وكان أبو القاسم رحمه الله من أعقل الناس عند المخالف والموافق ويستعمل التقية.
فضل الحسين بن روح (تابع)
347- فروى أبو نصر هبة الله بن محمد قال:حدثني أبو عبد الله بن غالب حمو أبي الحسن بن أبي الطيب قال: ما رأيت من هو أعقل من الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح ولعهدي به يوما في دار ابن يسار وكان له محل عند السيد والمقتدر عظيم وكانت العامة أيضا تعظمه وكان أبو القاسم يحضر تقية وخوفا. وعهدي به وقد تناظر اثنان فزعم واحد أن أبا بكر أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم عمر ثم علي وقال الآخر بل علي أفضل من عمر،فزاد الكلام بينهما.فقال أبو القاسم رضي الله عنه الذي اجتمعت الصحابة عليه هو تقديم الصديق ثم بعده الفاروق ثم بعده عثمان ذو النورين ثم علي الوصي. وأصحاب الحديث على ذلك وهو الصحيح عندنـا. فبقي من حضر المجلس متعجبا من هذا القول وكان العامة الحضور يرفعونه على رءوسهم وكثر الدعاء له والطعن على من يرميه بالرفض. فوقع علي الضحك فلم أزل أتصبر وأمنع نفسي وأدس كمي في فمي فخشيت أن أفتضح، فوثبت عن المجلس ونظر إلي ففطن بي، فلما حصلت في منزلي فإذا بالباب يطرق،فخرجت مبادرا فإذا بأبي القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه راكبا بغلته قد وافاني من المجلس قبل مضيه إلى داره. فقال لي: يا أبا عبد الله، أيدك الله، لم ضحكت فأردت أن تهتف بي كأن الذي قلته عندك ليس بحق. فقلت: كذاك هو عندي. فقال لي: اتق الله أيها الشيخ، فإني لا أجعلك في حل،تستعظم هذا القول مني.فقلت: يا سيدي، رجل يرى بأنه صاحب الإمام ووكيله يقول ذلك القول لا يتعجب منه ولا يضحك من قوله هذا؟!فقال لي: وحياتك لئن عدت لأهجرنك. وودعني وانصرف.
348- قال أبو نصر هبة الله بن محمد: حدثني أبو الحسن بن كبرياء النوبختي قال: بلغ الشيخ أبا القاسم رضي الله عنه أن بوابا كان له على الباب الأول قد لعن معاوية وشتمه، فأمر بطرده وصرفه عن خدمته، فبقي مدة طويله يسأل في أمره فلا والله ما رده إلى خدمته،وأخذه بعض الأهل فشغله معه كل ذلك للتقية.
349- قال أبو نصر هبة الله: وحدثني أبو أحمد درانويه الأبرص الذي كانت داره في درب القراطيس قال:قال لي: إني كنت أنا وإخوتي ندخل إلى أبي القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه نعامله (قال) وكانوا باعة ونحن مثلا عشرة تسعة نلعنه وواحد يشكك، فنخرج من عنده بعد ما دخلنا إليه تسعة نتقرب إلى الله بمحبته وواحد واقف لأنه كان يجارينا من فضل الصحابة ما رويناه وما لم نروه،فنكتبه لحسنه عنه رضي الله عنه.
350- وأخبرني الحسين بن إبراهيم عن أبي العباس أحمد بن علي بن نوح عن أبي نصر هبة الله بن محمد الكاتب ابن بنت أم كلثوم بنت أبي جعفر العمري رضي الله عنه أن قبر أبي القاسم الحسين بن روح في النوبختية في الدرب الذي كانت فيه دار علي بن أحمد النوبختي النافذ إلى التل وإلى الدرب الآخر وإلى قنطرة الشوك رضي الله عنه.
قال: وقال لي أبو نصر: مات أبو القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه في شعبان سنة ست وعشرين وثلاثمائة.وقد رويت عنه أخبارا كثيرة:
351- منها ما أخبرني به الحسين بن عبيد الله عن أبي عبد الله الحسين بن علي بن سفيان البزوفري رحمه الله قال: حدثني الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه قال: اختلف أصحابنا في التفويض وغيره، فمضيت إلى أبي طاهر بن بلال في أيام استقامته فعرفته الخلاف، فقال: أخرني. فأخرته أياما فعدت إليه فأخرج إلي حديثا بإسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أراد الله أمراً عرضه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم أمير المؤمنين عليه السلام وسائر الأئمة واحدا بعد واحد إلى أن ينتهي إلى صاحب الزمان عليه السلام، ثم يخرج إلى الدنيا. وإذ أراد الملائكة أن يرفعوا إلى الله عز وجل عملا عرض على صاحب الزمان عليه السلام ثم يخرج على واحد بعد واحد إلى أن يعرض على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،ثم يعرض على الله عز وجل. فما نزل من الله فعلى أيديهم وما عرج إلى الله فعلى أيديهم،وما استغنوا عن الله عز وجل طرفة عين.
352- وأخبرني جماعة عن أبي عبد الله محمد بن أحمد الصفواني قال: حدثني الشيخ الحسين بن روح رضي الله عنه أن يحيى بن خالد سم موسى بن جعفر عليه السلام في إحدى وعشرين رطبة وبها مات، وأن النبي والأئمة عليهم السلام ما ماتوا إلا بالسيف أو السم. وقد ذكر عن الرضا عليه السلام أنه سم، وكذلك ولده وولد ولده.
353- وسأله بعض المتكلمين، وهو المعروف بترك الهروي،فقال له: كم بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: أربع. قال: فأيهن أفضل؟ فقال: فاطمة. فقال: ولم صارت أفضل وكانت أصغرهن سنا وأقلهن صحبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: لخصلتين خصها الله بهما تطولا عليها وتشريفا وإكراما لها؛ إحداهما أنها ورثت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يرث غيرها من ولده، والأخرى أن الله تعالى أبقى نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها ولم يبقه من غيرها. ولم يخصصها بذلك إلا لفضل إخلاص عرفه من نيتها. قال الهروي: فما رأيت أحدا تكلم وأجاب في هذا الباب بأحسن ولا أوجز من جوابه.
354- وأخبرني أبو محمد المحمدي رضي الله عنه عن أبي الحسين محمد بن الفضل بن تمام رحمه الله قال:سمعت أبا جعفر بن محمد بن أحمد بن الزكوزكي رحمه الله وقد ذكرنا كتاب التكليف وكان عندنا أنه لا يكون إلا مع غال وذلك أنه أول ما كتبنا الحديث فسمعناه يقول: وأيش كان لابن أبي العزاقر في كتاب التكليف؟! إنما كان يصلح الباب ويدخله إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه فيعرضه عليه ويحككه،فإذا صح الباب خرج فنقله وأمرنا بنسخة.يعني أن الذي أمرهم به الحسين بن روح رضي الله عنه. قال أبو جعفر: فكتبته في الإدراج بخطي ببغداد. قال ابن تمام: فقلت له: تفضل يا سيدي فادفعه إلي حتى أكتبه من خطك. فقال لي: قد خرج عن يدي.فقال ابن تمام: فخرجت وأخذت من غيره فكتبت بعد ما سمعت هذه الحكاية.
355- وقال أبو الحسين بن تمام: حدثني عبد الله الكوفي خادم الشيخ الحسين بن روح رضي الله عنه قال: سئل الشيخ-يعني أبا القاسم رضي الله عنه-عن كتب ابن أبي العزاقر بعد ما ذم وخرجت فيه اللعنة،فقيل له: فكيف نعمل بكتبه وبيوتنا منها ملاء؟فقال: أقول فيها ما قاله أبو محمد الحسن بن علي عليهما السلاموقد سئل عن كتب بني فضال فقالوا: كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها ملاء؟ فقال عليه السلام: خذوا بما رووا وذروا ما رأوا.
356- وسأل أبو الحسن الأيادي رحمه الله أبا القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه: لم كره المتعة بالبكر؟فقال:قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الحياء من الإيمان.والشروط بينك وبينها فإذا حملتها على أن تنعم فقد خرجت عن الحياء وزال الإيمان. فقال له: فإن فعل فهو زان؟ قال: لا.
357- وأخبرني الحسين بن عبيد الله عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن داود القمي قال:حدثني سلامة بن محمد قال: أنفذ الشيخ الحسين بن روح رضي الله عنه كتاب التأديب إلى قم وكتب إلى جماعة الفقهاء بها وقال لهم: انظروا في هذا الكتاب وانظروا فيه شيء يخالفكم.فكتبوا إليه أنه كله صحيح وما فيه شيء يخالف إلا قوله في الصاع في الفطرة نصف صاع من طعام والطعام عندنا مثل الشعير من كل واحد صاع.
358- قال ابن نوح: وسمعت جماعة من أصحابنا بمصر يذكرون أن أبا سهل النوبختي سئل فقيل له: كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك؟ فقال: هم أعلم وما اختاروه، ولكن أنا رجل ألقي الخصوم وأناظرهم ولو علمت بمكانه كما علم أبو القاسم وضغطتني الحجة على مكانه لعلي كنت أدل على مكانه، وأبو القاسم فلو كانت الحجة تحت ذيله وقرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه أو كما قال.
359- وذكر محمد بن علي بن أبي العزاقر الشلمغاني في أول كتاب الغيبة الذي صنفه: وأما ما بيني وبين الرجل المذكور زاد الله في توفيقه فلا مدخل لي في ذلك إلا لمن أدخلته فيه لأن الجناية علي فإني وليها.
360- وقال في فصل آخر: ومن عظمت منته عليه تضاعفت الحجة عليه ولزمه الصدق فيما ساءه وسره وليس ينبغي فيما بيني وبين الله إلا الصدق عن أمره مع عظم جنايته وهذا الرجل منصوب لأمر من الأمور لا يسع العصابة العدول عنه فيه وحكم الإسلام مع ذلك جار عليه كجريه على غيره من المؤمنين وذكره.
361- وذكر أبو محمد هارون بن موسى قال: قال لي أبو علي بن الجنيد: قال لي أبو جعفر محمد بن علي الشلمغاني: ما دخلنا مع أبي القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه في هذا الأمر إلا ونحن نعلم فيما دخلنا فيه. لقد كنا نتهارش على هذا الأمر كما تتهارش الكلاب على الجيف. قال أبو محمد: فلم تلتفت الشيعة إلى هذا القول وأقامت على لعنه والبراءة منه.