6 - حَدَّثَنا تَمِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ تَمِيمٍ القُرَشِيُ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: حَدَّثَني أَبي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِىٍّ الأَنْصارِيِّ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ جَعْفَرٍ البَصَرِيِّ، عَنْ عُمَرَ [وَ] بْنِ واقِدٍ قالَ: إِنَّ هارُونَ الرَّشِيدِ لَمّا ضاقَ صَدْرُهُ مِمَّا كانَ يُظْهَرُ لَهُ مِنْ فَضْلِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ وَما كانَ يَبْلُغُهُ مِنْ قَوْلِ الشِّيعَةِ بِإِمامَتِهِ وَاخْتِلافِهِمْ فِي السِّرِّ إِلَيْهِ بِاللَّيلِ وَالنَّهارِ، خَشِيَهُ عَلَى نَفْسَهُ وَمُلْكِهِ، فَفَكَّرَ فِي قَتْلِهِ بِالسَّمِّ، فَدَعا بِرُطَبٍ وَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ أَخَذَ صِينيَّةً فَوَضَعَ عَلَيْها عِشْرِينَ رُطَبَةً وَأَخَذَ سِلْكاً فَعَرَكَهُ فِي السُّمِّ وَأَدْخَلْهُ فِي سَمِّ الخِياطِ، فَأَخذ رُطَبَةً مِنْ ذلِكَ الرُّطَبِ فَأَقْبَلَ يُرَدِّدُ إِلَيْها ذلِكَ السُّمِّ بِذلِكَ الخَيْطِ حَتّى قَدْ عِلْمَ أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ السُّمِّ فِيها، فَاسْتَكْثَرَ مِنْهُ ثُمَّ رَدَّها فِي ذلِكَ الرُّطَبِ، وَقالَ لِخادِمٍ لَهُ: احْمِلْ هذِهِ الصَّيْنيَّةَ إِلى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، وَقُلْ لَهُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ أَكَلَ مِنْ هذا الرُّطَبِ وَتَنَغَّصَ لَكَ بِهِ، وَهُوَ يُقْسِمُ عَلَيْكَ بِحَقِّهِ لَمّا أَكَلْتَها عَنْ آخِرَ رُطَبَةً، فَإِنِّي اخْتَرْتُها لَكَ بِيَدِي، وَلا تُتْرِكْهُ يَبْقِي مِنْها شَيْئاً، وَلا تُطْعِمْ مِنْهُ أَحَداً، فَأَتاهُ بِها الخادِمُ وَأَبْلَغَهُ الرِّسالَة فَقالَ: ايْتِنِي بِخِلالٍ، فَناوِلْهُ خِلالاً، وَقامَ بِإِزائِهِ وَهُوَ يَأْكُلُ مِنَ الرُّطَبِ وَكانَتْ لِلرَّشِيدِ كَلْبَةٌ تَعُزُّ عَلَيْهِ، فَجَذَبَــتْنَفْسَها وَخَرَجَتْ تَجُرُّ سَلاسِلَها مِنْ ذَهَبٍ وَجَوْهَرٍ حَتّى حاذَتْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ فَبادِرَ بِالْخِلالِ إِلى الرُّطَبَةِ المَسْمُومَةِ وَرَمى بِها إِلى الكَلْبَةِ، فَأَكَلَتْها، فَلَمْ تَلْبَثْ أَنْ ضَرَبَتْ بِنَفْسِها الأَرْضَ وَعَوَتْ وَتَهَرَّتْ قِطْعَةً قِطْعَةً.وَاسْتَوْفى عَلَيْهِ السَّلامُ باقي الرُّطَبِ وَحَمَلَ الغُلامُ الصَّيْنيَّةَ حَتّى صارَ بِها إِلى الرَّشِيدِ فَقالَ لَهُ: قَدْ أَكَلَ الرُّطَبَ عَنْ آخِرهِ؟ قالَ: نَعَمْ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنين، قالَ: فَكَيْفَ رَأَيْتَهُ؟ قالَ ما أَنْكَرْتُ مِنْهُ شَيْئاً يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ قالَ: ثُمَّ وَرَدَ عَلَيْهِ خَبَرُ الكَلْبَةِ بِأَنّها قَدْ تَهَرَّاتْ وَماتَتْ، فَقَلِقَ الرَّشِيدُ لِذلِكَ قَلَقاً شَدِيداً وَاسْتَعْظَمَهُ وَوَقَفَ عَلَى الكَلْبَةِ فَوَجَدَها مُتَهَرَّئَةً بِالسُّمِّ فَأَحْضَرَ الخادِمَ وَدَعا بِسَيفٍ نَطْعٍ، وَقالَ لَهُ: لِتَصْدُقُني عَنْ خَبَرِ الرُّطَبَةِ أَوْ لَأَقْتُلَنَّكَ، فَقالَ لَهُ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ، إِنّي حَمَلْتُ الرُّطَبِ إِلى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَأَبْلَغْتُهُ سَلامَكَ، وَقُمْتُ بِإِزائِهِ وَطَلَبَ مِنِّي خِلالاً، فَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِ فَأَقْبَلَ يَغْرِزُ فِي الرُّطَبَةِ بَعْدَ الرُّطَبَةِ وَيَأْكُلُها حَتّى مَرَّتِ الكَلْبَةِ فَعَرَزَ الخِلالَ رُطَبَةٍ مِنْ ذلِكَ الرُّطَبِ فَرَمى بِها فَأَكَلَتْها الكَلْبَةُ وَأَكَلَ هُوَباقي الرُّطَبِ، فَكانَ ما تَرى يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ.فَقالَ الرَّشِيدُ: ما رَبِحْنا مِنْ مُوسَى إِلاّ أَنَا أَطْعَمْناهُ جَيِّدَ الرُّطَبِ وَضَيَّعْنا سُمَّنا، وَقُتِلَ كَلْبَتُنا، ما فِي مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ حِيلَةٌ؟!قالَ: ثُمَّ إِنَّ سَيِّدَنا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ دَعا بِالمُسَيِّبِ وَذلِكَ قَبْلَ وَفاتِهِ بِثَلاثَةِ أيَّامٍ وَكانَ مُوَكِّلاً بِهِ فَقالَ لَهُ: يا مُسَيِّبُ، قالَ: لَبَّيْك يا مَوْلايَ، قالَ: إِنّي ظاعِنٌ في هذِهِ اللَّيْلَةِ إِلى المَدِينَة مَدِينَةِ جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لأَعْهَدَ إِلى عَلِيٍّ اِبْنِي ما عَهِدَهُ إِلَىَّ أَبي وَأَجْعَلَهُ وَصِيِّي وَخَلِيفَتِي، وَآمِرَهُ أَمْرِي، قالَ المُسَيِّبُ: فَقُلْتُ: يا مَوْلاي تَأْمُرُني أَنْ أَفْتَحَ لَكَ الأَبْوابَ وَأَقْفالَها، وَالحُرْسُ مَعِي عَلَى الأَبْوابِ؟! فَقالَ: يا مُسَيِّبُ ضَعُفَ يَقِينُكَ في اللَّهِ عَـزَّوَجَلَّ فِينا، فَقُلْتُ: لا يا سَيِّدي، قالَ: فَمَهُ، قُلْتُ: يا سَيِّدي اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يُثَبِّتَنِي، فَقالَ: اَللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، ثُمَّ قالَ: إِنّي أَدْعُو اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِاِسْمِهِ العَظِيمِ الَّذِي دَعا آصِفُ حَتّى جاءَ بِسَريرِ بِلْقِيْسِ وَوَضَعَهُ بَيْنِ يَدِي سُلَيْمانَ قَبْلُ ارْتدادِ طَرْفِهِ إِلَيْهِ حَتّى يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنِ اِبْنِي عَلِيٍّ بِالْمَدِينَةِ، قالَ المُسَيِّبِ: فَسَمِعْتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَدْعُو، فَفَقَدْتُهُ عَنْ مُصْلاَّهُ، فَلَمْ أَزَلْ قائِماً عَلَى قَدَمي رَأَيْتُهُ قَدْ عادَ إِلى مكانِهِ وَأَعادَ الحَدِيدَ إِلى رِجْلَيْهِ فَخَرَرَتُ لِلَّهِ ساجِداً لِوَجْهي شُكْراً عَلَى ما أَنْعَمَ بِهِ عَلِيِّ من مَعْرِفَتِهِ، فَقالَ لي: ارْفَع رَأسَكَ يا مُسَيِّبُ وَاعْلَمْ إِنِّي راحِلٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي ثالِثِ هذا الْيَوْمِ.قالَ: فَبَكَيْتُ، فَقالَ لي: لا تَبْكِ يا مُسَيِّبُ فَإِنَّ عَلِيّاً اِبْنِي هُوَإِمامُكَ وَمَوْلاكَ بَعْدي فَاسْتَمْسِكَ بِوِلايَتِهِ فَإِنَّكَ لَنْ تَضِلَّ ما لَزِمْتَهُ فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ.قالَ: ثُمَّ إِنَّ سَيِّدي عَلَيْهِ السَّلامُ دَعانِي في لَيْلَةِ الْيَوْمَ الثَّالِثِ فَقالَ لي: إِنّي عَلَى ما عَرَفْتُكَ مِنَ الرَّحِيلِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذا دَعَوْتُ بِشَرْبَةٍ مِنْ ماءٍ فَشَرِبْتُها وَرَأَيْتَني قَدِ انْتَفَخْتُ وَارْتَفَعَ بَطْني وَاصْفَرَّ لَوْنِي وَاَحْمَرَّ وَاخْضَرَّ وَتَلَوَّنَ اَلْواناً فَخَبَّر الطَّاغِيَةَ بِوَفاتِي، فَإِذا رَأَيْتَ بي هذا الحَدَثَ فَإِيَّاكَ أَن تُظهِرَ عَلَيْهِ أَحَداً وَلا عَلَى مَن عِنْدِي إِلاّ بَعْدَ وَفاتي، قالَ المُسَيِّبُ بْنِ زُهَيْرٍ: فَلَمْ أَزَل أُرَقِّبُ وَعدَهُ حَتّى دَعا عَلَيْهِ السَّلامُ بِالشَّربَةِ فَشَرِبَها، ثُمَّ دَعانِي فَقالَ لي: يا مُسَيِّبُ إِنَّ هذَا الرِّجْسَ السَّنْدِيِّ بْنِ شاهَكَ سَيَزعُمُ أَنَّهُ يَتَوَلَّى غُسْلِي وَدَفني هَيْهاتَ هَيْهاتَ أَنْ يَكُونَ ذلِكَ أَبَداً! فَإِذا حَمِلْتُ إِلى المَقْبَرَةِ المَعْرُوفَةِ بِمَقابِرِ قُرَيْشٍ فَأَلحِدُونِي بِها، وَلا تَرفَعُوا قَبْرِي فَوْقَ أَرْبَعَ أَصابِعٍ مُفَرَّجات، وَلا تَأخُذُوا مِن تُرْبَتي شَيْئاً لِتَتَبَرَّكُوا بِهِ، فَإِنَّ كُلَّ تُربَةٍ لَنا مُحَرَّمَةٌ إِلاَّ تُربَةَ جَدِّي الحُسَيْنِ بْنِ عَلِىٍعَلَيْهِمَا السَّلاَمُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَها شِفاءٍ لِشِيعَتِنا وَأَوْلِيائَنا.قالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ شَخصاً أَشْبَهَ الأَشخاصِ بِهِ جالِساً إِلى جانِبِهِ وَكانَ عَهْدِي بِسَيِّدِي الرِّضا عَلَيْهِ السَّلامُ وَهُوَغُلامٌ، فَأَرَدتُ سُؤالَهُ فَصاحَ بي سَيِّدي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَيتُكَ يا مُسَيِّبُ؟! فَلَمْ أَزَل صابِراً حَتّى مَضى وَغابَ الشَّخصُ، ثُمَّ اُنهِيتُ الخَبَرَ إِلى الرَّشِيدِ فَوافَى السَّنْدِيِّ بْنِ شاهَكَ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيتُهُم بِعَينِي هُم يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يُغَسِّلُونَهُ فَلا تَصِلُ أَيْدِيهِم إِلَيْهِ، وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يُحَنِّطُونَهُ وَيُكَفِّنُونَهُ، وَأَراهُم لا يَصنَعُونَ بِهِ شَيْئاً، وَرَأَيْتُ ذلِكَ الشَّخصَ يَتَوَلّى غُسْلَهُ وَتَحْنِيَطَهُ وَتَكفِينَهُ وَهُوَيُظْهِرُ المُعاوِنَةَ وَهُم يَعرِفُونَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِن أَمْرِهِ، قالَ لي ذلِكَ الشَّخصُ: يا مُسَيِّبُ مَهما شَكَكْتَ فِيهِ فَلا تَشُكَّنَّ في، فَإِنِّي إِمامُكَ وَمَوْلاكَ وَحُجَّةَ اللَّهِ عَلَيْكَ بَعْدَ أَبي عَلَيْهِ السَّلامُ، يا مُسَيِّبُ مَثَلي مَثَلُ يُوسُفَ الصَّدِّيق عَلَيْهِ السَّلامُ وَمَثَلُهُمْ مَثَلُ إِخْوَتِهِ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُم وَهُم لَهُ مُنْكِرُونَ.ثُمَّ حُمِلَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى دُفِنَ مَقابِر قُرَيْشٍ وَلَمْ يَرَفع قَبْرُهُ أَكْثَرُ مِمَّا أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ رَفَعُوا قَبْرَهُ بَعْد ذلِكَ وَبَنُوا عَلَيْهِ.