في غيبة إبراهيم (عليه السلام)

كمال الدين وتمام النعمة|المجلّد 1|الكتاب 2|الباب 4

كمال الدين وتمام النعمة

الكتاب 2, الباب 4

في غيبة إبراهيم (عليه السلام)
حديثان · شرحان
الشرح 1

وأما غيبة إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه فإنها تشبه غيبة قائمنا صلوات الله عليه بل هي أعجب منها لان الله عز وجل غيب أثر إبراهيم  عليه السلام وهو في بطن أمه حتى حوله عز وجل بقدرته من بطنها إلى ظهرها، ثم أخفى أمر ولادته إلى وقت بلوغ الكتاب أجله.

الحديث 2

حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن - رضي الله عنهما - قالا: حدثنا سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أبو إبراهيم عليه السلام منجما لنمرود بن كنعان، وكان نمرود لا يصدر إلا عن رأيه. فنظر في النجوم ليلة من الليالي، فلما أصبح قال: لقد رأيت في ليلتي هذه عجبا. فقال له نمرود: وما هو؟ فقال: رأيت مولودا يولد في أرضنا هذه، فيكون هلاكنا على يديه، ولا يلبث إلا قليلا حتى يُحمل به. فعجب نمرود من ذلك، وقال له: هل حملت به النساء؟ فقال: لا. وكان مما أوتي من العلم أنه سيُحرق بالنار، ولم يُؤتَ أنه سينجو منها، فحجب النساء عن الرجال، ولم يُترك امرأة إلا جُعلت في المدينة حتى لا يصل إليهن الرجال. ووقع أبو إبراهيم على امرأته، فحملت به، وظن أنه المولود المعني، فأرسل إلى نساء من القوابل لا يكون في البطن شيء إلا علمن به، فنظرن إلى أم إبراهيم، فألزم الله ما في الرحم الظهر، فقلن: ما نرى شيئًا في بطنها. فلما وضعت أم إبراهيم به، أراد أبوه أن يذهب به إلى نمرود، فقالت له امرأته: لا تذهب بابنك إلى نمرود فيقتله، دعني أذهب به إلى بعض الغيران فأجعله فيه حتى يأتي عليه أجله، ولا تكون أنت قاتل ابنك. فقال لها: فاذهبي به، فذهبت به إلى غار، ثم أرضعته، ثم جعلت على باب الغار صخرة، ثم انصرفت عنه. فجعل الله عز وجل رزقه في إبهامه، فكان يمصها فيشرب لبنا، وكان يشب في اليوم كما يشب غيره في الأسبوع، ويشب في الأسبوع كما يشب غيره في الشهر، ويشب في الشهر كما يشب غيره في السنة. فمكث ما شاء الله أن يمكث. ثم قالت أمه لأبيه: لو أذنت لي حتى أذهب إلى ذلك الصبي فأراه لفعلت. قال: فافعلي. فذهبت إلى الغار، فإذا هي بإبراهيم عليه السلام، وإذا عيناه تزهران كأنهما سراجان. فأخذته وضمته إلى صدرها وأرضعته، ثم انصرفت عنه. فسألها أبوه عن الصبي، فقالت له: قد واريته في التراب. فمكثت تعتل وتخرج في الحاجة وتذهب إلى إبراهيم عليه السلام، فتضمه إليها وتُرضعه، ثم تنصرف. فلما تحرك أتته أمه كما كانت تأتيه وصنعت كما كانت تصنع، فلما أرادت الانصراف أخذ بثوبها، فقالت له: ما لك؟ فقال: اذهبي بي معك. فقالت: حتى أستأمر أباك.

الشرح 2

فلم يزل إبراهيم عليه السلام في الغيبة، مخفيا لشخصه، كاتما لأمره، حتى ظهر فصدع بأمر الله تعالى، وأظهر الله قدرته فيه.  ثم غاب عليه السلام الغيبة الثانية، وذلك حين نفاه الطاغوت عن مصر، فقال: "وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا". قال الله عز وجل: "فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب، وكلا جعلنا نبيا، ووهبنا لهم من رحمتنا، وجعلنا لهم لسان صدق عليا".  يعني به علي بن أبي طالب  عليه السلام لان إبراهيم قد كان دعا الله عز وجل أن يجعل له لسان صدق في الآخرين فجعل الله تبارك وتعالى له ولإسحاق ويعقوب لسان صدق عليا فأخبر علي  عليه السلام بأن القائم هو الحادي عشر  ولده وأنه المهدي الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، وأنه تكون له غيبة وحيرة يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون، وأن هذا كائن كما أنه مخلوق. وأخبر  عليه السلام في حديث كميل ابن زياد النخعي " أن الأرض لا تخلو ا من قائم بحجة إما ظاهر مشهور أو خاف مغمور لئلا تبطل حجج الله وبيناته " وقد أخرجت هذين الخبرين في هذا الكتاب بإسنادهما في باب ما أخبر به أمير المؤمنين  عليه السلام من وقوع الغيبة وكررت ذكرهما للاحتياج إليه على أثر ما ذكرت من قصة إبراهيم  عليه السلام. ولإبراهيم  عليه السلام غيبة أخرى سار فيها في البلاد وحده للاعتبار.

الحديث 3

حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن - رضي الله عنهما - قالا: حدثنا سعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر الحميري جميعا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: خرج إبراهيم عليه السلام ذات يوم يسير في البلاد ليعتبر، فمر بفلاة من الأرض، فإذا هو برجل قائم يصلي قد ارتفع صوته إلى السماء، ولباسه من شعر، فوقف عليه إبراهيم عليه السلام فعجب منه، وجلس ينتظر فراغه، فلما طال عليه ذلك حرّكه بيده وقال له: إن لي حاجة فخفف. فخفف الرجل وجلس، فقال له إبراهيم عليه السلام: لمن تصلي؟ فقال: لإله إبراهيم. قال: ومن إله إبراهيم؟ قال: الذي خلقك وخلقني. فقال له إبراهيم: لقد أعجبني حالك، وأنا أحب أن أكون أخاك في الله عز وجل، فأين منزلك إذا أردت زيارتك ولقاءك؟ فقال له الرجل: منزلي خلف هذه النقطة – وأشار بيده إلى البحر – وأما مصلاي فهذا الموضع، تصيبني فيه إذا أردتني إن شاء الله. ثم قال الرجل لإبراهيم: ألك حاجة؟ قال: نعم. قال: وما هي؟ قال: تدعو الله وأؤمن أنا على دعائك، أو أدعو أنا وتؤمن أنت على دعائي؟ فقال له الرجل: وفيما ندعو الله؟ قال إبراهيم: للمذنبين من المؤمنين. قال الرجل: لا. قال إبراهيم: ولم؟ قال: لأني دعوت الله منذ ثلاث سنين بدعوة، ولم أرَ إجابتها إلى الآن، وأنا أستحيي من الله عز وجل أن أدعوه بدعوة حتى أعلم أنه قد أجابني. فقال له إبراهيم: وفيما دعوته؟ قال الرجل: إني كنت في مصلاي هذا ذات يوم، فمر بي غلام أروع، النور يطلع من جبهته، له ذؤابة من خلفه، ومعه بقر يسوقها كأنها مدهونة بالدهن، وغنم يسوقها كأنها قد غُمست غمسا. قال: فأعجبني ما رأيت منه، فقلت: يا غلام، لمن هذه البقر والغنم؟ فقال: لي. فقلت: ومن أنت؟ فقال: أنا إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن عز وجل. فدعوت الله عز وجل في ذلك الوقت وسألته أن يريني خليله.   فقال له إبراهيم عليه السلام: فأنا إبراهيم خليل الرحمن، وذلك الغلام ابني. فقال الرجل عند ذلك: الحمد لله رب العالمين الذي أجاب دعوتي. ثم قبّل الرجل صفحتي وجه إبراهيم وعانقه، ثم قال: الآن فنعم، ادعُ حتى أؤمن على دعائك. فدعا إبراهيم عليه السلام للمؤمنين والمؤمنات من المذنبين، من يومه ذلك إلى يوم القيامة، بالمغفرة والرضا عنهم. وأمن الرجل على دعائه. قال أبو جعفر عليه السلام: فدعوة إبراهيم بالغة للمؤمنين المذنبين من شيعتنا إلى يوم القيامة.