10 - وبهذا الإسناد عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبان، عن سليم بن قيس الهلالي قال: قلت لعلي: إنّي سمعتُ من سلمان ومن المقداد ومن أبي ذرّ أشياء من تفسير القرآن ومن الرواية عن رسول الله غيرَ ما في أيدي الناس ثم سمعتُ منك تصديقاً لما سمعت منهم، ورأيتُ في أيدى الناس أشياء كثيرةً من تفسير القرآن ومن الأحاديثِ عن رسول الله يخالفونهم فيها ويزعُمون أن ذلك كان كلّه باطلاً، أفَتُرى أنّهم يُكذّبون على رسول الله متعمّدين ويفسّرون القرآن بآرائهم؟ قال: فأقبلَ عليٌّ وقال: قد سألتَ فافهمِ الجوابَ: إنّ في أيدي الناس حقاً وباطلاً وصِدقاً وكذباً وناسخاً ومنسوخاً وخاصّاً وعامّاً ومُحكَماً ومتَشابهاً وحِفظاً ووَهماً، وقد كُذب على رسول الله على عهده حتى قام خطيباً فقال: أيّها الناس، قد كثُرتْ عليَّ الكذابةُ، فمَن كذب عليَّ متعمّداً فلْيتبوَّءْ مقعدَه من النارِ. ثم كُذبَ عليه مِن بعده. وإنما أتاك بالحديث أربعةٌ ليس لهم خامس: رجلٌ منافق مظهر للإيمان متصنّع للإسلام باللسان، لا يتأثّم ولا يتحرّج أن يكذبَ على رسول الله متعمداً، فلو علِم الناسُ أنه منافق كاذب ما قبِلوا منه ولم يصدقوه، ولكنّهم قالوا: هذا قد صحبَ رسولَ الله وقد رآه وسمع منه، وأخذوا عنه وهُم لا يعرفون حاله وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك ووصفهم بما وصفهم، فقال: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ ثم بقُوا بعد رسول الله وتقرّبوا إلى أئمة الضلال والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان حتى ولَّوهُم الأعمال وحملوهم على رقاب الناس وأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلاّ مَن عصم اللهُ ، فهذا أحد الأربعة. ورجلٌ سمع من رسول الله شيئاً ولم يحفظْه على وجهه فتوهّم فيه ولم يتعمّد كذباً فهو في يديه ويقول به ويعمل به ويرويه ويقول: أنا سمعته من رسول الله . فلو علِم المسلمون أنّه وهم فيه لم يقبلوا منه، ولو علم هو أنه وهمٌ لرفضه. ورجل ثالث سمع من رسول الله شيئاً أمرَ به ثم نهى عنه وهو لا يعلم أو سمعه ينهى عن شيء ثم أمرَ به وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخَ ولم يحفظ الناسخَ، ولو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم الناس إذا سمعوا منه أنه منسوخ لرفضوه. ورجل رابعٌ لم يكذب على الله ولا على رسوله بُغضاً للكذب وخوفاً من الله وتعظيماً لرسول الله ولم يسْهُ، بل حفظَ الحديثَ على وجهه فجاء به كما سمعه لم يزِد فيه ولم يُنقصْ منه، وحفظ الناسخَ والمنسوخ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ، وإن أمْرَ رسول الله ونهيَه مثلُ القرآن ناسخ ومنسوخ وعام وخاص ومحكم ومتشابه، قد كان يكون مِن رسول الله الكلام له وجهان: كلام عام وكلام خاص مثل القرآن، قال الله في كتابه مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ يسمعه مَن لا يعرف ولم يدرِ ما عنيَ الله ولا ما عنيَ به رسولُ الله . وليس كلُّ أصحابِ رسول الله كان يسأله عن الشيءَ فيفهم، وكان منهم مَن يسأله ولا يستفهم حتى أنهم كانوا ليُحبّون أن يجيء الأعرابيُّ أو الطاري فيسأل رسولَ الله حتى يسمعوا، وقد كنتُ أنا أدخل على رسولِ الله كل يوم دخلة وكل ليلة دخلة فيخليني فيها خلوةً أدور معه حيث دارَ وقد علِم أصحابُ رسول الله أنه لم يكن يصنع ذلك بأحدٍ من الناس غيري، فربما كان ذلك في بيتي، يأتيني رسول الله أكثر من ذلك في بيتي، وكنتُ إذا دخلت عليه بعضَ منازله أخلاني وأقام عنّي نساءَه، فلا يبقى عنده غيري. وإذا أتاني للخلوةِ معي في منْزلي لم تقُم عني فاطمةُ ولا أحدٌ من ابنيَّ وكنتُ إذا ابتدأتُ أجابني وإذا سكتُّ عنه وفنِيت مسائلي ابتدأني ودعا الله أن يحفظني ويفهمني، فما نسيتُ شيئاً قط مذ دعا لي، وإني قلتُ لرسول الله: يا نبيَّ الله إنك منذ دعوتَ الله لي بما دعوتَ لم أنْسَ ممّا علمتني شيئاً وما تُمليه عليَّ فلِم تأمرني بكتبه أتتخوف عليّ النسيان؟ فقال: يا أخي لست أتخوّف عليك النسيانَ ولا الجهل، وقد أخبرني الله أنه قد استجاب لي فيك وفي شُركائِك الذين يكونون مِن بعدك، وإنما تكتبه لهم. قلتُ: يا رسول الله ومَن شركائي؟ قال: الذين قرنهم الله بنفسه وبي، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا {59} فإنْ خِفتم تنازعاً في شيء فأرجِعوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم، فقلت: يا نبي الله ومَن هم؟ قال: الأوصياءُ إلى أن يرِدوا عليَّ حوضي، كلُّهم هادٍ مُهتدٍ، لا يضرُّهم خذلانُ مَن خذلهم، هم مع القرآن والقرآنُ معهم لا يفارقونه ولا يفارقهم، بهم تُنصر أمّتي ويُمطرون، ويُدفع عنهم بعظائم دعواتهم. قلتُ: يا رسول الله سمِّهم لي، فقال: ابني هذا - ووضع يدَه على رأس الحسن - ثم ابني هذا - ووضع يدَه على رأس الحسين -، ثم ابنٌ له على اسمِك يا عليّ، ثم ابنٌ له محمّد بن علي. ثمّ أقبل على الحسين وقال: سيولد محمّد بن علي في حياتك فأقرِئه مني السلام، ثم تكمله اثني عشر إماماً. قلت: يا نبيّ الله سمِّهم لي، فسمّاهم رجلاً رجلاً. منهم، واللهِ يا أخا بني هلال، مهديُّ هذه الأمّةِ الذي يملأُ الأرضَ قسطاً وعدلاً كما مُلئتْ ظلماً وجوراً.