وأما غيبة يوسف عليه السلام فإنها كانت عشرين سنة لم يدهن فيها ولم يكتحل ولم يتطيب لم يمس النساء حتى جمع الله ليعقوب شمله وجمع بين يوسف وإخوته وأبيه وخالته، كان منها ثلاثة أيام في الجب، وفى السجن بضع سنين، وفي الملك باقي سنية. وكان هو بمصر ويعقوب بفلسطين، وكان بينهما مسيرة تسعة أيام فاختلفت عليه الأحوال في غيبته من إجماع إخوته على قتله ثم إلقائهم إياه في غيابت الجب، ثم بيعهم إياه بثمن بخس دراهم معدودة، ثم بلواه بفتنة امرأة العزيز، ثم بالسجن بضع سنين، ثم صار إليه بعد ذلك ملك مصر، وجمع الله - تعالى ذكره - شمله وأراده تأويل رؤياه.
في غيبة يوسف عليه السلام
حدثنا محمد بن علي ماجيلويه - رضي الله عنه - قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن محمد بن أورمة، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن الحسن الواسطي، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قدم أعرابي على يوسف ليشتري منه طعاما فباعه، فلما فرغ قال له يوسف: أين منزلك؟ قال له: بموضع كذا وكذا: فقال له: فإذا مررت بوادي كذا وكذا فقف فناد: يا يعقوب! يا يعقوب! فإنه سيخرج إليك رجل عظيم جميل جسيم وسيم، فقل له: لقيت رجلا بمصر وهو يقرئك السلام ويقول لك: إن وديعتك عند الله عز وجل لن تضيع، قال: فمضى الاعرابي حتى انتهى إلى الموضع فقال لغلمانه: احفظوا على الإبل ثم نادي: يا يعقوب! يا يعقوب! فخرج إليه رجل أعمى طويل جسيم جميل يتقى الحائط بيده حتى أقبل فقال له الرجل: أنت يعقوب؟ قال: نعم فأبلغه ما قال له يوسف قال: فسقط مغشيا عليه، ثم أفاق فقال: يا أعرابي ألك حاجة إلى الله عز وجل؟ فقال له:نعم إني رجل كثير المال ولي ابنة عم ليس يولد لي منها وأحب أن تدعو الله أن ير زقني ولدا، قال: فتوضأ يعقوب وصلى ركعتين ثم عا الله عز وجل، فرزق أربعة أبطن أو قال ستة أبطن في كل بطن اثنان. فكان يعقوب عليه السلام يعلم أن يوسف عليه السلام حي لم يمت وأن الله - تعالى ذكره - سيظهره له بعد غيبته وكان يقول لبنيه: " إني أعلم من الله ما لا تعلمون " وكان أهله وأقرباؤه يفندونه على ذكره ليوسف حتى أنه لما وجد ريح يوسف قال: " إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون * قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم * فلما أن جاء البشير (وهو يهودا ابنه وألقى قميص يوسف) على وجهه فارتد بصيرا * قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله مالا تعلمون "
حدثنا محمد بن علي ماجيلويه - رضي الله عنه - قال: حدثنا محمد بن - يحيى العطار قال: حدثنا الحسين بن الحسن بن أبان، عن محمد بن أورمة، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي إسماعيل السراج، عن بشر بن جعفر، عن المفضل - الجعفي أظنه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: أرتدي ما كان قميص يوسف عليه السلام؟ قلت: لا قال: إن إبراهيم عليه السلام لما أوقدت له النار أتاه جبرئيل عليه السلام بثوب من ثياب الجنة وألبسه إياه فلم يضره معه حر ولا برد، فلما حضر إبراهيم الموت جعله في تميمة وعلقه إسحاق، وعلقه إسحاق على يعقوب، فلما ولد ليعقوب يوسف علقه عليه، وكان في عضده حتى كان من أمره ما كان، فلما أخرج يوسف القميص من التميمة، وجد يعقوب ريحه، وهو قوله: إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون " فهو ذلك القميص الذي انزل من الجنة، قال: قلت: جعلت فداك فإلى من صار ذلك القميص؟ قال: إلى أهله ثم قال: كل نبي ورث علما أو غيره فقد انتهي إلى (آل) محمد صلى الله عليه وآله. فروي " أن القائم عليه السلام إذا خرج يكون عليه قميص يوسف، ومعه عصا موسى، وخاتم سليمان عليهم السلام ".
والدليل على أن يعقوب عليه السلام علم بحياة يوسف عليه السلام وأنه إنما غيب عنه لبلوى واختبار: أنه لما رجع إليه بنوه يبكون قال لهم: يا بني لم تبكون وتدعون بالويل؟ ومالي ما أري فيكم حبيبي يوسف؟ " قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين "هذا قميصه قد أتيناك به، قال: ألقوه إلى، فألقوه إليه وألقاه على وجهه فخر مغشيا عليه، فما أفاق قال لهم: يا بنى ألستم تزعمون أن الذئب قد أكل حبيبي يوسف؟ قالوا: نعم، قال: ما لي لا أشم ريح لحمه؟! ومالي أري قميصه صحيحا؟ هبوا أن القميص انكشف من أسفله أرأيتم ما كان في منكبيه وعنقه كيف خلص إليه الذئب من غير أن يخرقه، إن هذا الذئب لمكذوب عليه، وإن ابني لمظلوم " بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون " وتولى عنهم ليلتهم تلك لا يكلمهم وأقبل يرثي يوسف ويقول: حبيبي يوسف الذي أوثره جميع أولادي فاختلس منى حبيبي يوسف الذي كنت أرجوه من بين أولادي فاختلس منى، حبيبي يوسف الذي أوسده يميني وأدثره بشمالي فاختلس منى، حبيبي يوسف الذي كنت أونس به وحدتي فاختلس منى، حبيبي يوسف ليت شعري في أي الجبال طرحوك، أم في أي البحار غرقوك، حبيبي يوسف ليتني كنت معك فيصيبني الذي أصابك. ومن الدليل على أن يعقوب عليه السلام علم بحياة يوسف عليه السلام وأنه في الغيبة قوله: " عسى الله أن يأتيني بهم جمعيا " وقوله لبنيه " يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون " . وقال الصادق عليه السلام: إن يعقوب عليه السلام قال لملك الموت: أخبرني عن الأرواح تقبضها مجتمعة أو متفرقة؟ قال: بل متفرقة قال: فهل قبضت روح يوسف في جملة ما قبضت من الأرواح؟ قال: لا، فعند ذلك قال لبنيه: " يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه " فحال العارفين في وقتنا هذا بصاحب زماننا الغائب عليه السلام حال يعقوب عليه السلام في معرفته بيوسف وغيبته وحال الجاهلين به وبغيبته والمعاندين في أمره حال أهله وأقربائه الذين بلغ من جهلهم بأمر يوسف وغيبته حتى قالوا لأبيهم يعقوب: " تالله إنك لفي ضلالك القديم ". وقول يعقوب - لما ألقى البشير قميص يوسف على وجهه فارتد بصيرا -: وقول يعقوب - لما ألقى البشير قميص يوسف على وجهه فارتد بصيرا :" ألم أقل لكم إني أعلم من الله مالا تعلمون " دليل على أنه قد كان علم أن يوسف حي وأنه إنما غيب عنه للبلوي والامتحان.
حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن - رضي الله عنهما - قالا: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن هلال، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن فضالة بن أيوب، عن سدير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن في القائم سنة من يوسف، قلت كأنك تذكر خبره أو غيبته؟ فقال لي: وما تنكر هذه الأمة أشباه الخنازير أن إخوة يوسف كانوا أسباطا أولاد أنبياء تاجروا يوسف وبايعوه وهم إخوته وهو أخو هم فلم يعرفوه حتى قال لهم: " أنا يوسف وهذا أخي " فما تنكر هذه الأمة أن يكون الله عز وجل في وقت من الأوقات يريد أن يستر حجته عنهم لقد كان يوسف يوما ملك مصر وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوما فلو أراد الله تبارك وتعالى أن يعرفه مكانه لقدر على ذلك والله لقد سار يعقوب وولده عند البشارة في تسعة إيام إلى مصر، فما تنكر هذه الأمة أن يكون الله عز وجل يفعل بحجته ما فعل بيوسف أن يكون يسير فيما بينهم ويمشي في أسواقهم ويطأ بسطهم وهم لا يعرفونه حتى يأذن الله عز وجل له أن يعرفهم نفسه كما أذن ليوسف عليه السلام حين قال لهم: " هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون * قالوا إنك لأنت يوسف * قال أنا يوسف وهذا أخي".