حدثنا أحمد بن الحسن القطان قال: حدثنا الحسن بن علي السكري قال: حدثنا محمد بن زكريا البصري قال: حدثنا جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه قال: قلت للصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: أخبرني بوفاة موسى بن عمران عليه السلام، فقال: إنه لما أتاه أجله واستوفي مدته وانقطع أكله أتاه ملك الموت عليه السلام فقال له: السلام عليك يا كليم الله، فقال موسى: وعليك السلام من أنت؟ فقال: أنا ملك الموت، قال: ما الذي جاء بك؟ قال: جئت لأقبض روحك، فقال له موسى عليه السلام: من أين تقبض روحي؟ قال: من فمك، قال موسى عليه السلام: كيف وقد كلمت به ربي جل جلاله، قال: فمن يديك، قال: كيف وقد حملت بهما التوراة، قال: فمن رجليك، قال: كيف وقد وطأت بهما طور سيناء، قال: فمن عينك، قال: كيف ولم تزال إلى ربى بالرجاء ممدودة قال: فمن أذنيك، قال: يكف وقد سمعت بهما كلام ربي عز وجل، قال: فأوحي الله تبارك وتعالى إلى ملك الموت: لا تقبض روحه حتى يكون هو الذي يريد ذلك، وخرج ملك الموت، فمكث موسى عليه السلام ما شاء الله أن يمكث بعد ذلك، ودعا يوشع بن نون فأوصى إليه وأمره بكتمان أمره وبأن يوصى بعده إلي من يقوم بالامر. وغاب موسى عليه السلام عن قومه فمر في غيبته برجل وهو يحفر قبرا فقال له: ألا أعينك على حفر هذا القبر؟ فقال له الرجل: بلى، فأعانه حتى حفر القبر وسوى اللحد، ثم اضطجع فيه موسى عليه السلام لينظر كيف هو فكشف الله له الغطاء فرأى مكانه في الجنة، فقال: يا رب اقبضني إليك، فقبض ملك الموت روحه مكانه ودفنه في القبر وسوى عليه التراب، وكان الذي يحفر القبر ملك الموت في صورة آدمي، وكان ذلك في التيه، فصاح صائح من السماء: مات موسى كليم الله، وأي نفس لا تموت، فحدثني أبي عن جدي عن أبيه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عن قبر موسى أين هو؟ فقال: هو عند الطريق الأعظم عند الكثيب الأحمر.
مضي موسى عليه السلام و وقوع الغيبة بالأوصياء
كمال الدين وتمام النعمة
الكتاب 2, الباب 7
ثم إن يوشع بن نون عليه السلام قام بالامر بعد موسى عليه السلام صابرا من الطواغيت على اللاواء والضراء والجهد البلاء حتى مضى منهم ثلاث طواغيت، فقوي بعدهم أمره فخرج عليه رجلان من منافقي قوم موسى عليه السلام بصفراء بنت شعيب امرأة موسى عليه السلام في مائة ألف رجل. فقاتلوا يوشع بن نون عليه السلام فقتلهم وقتل منهم مقتلة عظيمة وهزم الباقين بإذن الله تعالى ذكره، وأسر صفراء بنت شعيب، وقال لها: قد عفوت عنك في الدنيا إلى أن ألقى نبي الله موسى عليه السلام فأشكو إليه ما لقيت منك ومن قومك. فقالت صفراء: وا ويلاه، والله لو أبيحت لي الجنة لاستحييت أن أرى فيها رسول الله وقد هتكت حجابه، وخرجت على وصيه بعده. فاستتر الأئمة بعد يوشع بن نون إلى زمان داود عليه السلام أربعمائة سنة وكانوا أحد عشر وكان قوم كل واحد منهم يختلفون إليه في وقته ويأخذون عنه معالم دينهم حتى انتهى الامر إلى آخرهم، فغاب عنهم ثم ظهر لهم فبشرهم بداود عليه السلام وأخبرهم أن داود عليه السلام هو الذي يطهر الأرض من جالوت وجنوده، ويكون فرجهم في ظهوره فكانوا ينتظرونه، فلما كان زمان داود عليه السلام كان له أربعة إخوة ولهم أب شيخ كبير، وكان داود عليه السلام من بينهم حامل الذكر وكان أصغر أخوته لا يعلمون أنه داود النبي المنتظر الذي يطهر الأرض من جالوت وجنوده، وكانت الشيعة يعلمون أنه قد ولد وبلغ أشده وكانوا يرونه و يشاهدونه ولا يعلمون أنه هو. فخرج داود عليه السلام وإخوته وأبوهم لما فصل طالوت بالجنود وتخلف عنهم داود، وقال: ما يصنع بي في هذا الوجه، فاستهان به إخوته وأبوه وأقام في غنم أبيه يرعاها. فاشتد الحرب وأصاب الناس جهد، فرجع أبوه وقال لداود: احمل إلى إخوتك طعاما يتقوون به على العدو، وكان عليه السلام رجلا قصيرا قليل الشعر طاهر القلب، أخلاقه نقية. فخرج والقوم متقاربون بعضهم من بعض قد رجع كل واحد منهم إلى مركزه، فمر داود عليه السلام على حجر فقال الحجر له بنداء رفيع: يا داود خذني فاقتل بي جالوت فإني إنما خلقت لقتله. فأخذه ووضعه في مخلاته التي كانت تكون فيها حجارته التي كان يرمي بها غنمه. فلما دخل العسكر سمعهم يعظمون أمر جالوت، فقال لهم: ما تعظمون من أمره؟ فوالله لئن عاينته لأقتلنه. فتحدثوا بخبره حتى أُدخل على طالوت فقال له: يا فتى ما عندك من القوة وما جربت من نفسك؟ قال: قد كان الأسد يعدو على الشاة من غنمي فأدركه فآخذ برأسه وأفك لحييه عنها فآخذها من فيه. وكان الله تبارك وتعالى قد أوحى إلى طالوت أنه لا يقتل جالوت إلا من لبس درعك فملأها. فدعا بدرعه فلبسها داود عليه السلام فاستوت عليه، فراع ذلك طالوت ومن حضره من بني إسرائيل فقال: عسى الله أن يقتل به جالوت. فلما أصبحوا والتقى الناس قال داود عليه السلام: أروني جالوت. فلما رآه أخذ الحجر فرماه به فصك به بين عينيه فدمغه، وتنكس عن دابته. فقال الناس: قتل داود جالوت، وملكه الناس حتى لم يكن يسمع لطالوت ذكر، واجتمعت عليه بنو إسرائيل. وأنزل الله تبارك وتعالى عليه الزبور، وعلمه صنعة الحديد فلينه له، وأمر الجبال والطير أن تسبح معه، وأعطاه صوتا لم يسمع بمثله حسنا، وأعطاه قوة في العبادة. وأقام في بني إسرائيل نبيا. ثم إن داود عليه السلام أراد أن يستخلف سليمان عليه السلام لان الله عز وجل أوحى إليه يأمره بذلك، فلما أخبر بني إسرائيل ضجوا من ذلك وقالوا: يستخلف علينا حدثا وفينا من هو أكبر منه، فدعا أسباط بني إسرائيل فقال لهم: قد بلغني مقالتكم فأروني عصيكم فأي عصا أثمرت فصاحبها ولي الأمر من بعدي، فقالوا: رضينا، فقال: ليكتب كل واحد منكم اسمه على عصاه، فكتبوه ثم جاء سليمان عليه السلام بعصاه فكتب عليها اسمه، ثم أدخلت بيتا وأغلق الباب وحرسته رؤوس أسباط بني إسرائيل، فلما أصبح صلى بهم الغداة، ثم أقبل ففتح الباب فأخرج عصيهم وقد أورقت وعصا سليمان قد أثمرت، فسلموا ذلك لداود عليه السلام، فاختبره بحضرة بني إسرائيل فقال له: يا بني أي شئ أبرد؟ قال: عفو الله عن الناس وعفوا الناس بعضهم عن بعض، قال: يا بني فأي شئ أحلى؟ قال: المحبة وهو روح الله في عباده. فافتر داود ضاحكا فسار به في بني إسرائيل، فقال: هذا خليفتي فيكم من بعدي، ثم أخفى سليمان بعد ذلك أمره وتزوج بامرأة واستتر من شيعته ما شاء الله أن يستتر. ثم إن امرأته قالت له ذات يوم: بأبي أنت وأمي ما أكمل خصالك وأطيب ريحك ولا أعلم لك خصلة أكرهها إلا أنك في مؤونة أبي فلو دخلت السوق فتعرضت لرزق الله رجوت أن لا يخيبك، فقال لها سليمان عليه السلام: إني والله ما عملت عملا قط ولا أحسنه، فدخل السوق فجال يومه ذلك ثم رجع فلم يصب شيئا، فقال لها: ما أصبت شيئا، قالت: لا عليك إن لم يكن اليوم كان غدا، فلما كان من الغد خرج إلى السوق فجال يومه فلم يقدر على شئ، ورجع فأخبرها فقالت له: يكون غدا إن شاء الله، فلما كان من اليوم الثالث مضى حتى انتهى إلى ساحل البحر فإذا هو بصياد، فقال له: هل لك أن أعينك وتعطينا شيئا قال: نعم، فأعانه فلما فرغ أعطاه الصياد سمكتين فأخذهما وحمد الله عز وجل، ثم إنه شق بطن إحديهما فإذا هو بخاتم في بطنها فأخذه فصره في ثوبه فحمد الله وأصلح السمكتين وجاء بهما إلى منزله ففرحت امرأته بذلك، وقالت له: إني أريد أن تدعو أبوي حتى يعلما أنك قد كسبت، فدعاهما فأكلا معه، فلما فرغوا قال لهم: هل تعرفوني؟ قالوا: لا والله إلا أنا لم نر إلا خيرا منك، قال: فأخرج خاتمه فلبسه فحن عليه الطير والريح وغشيه الملك، وحمل الجارية وأبويها إلى بلاد إصطخر، واجتمعت إليه الشيعة واستبشروا به ففرج الله عنهم مما كانوا فيه من حيرة غيبته. فلما حضرته الوفاة أوصى إلى آصف بن برخيا بأمر الله تعالى ذكره، فلم يزل بينهم تختلف إليه الشيعة ويأخذون عنه معالم دينهم، ثم غيب الله تبارك وتعالى آصف غيبة طال أمدها، ثم ظهر لهم فبقي بين قومه ما شاء الله، ثم إنه ودعهم فقالوا له: أين الملتقى؟ قال: على الصراط، وغاب عنهم ما شاء الله فاشتدت البلوى على بني إسرائيل بغيبته وتسلط عليهم بختنصر فجعل يقتل من يظفر به منهم ويطلب من يهرب ويسبي ذراريهم، فاصطفى من السبي من أهل بيت يهودا أربعة نفر فيهم دانيال واصطفى من ولد هارون عزيرا وهم يومئذ صبية صغار فمكثوا في يده وبنو إسرائيل في العذاب المهين. والحجة دانيال عليه السلام أسير في يد بختنصر تسعين سنة، فلما عرف فضله وسمع أن بني إسرائيل ينتظرون خروجه وبعث إليهم سمكة تدعى القمد لا لحم لها ولا عظم وإنما هي جلد ودم فخرجت من البحر فأوحى الله عز وجل إلى النحل أن تركبها، فركبتها فأتت النحل إلى تلك الجزيرة ونهض النحل وتعلق بالشجر فعرش وبنى وكثر العسل ولم يكونوا يفقدون شيئا من أخبار المسيح عليه السلام.
وهكذا يكون سبيل القائم عليه السلام. له علم إذا حان وقت خروجه انتشر ذلك العلم من نفسه، وأنطقه الله عز وجل فناداه: اخرج يا ولي الله فاقتل أعداء الله. وله سيف مغمد، إذا حان وقت خروجه اقتلع ذلك السيف من غمده، وأنطقه الله عز وجل فناداه السيف: اخرج يا ولي الله، فلا يحل لك أن تقعد عن أعداء الله. فيخرج عليه السلام ويقتل أعداء الله حيث ثقفهم، ويقيم حدود الله، ويحكم بحكم الله عز وجل. حدثني بذلك أبو الحسن أحمد بن ثابت الدواليني بمدينة السلام، عن محمد بن الفضل النحوي، عن محمد بن علي بن عبد الصمد الكوفي، عن علي بن عاصم، عن محمد بن علي ابن موسى، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي عليهم السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله في آخر حديث طويل - قد أخرجته في هذا الكتاب في باب ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من النص على القائم عليه السلام وأنه الثاني عشر من الأئمة عليهم السلام -.