179- وأخبرنا جماعة عن أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري رحمه الله قال: كنت في دهليز أبي علي محمد بن همام رحمه الله على دكة إذ مر بنا شيخ كبير عليه دراعة، فسلم على أبي علي بن همام فرد عليه السلام ومضى.فقال لي: أتدري من هو هذا؟ فقلت لا. فقال: هذا شاكري لسيدنا أبي محمد عليه السلام. أفتشتهي أن تسمع من أحاديثه عنه شيئا؟قلت: نعم. فقال لي: معك شيء تعطيه؟فقلت له: معي درهمان صحيحان. فقال: هما يكفيانه. فمضيت خلفه فلحقته فقلت له: أبو علي يقول لك تنشط للمصير إلينا. فقال: نعم. فجئنا إلى أبي علي بن همام فجلس إليه، فغمز بي أبو علي أن أسلم إليه الدرهمين، فسلمتها إليه. فقال لي: ما يحتاج إلى هذا؟ ثم أخذهما. فقال له أبو علي بن همام: يا با عبد الله محمد! حدثنا عن أبي محمد عليه السلام ما رأيت. فقال: كان أستاذي صالحا من بين العلويين لم أر قط مثله، وكان يركب بسرج صفته بزيون مسكي وأزرق. (قال) وكان يركب إلى دار الخلافة بسر من رأى في كل إثنين وخميس. (قال) وكان يوم النوبة يحضر من الناس شيء عظيم ويغص الشارع بالدواب والبغال والحمير والضجة فلا يكون لأحد موضع يمشي ولا يدخل بينهم.(قال) فإذا جاء أستاذي سكنت الضجة وهدأ صهيل الخيل ونهاق الحمير. (قال) وتفرقت البهائم حتى يصير الطريق واسعا لا يحتاج أن يتوقى من الدواب تحفه ليزحمها. ثم يدخل فيجلس في مرتبته التي جعلت له. فإذا أراد الخروج وصاح البوابون: هاتوا دابة أبي محمد، سكن صياح الناس وصهيل الخيل،فتفرقت الدواب حتى يركب ويمضي. وقال الشاكري: واستدعاه يوما الخليفة وشق ذلك عليه وخاف أن يكون قد سعى به إليه بعض من يحسده على مرتبته من العلويين والهاشميين، فركب ومضى إليه. فلما حصل في الدار قيل له: إن الخليفة قد قام. ولكن اجلس في مرتبتك أو انصرف. (قـال) فانصـرف وجـاء إلى سوق الدواب وفيها من الضجة والمصادمة واختلاف الناس شيء كثير. فلما دخل إليها سكن الناس وهدأت الدواب. (قال) وجلس إلى نخاس كان يشتري له الدواب. (قال) فجيء له بفرس كبوس لا يقدر أحد أن يدنو منه. (قال) فباعوه إياه بوكس، فقال لي: يا محمد،قم فاطرح السرج عليه. (قال) فقلت: إنه لا يقول لي ما يؤذيني. فحللت الحزام وطرحت السرج عليه،فهدأ ولم يتحرك. وجئت به لأمضي به، فجاء النخاس فقال لي: ليس يباع. فقال لي: سلمه إليهم. قال: فجاء النخاس ليأخذه، فالتفت إليه التفاتة ذهب منه منهزما. (قال) وركب ومضينا، فلحقنا النخاس فقال: صاحبه يقول أشفقت أن يرد،فإن كان قد علم ما فيه من الكبس فليشتره. فقال لي أستاذي: قد علمت. فقال: قد بعتك. فقال لي: خذه. فأخذته. (قال) فجئت به إلى الإصطبل،فما تحرك ولا آذاني ببركة أستاذي.فلما نزل جاء إليه وأخذ أذنه اليمنى فرقاه ثم أخذ أذنه اليسرى فرقاه. فوالله لقد كنت أطرح الشعير له فأفرقه بين يديه فلا يتحرك. هذا ببركة أستاذي. قال أبو محمد: قال أبو علي بن همام: هذا الفرس يقال له الصئول. (قال) يرجم بصاحبه حتى يرجم به الحيطان ويقوم على رجليه ويلطم صاحبه. قال محمد الشاكري: كان أستاذي أصلح من رأيت من العلويين والهاشميين. ما كان يشرب هذا النبيذ. كان يجلس في المحراب ويسجد فأنام وانتبه وأنام وهو ساجد، وكان قليل الأكل. كان يحضره التين والعنب والخوخ وما شاكله فيأكل منه الواحدة والثنتين ويقول: شل هذا يا محمد إلى صبيانك. فأقول: هذا كله؟ فيقول: خذه. ما رأيت قط أسدى منه. فهذه بعض دلائله، ولو استوفيناها لطال به الكتاب. وكان مع إمامته من أكرم الناس وأجودهم.