وهذا يسقط أصل السؤال ثم لو سلمنا ان القراءة بالجر مساوية للقراءة بالنصب من حيث قرأ بالجر من السبعة ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وفي رواية أبي بكر عن عاصم والنصب قرأ به نافع وابن عامر والكسائي وفي رواية حفص عن عاصم لكانت ايضا مقتضية للمسح لان موضع الرؤوس موضع نصب بوقوع الفعل الذي هو المسح عليه وإنما جر الرؤوس بالباء وعلى هذا لا ينكر ان تعطف الارجل على موضع الرؤوس لا لفظها فتنصب وإن كان الفرض فيها المسح كما كان في الرؤوس كذلك والعطف على الموضع جائز مشهور في لغة العرب الا ترى انهم يقولون لست بقائم ولا قاعدا فينصب قاعدا على موضع بقائم لا لفظه وكذلك يقولون خشنت بصدره وصدر زيد وإن زيدا في الدار وعمرو فرفع عمرو على الموضع لان أن وما علمت فيه في موضع رفع ومثله من كلامهم ان تأتني فلك درهم وأكرمك لما كان قولهم فلك درهم في موضع جزم عطف وأكرمك عليه وجزم ومثله من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم بالجزم على موضع قوله هادى لانه في موضع جزم وقال الشاعر معاوي اننا بشر فاسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا فنصب الحديدا على موضع بالجبال وقال آخر هل أنت باعث دينار لحاجتنا أو عبد رب أخا عون بن مخراق وإنما نصب عبد رب لان من حق الكلام ان يكون باعث دينارا فحمله على الموضع لا اللفظ وقد سوغوا ما هو أبعد من هذا لانهم عطفوا على المعنى وان كان اللفظ لا يقتضيه مثل قول الشاعر جئني بمثل بني بدر لقومهم أو مثل أسرة منظور بن سيار لما كان معنى جئني أي هات مثلهم أو اعطني مثلهم قال أو مثل بالنصب عطفا على المعنى فان قيل ما تنكرون أن يكون القراءة بالنصب لا تقتضي الا الغسل ولا تحتمل المسح لان عطف الارجل على موضع الرؤوس في الايجاب توسع وتجوز والظاهر والحقيقة يوجبان عطفها على اللفظ لا الموضع؟ قلنا ليس الامر على ما توهمتم بل العطف على الموضع مستحسن في لغة الرعب وجائز لا على سبيل الاتساع والعدول عن الحقيقة والمتكلم مخير بين حمل الاعراب على اللفظ تارة وبين حمله على الموضع اخرى و هذا ظاهر في العربية مشهور عند أهلها وفي القرآن والشعر له نظائر كثيرة على انا لو سلمنا ان العطف على اللفظ اقوى لكان عطف الارجل على موضع الرؤوس أولى مع القراءة بالنصب لان نصب الارجل لا يكون إلا على أحد الوجهين إما بان يعطف على الايدي والوجوه في الغسل أو يعطف على موضع الرؤوس فينصب ويكون حكمها المسح وعطفها على موضع الرؤوس أولى وذلك ان الكلام إذا حصل فيه عاملان احدهما قريب والآخر بعيد فإعمال الاقرب أولى من اعمال الابعد وقد نص أهل العربية على هذا فقالوا إذا قال القائل اكرمني واكرمت عبد الله وأكرمت واكرمني عبد الله فحمل المذكور بعد الفعلين على الفعل الثاني اولى من حمله على الاول لان الثاني اقرب إليه وقد جاء القرآن وأكثر الشعر بإعمال الثاني قال الله تعالى وانهم ظنوا كما ظننتم ان لن يبعث الله احدا لانه لو أعمل الاول لقال كما ظننتموه وقال آتوني أفرغ عليه قطرا ولو اعمل الاول لقال افرغه وقال هاؤم اقرؤا كتابيه ولو اعمل الاول لقال هاؤم اقرؤه كتابيه وقال الشاعر قضى كل ذي دين فوفى غريمه وعزة ممطول معنى غريمها فاعمل الثاني دون الاول لانه لو اعمل الاول لقال قضى كل ذي دين فوفاه عزيمه ومما اعمل فيه الثاني قول الشاعر وكمتا مدماة كأن متونها جرى فوقها فاستشعرت لون مذهب ولو اعمل الاول لرفع لون وفي الرواية منصوب ومثله قول الفرزدق ولكن نصفا لو سببت وسبني بنو عبد شمس من مناف وهاشم فقال بنو لانه اعمل الثاني دون الاول فاما قول امرئ القيس واعماله الاول ولو أن ما اسعى لادنى معيشة كفاني ولم اطلب قليل من المال فاول مافيه انه شاذ خارج عن بابه ولا حكم على شاذ والثاني إنما رفع لانه لم يجعل القليل مطلوبا وإنما كان المطلوب عنده الملك وجعل القليل كافيا ولو لم يرد هذا ونصب فسد المعنى قال الشيخ أيده الله تعالى والكعبان هما قبتا القدمين أمام الساقين إلى قوله وهو ما علا منه في وسطه على ما ذكرناه فالذي يدل على ذلك قوله تعالى : « إلى الكعبين » فبين ان منتهى المسح إلى الكعبين ولو أراد ما ذهب إليه مخالفونا لقال إلى الكعاب لان ذلك في كل رجل منه اثنان، ويدل عليه ايضا اجماع الامة، وهو أن الامة بين قائلين قائل يقول: بوجوب المسح دون غيره ولا يجوز التخيير ويقطع على ان المراد بالكعبين ما ذكرناه، وقائل يقول بوجوب الغسل أو الغسل والمسح على طريق التخيير ويقول الكعبان هما العظمان الناتيان خلف الساق ولا قول ثالث، فإذا ثبت بالدليل الذي قدمنا ذكره وجوب مسح الرجلين وانه لا يجوز غيره ثبت ما قلنا من ماهية الكعبين، ويدل على ذلك ايضا.