حتى يأذن الله في ظهوره ويكون الذي يظهر أمره ويشهر نفسه على أن القائلين بذلك قد انقرضوا، والحمد لله.

الحديث 39

وأما من قال بإمامة الحسن عليه السلام وقالوا: انقطعت الإمامة كما انقطعت النبوة، فقولهم باطل بما دللنا عليه من أن الزمان لا يخلو عن إمام عقلا وشرعا، وبما بيناه من أن الأئمة اثنا عشر. وسنبين صحة ولادة القائم عليه السلام بعده، فسقط قولهم من كل وجه، على أن هؤلاء قد انقرضوا بحمد الله.

الحديث 40

وقد بينا فساد قول الذاهبين إلى إمامة جعفر بن علي من الفطحية الذين قالوا بإمامة عبد الله بن جعفر لما مات الصادق عليه السلام، فلما مات عبد الله ولم يخلف ولدا رجعوا إلى القول بإمامة موسى بن جعفر ومن بعده إلى الحسن بن علي عليه السلام، فلما مات الحسن عليه السلام قالوا بإمامة جعفر. وقول هؤلاء يبطل من وجوه أفسدناها، ولأنه لا خلاف بين الإمامية أن الإمامة لا تجتمع في أخوين بعد الحسن والحسين وقد رووا في ذلك أخبارا كثيرة.

الحديث 41

190- منها ما رواه سعد بن عبد الله عن محمد بن الوليد الخزاز عن يونس بن يعقوب قال:سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أبى الله أن يجعل الإمامة لأخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام.

الحديث 42

191- عنه عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن سليمان بن جعفر عن حماد بن عيسى الجهني قال: قال أبوعبدالله عليه السلام: لا تجتمع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام. إنما هي في الأعقاب وأعقاب الأعقاب.

الحديث 43

192- وروى محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه عن محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس بن عبد الرحمن عن الحسين بن ثوير بن أبي فاختة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تعود الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين عليهماالسلام أبدا. إنها جرت من علي بن الحسين عليه السلام كما قال عز وجل: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والْمُهاجِرِينَ.﴾

الحديث 44

فلا تكون بعد علي بن الحسين عليه السلام إلا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب.

الحديث 45

ومنها أنه لا خلاف أنه لم يكن معصوما، وقد بينا أن من شرط الإمام أن يكون معصوما، وما ظهر من أفعاله ينافي العصمة.

الحديث 46

193- وقد روي أنه لما ولد لأبي الحسن عليه السلام جعفر هنئوه به فلم يروا به سرورا، فقيل له في ذلك فقال: هون عليك أمره سيضل خلقا كثيرا.

الحديث 47

194- وروى سعد بن عبد الله قال: حدثني جماعة منهم أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري والقاسم بن محمد العباسي ومحمد بن عبيد الله ومحمد بن إبراهيم العمري وغيرهم ممن كان حبس بسبب قتل عبد الله بن محمد العباسي أن أبا محمد عليه السلام وأخاه جعفرا دخلا عليهم ليلا، قالوا: كنا ليلة من الليالي جلوسا نتحدث إذ سمعنا حركة باب السجن فراعنا ذلك، وكان أبو هاشم عليلا، فقال لبعضنا: اطلع وانظر ما ترى. فاطلع إلى موضع الباب فإذا الباب فتح وإذا هو برجلين قد أدخلا إلى السجن ورد الباب وأقفل. فدنا منهما فقال: من أنتما؟ فقال أحدهما: نحن قوم من الطالبية، حبسنا. فقال: من أنتما؟ فقال: أنا الحسن بن علي وهذا جعفر بن علي. فقال لهما: جعلني الله فداكما، إن رأيتما أن تدخلا البيت. وبادر إلينا وإلى أبي هاشم فأعلمنا ودخلا. فلما نظر إليهما أبو هاشم قام عن مضربة كانت تحته، فقبل وجه أبي محمد عليه السلام وأجلسه عليها، وجلس جعفر قريبا منه،فقال جعفر: واشطناه! بأعلى صوته،يعني جارية له. فزجره أبو محمد عليه السلام وقال له: اسكت. وأنهم رأوا فيه آثار السكر وأن النوم غلبه وهو جالس معهم فنام على تلك الحال. وما روي فيه وله من الأفعال والأقوال الشنيعة أكثر من أن تحصى، ننزه كتابنا عن ذلك.

الحديث 48

فأما من قال إن للخلف ولدا وإن الأئمة ثلاثة عشر، فقولهم يفسد بما دللنا عليه من أن الأئمة عليهم السلام اثنا عشر. فهذا القول يجب إطراحه، على أن هذه الفرق كلها قد انقرضت بحمد الله ولم يبق قائل يقول بقولها، وذلك دليل على بطلان هذه الأقاويل.