فإذا ثبت بطلان هذه الأقاويل كلها لم يبق إلا القول بإمامة ابن الحسن عليه السلام، وإلا لأدى إلى خروج الحق عن الأمة وذلك باطل. وإذا ثبتت إمامته بهذه السياقة ثم وجدناه غائبا عن الأبصار علمنا أنه لم يغب مع عصمته وتعين فرض الإمامة فيه وعليه إلا لسبب سوغه ذلك وضرورة ألجأته إليه وإن لم يعلم على وجه التفصيل.
فلسفة الغيبة وحكمتها
وجرى ذلك مجرى الكلام في إيلام الأطفال والبهائم وخلق المؤذيات والصور المشينات ومتشابه القرآن إذا سألنا عن وجهها بأن نقول: إذا علمنا أن الله تعالى حكيم لا يجوز أن يفعل ما ليس بحكمه ولا صواب علمنا أن هذه الأشياء لها وجه حكمة وإن لم نعلمه معينا. وكذلك نقول في صاحب الزمان عليه السلام، فإنا نعلم أنه لم يستتر إلا لأمر حكمي يسوغه ذلك وإن لم نعلمه مفصلا.
فإن قيل: نحن نعترض قولكم في إمامته بغيبته بأن نقول إذا لم يمكنكم بيان وجه حسنها دل ذلك على بطلان القول بإمامته، لأنه لو صح لأمكنكم بيان وجه الحسن فيه.
قلنا: إن لزمنا ذلك لزم جميع أهل العدل قول الملحدة إذا قالوا إنا نتوصل بهذه الأفعال التي ليست بظاهرة الحكمة إلى أن فاعلها ليس بحكيم،لأنه لو كان حكيما لأمكنكم بيان وجه الحكمة فيها وإلا فما الفصل.
فإذا قلتم: نتكلم أولا في إثبات حكمته فإذا ثبت بدليل منفصل ثم وجدنا هذه الأفعال المشتبهة الظاهر حملناها على ما يطابق ذلك فلا يؤدي إلى نقض ما علمنا ومتى لم يسلموا لنا حكمته انتقلت المسألة إلى الكلام في حكمته.
قلنا: مثل ذلك هاهنا من أن الكلام في غيبته فرع على إمامته، فإذا علمنا إمامته بدليل وعلمنا عصمته بدليل آخر وعلمناه غاب،حملنا غيبته على وجه يطابق عصمته فلا فرق بين الموضعين.
ثم يقال للمخالف في الغيبة: أتجوز أن يكون للغيبة سبب صحيح اقتضاها ووجه من الحكمة أوجبها أم لا تجوز ذلك؟فإن قال: يجوز ذلك.قيل له: فإذا كان ذلك جائزا فكيف جعلت وجود الغيبة دليلا على فقد الإمام في الزمان مع تجويزك لها سببا لا ينافي وجود الإمام؟ وهل يجري ذلك إلا مجرى من توصل بإيلام الأطفال إلى نفي حكمة الصانع تعالى وهو معترف بأنه يجوز أن يكون في إيلامهم وجه صحيح لا ينافي الحكمة؟ أو من توصل بظاهر الآيات المتشابهات إلى أنه تعالى مشبه للأجسام وخالق لأفعال العباد مع تجويزه أن يكون لها وجوه صحيحة توافق الحكمة والعدل والتوحيد ونفي التشبيه؟
وإن قال: لا أجوز ذلك، قيل: هذا تحجر شديد فيما لا يحاط بعلمه ولا يقطع على مثله، فمن أين قلت إن ذلك لا يجوز وانفصل ممن قال لا يجوز أن يكون للآيات المتشابهات وجوه صحيحة تطابق أدلة العقل ولا بد أن تكون على ظواهرها؟
ومتى قيل: نحن متمكنون من ذكر وجوه الآيات المتشابهات وأنتم لا تتمكنون من ذكر سبب صحيح للغيبة، قلنا: كلامنا على من يقول لا أحتاج إلى العلم بوجوه الآيات المتشابهات مفصلا بل يكفيني علم الجملة، ومتى تعاطيت ذلك كان تبرعا، وإن اقتنعتم لنفسكم بذلك فنحن أيضا نتمكن من ذكر وجه صحة الغيبة وغرض حكمي لا ينافي عصمته. وسنذكر ذلك فيما بعد، وقد تكلمنا عليه مستوفى في كتاب الإمامة.
ثم يقال: كيف يجوز أن يجتمع صحة إمامة ابن الحسن عليه السلام بما بيناه من سياقة الأصول العقلية مع القول بأن الغيبة لا يجوز أن يكون لها سبب صحيح؟ وهل هذا إلا تناقض ويجري مجرى القول بصحة التوحيد والعدل مع القطع على أنه لا يجوز أن يكون للآيات المتشابهات وجه يطابق هذه الأصول؟
ومتى قالوا: نحن لا نسلم إمامة ابن الحسن عليه السلام،كان الكلام معهم في ثبوت الإمامة دون الكلام في سبب الغيبة. وقد تقدمت الدلالة على إمامته عليه السلام بما لا يحتاج إلى إعادته. وإنما قلنا ذلك لأن الكلام في سبب غيبة الإمام عليه السلام فرع على ثبوت إمـامته، فأمـا قبل ثبوتها فلا وجه للكلام في سبب غيبته كما لا وجه للكلام في وجوه الآيات المتشابهات وإيلام الأطفال وحسن التعبد بالشرائع قبل ثبوت التوحيد والعدل.
فإن قيل: إلا كان السائل بالخيار بين الكلام في إمامة ابن الحسن عليه السلام ليعرف صحتها من فسادها وبين أن يتكلم في سبب الغيبة؟
قلنا: لا خيار في ذلك، لأن من شك في إمامة ابن الحسن عليه السلام يجب أن يكون الكلام معه في نص إمامته والتشاغل بالدلالة عليها، ولا يجوز مع الشك فيها أن نتكلم في سبب الغيبة لأن الكلام في الفروع لا يسوغ إلا بعد إحكام الأصول لها كما لا يجوز أن يتكلم في سبب إيلام الأطفال قبل ثبوت حكمة القديم تعالى وأنه لا يفعل القبيح، وإنما رجحنا الكلام في إمامته عليه السلام على الكلام في غيبته وسببها لأن الكلام في إمامته مبني على أمور عقلية لا يدخلها الاحتمال.
وسبب الغيبة ربما غمض واشتبه فصار الكلام في الواضح الجلي أولى من الكلام في المشتبه الغامض كما فعلناه مع المخالفين للملة فرجحنا الكلام في نبوة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم على الكلام على ادعائهم تأبيد شرعهم لظهور ذلك وغموض هذا وهذا بعينه موجود هاهنا ومتى عادوا إلى أن يقولوا الغيبة فيها وجه من وجوه القبح فقد مضى الكلام عليه على أن وجوه القبح معقولة وهي كونه ظلما أو كذبا أو عبثا أو جهلا أو استفسادا وكل ذلك ليس بحاصل هاهنا فيجب أن لا يدعى فيه وجه القبح.
فإن قيل: إلا منع الله الخلق من الوصول إليه وحال بينهم وبينه ليقوم بالأمر ويحصل ما هو لطف لنا كما نقول في النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ بعثه الله تعالى فإن الله تعالى يمنع منه ما لم يؤد فكان يجب أن يكون حكم الإمام مثله.
قلنا: المنع على ضربين: أحدهما لا ينافي التكليف بأن لا يلجأ إلى ترك القبيح، والآخر يؤدي إلى ذلك.فالأول قد فعله الله تعالى من حيث منع من ظلمه بالنهي عنه والحث على وجوب طاعته والانقياد لأمره ونهيه وأن لا يعصى في شيء من أوامره وأن يساعد على جميع ما يقوي أمـره ويشيد سلطانه فإن جميـع ذلك لا ينافي التكليـف فـإذا عصى من عصى في ذلك ولـم يفعل ما يتم معه الغرض المطلوب يكون قد أتى من قبل نفسه لا من قبل خالقه.والضرب الآخر أن يحول بينهم وبينه بالقهر والعجز عن ظلمه وعصيانه فذلك لا يصح اجتماعه مع التكليف فيجب أن يكون ساقطا.
فأما النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنما نقول: يجب أن يمنع الله منه حتى يؤدي الشرع لأنه لا يمكن أن يعلم ذلك إلا من جهته فلذلك وجب المنع منه. وليس كذلك الإمام، لأن علة المكلفين مزاحة فيما يتعلق بالشرع والأدلة منصوبة على ما يحتاجون إليه ولهم طريق إلى معرفتها من دون قوله، ولو فرضنا أنه ينتهي الحال إلى حد لا يعرف الحق من الشرعيات إلا بقوله لوجب أن يمنع الله تعالى منه ويظهره بحيث لا يوصل إليه مثل النبي صلى الله عليه وآله. ونظير مسألة الإمام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أدى ثم عرض فيما بعد ما يوجب خوفه لا يحب على الله تعالى المنع منه لأن علة المكلفين قد انزاحت بما أداه إليهم فلهم طريق إلى معرفة لطفهم.اللهم إلا أن يتعلق به أداء آخر في المستقبل فإنه يجب المنع منه كما يجب في الابتداء فقد سوينا بين النبي والإمام.
فإن قيل: بينوا، على كل حال، وإن لم يجب عليكم،وجه علة الاستتار وما يمكن أن يكون علة على وجه ليكون أظهر في الحجة وأبلغ في باب البرهان.
قلنا: مما يقطع على أنه سبب لغيبة الإمام هو خوفه على نفسه بالقتل بإخافة الظالمين إياه ومنعهم إياه من التصرف فيما جعل إليه التدبير والتصرف فيه. فإذا حيل بينه وبين مراده سقط فرض القيام بالإمامة. وإذا خاف على نفسه وجبت غيبته ولزم استتاره كما استتر النبي صلى الله عليه وآله وسلم تارة في الشعب وأخرى في الغار،ولا وجه لذلك إلا الخوف من المضار الواصلة إليه. وليس لأحد أن يقول إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما استتر عن قومه إلا بعد أدائه إليهم ما وجب عليه أداؤه ولم يتعلق بهم إليه حاجة وقولكم في الإمام بخلاف ذلك، وأيضا فإن استتار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما طال ولا تمادى،واستتار الإمام قد مضت عليه الدهور وانقرضت عليه العصور.
وذلك أنه ليس الأمر على ما قالوه، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما استتر في الشعب والغار بمكة قبل الهجرة وما كان أدى جميع الشريعة، فإن أكثر الأحكام ومعظم القرآن نزل بالمدينة فكيف أوجبتم أنه كان بعد الأداء؟ ولو كان الأمر على ما قالوه من تكامل الأداء قبل الاستتار لما كان ذلك رافعا للحاجة إلى تدبيره وسياسته وأمره ونهيه،فإن أحدا لا يقول إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أداء الشرع غير محتاج إليه ولا مفتقر إلى تدبيره ولا يقول ذلك معاند. وهو الجواب عن قول من قال إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يتعلق من مصلحتنا قد أداه وما يؤدي في المستقبل لم يكن في الحال مصلحة للخلق فجاز لذلك الاستتار وليس كذلك الإمام عندكم، لأن تصرفه في كل حال لطف للخلق فلا يجوز له الاستتار على وجه ووجب تقويته والمنع منه ليظهر ويزاح علة المكلف، لأنا قد بينا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه أدى المصلحة التي تعلقت بتلك الحال فلم يستغن عن أمره ونهيه وتدبيره بلا خلاف بين المحصلين، ومع هذا جاز له الاستتار فكذلك الإمام. على أن أمر الله تعالى له بالاستتار بالشعب تارة وفي الغار أخرى ضرب من المنع منه لأنه ليس كل المنع أن يحول بينهم وبينه بالعجز أو بتقويته بالملائكة، لأنه لا يمتنع أن يفرض في تقويته بذلك مفسدة في الدين، فلا يحسن من الله تعالى فعله، ولو كان خاليا من وجوه الفساد،وعلم الله تعالى أنه تقتضيه المصلحة لقواه بالملائكة وحال بينهم وبينه فلما لم يفعل ذلك مع ثبوت حكمته ووجوب إزاحة علة المكلفين علمنا أنه لم يتعلق به مصلحة بل مفسدة. وكذلك نقول في الإمام عليه السلام إن الله تعالى منع من قتله بأمره بالاستتار والغيبة، ولو علم أن المصلحة تتعلق بتقويته بالملائكة لفعل،فلما لم يفعل مع ثبوت حكمته ووجوه إزاحة علة المكلفين في التكليف علمنا أنه لم يتعلق به مصلحة بل ربما كان فيه مفسدة. بل الذي نقول إن في الجملة يجب على الله تعالى تقوية يد الإمام بما يتمكن معه من القيام ويبسط يده ويمكن ذلك بالملائكة وبالبشر، فإذا لم يفعله بالملائكة علمنا أنه لأجل أنه تعلق به مفسدة فوجب أن يكون متعلقا بالبشر،فإذا لم يفعلوه أتوا من قبل نفوسهم لا من قبله تعالى. فيبطل بهذا التحرير جميع ما يورد من هذا الجنس. وإذا جاز في النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يستتر مع الحاجة إليه لخوف الضرر وكانت التبعة في ذلك لازمة لمخيفية ومحوجية إلى الغيبة فكذلك غيبة الإمام عليه السلام سواء. فأما التفرقة بطول الغيبة وقصرها فغير صحيحة لأنه لا فرق في ذلك بين القصير المنقطع والطويل الممتد لأنه إذا لم يكن في الاستتار لائمة على المستتر إذا أحوج إليه بل اللائمة على من أحوجه إليها جاز أن يتطاول سبب الاستتار كما جاز أن يقصر زمانه.
فإن قيل: إذا كان الخوف أحوجه إلى الاستتار فقد كان آباؤه عليه السلام عندكم على تقية وخوف من أعدائهم فكيف لم يستتروا؟
قلنا: ما كان على آبائه عليهم السلام خوف من أعدائهم مع لزوم التقية والعدول عن التظاهر بالإمامة ونفيها عن نفوسهم، وإمام الزمان عليه السلام كل الخوف عليه لأنه يظهر بالسيف ويدعو إلى نفسه ويجاهد من خالفه عليه فأي نسبة بين خوفه من الأعداء وخوف آبائه عليهم السلام لو لا قلة التأمل. على أن آباءه عليهم السلام متى قتلوا أو ماتوا كان هناك من يقوم مقامهم ويسد مسدهم يصلح للإمامة من أولاده وصاحب الأمر عليه السلام بالعكس من ذلك،لأن من المعلوم أنه لا يقوم أحد مقامه ولا يسد مسده فبان الفرق بين الأمرين.