وجوب وجود الخليفة وطاعته واختياره من الله

كمال الدين وتمام النعمة|المجلّد 1|الكتاب 1|الباب 2

كمال الدين وتمام النعمة

الكتاب 1, الباب 2

وجوب وجود الخليفة وطاعته واختياره من الله
4 شروح
الشرح 1

أما بعد فإن الله تبارك و تعالى يقول في محكم كتابه‌ وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً الآية فبدأ عز و جل بالخليفة قبل الخليقة فدل ذلك على أن الحكمة في الخليفة أبلغ من الحكمة في الخليقة فلذلك ابتدأ به لأنه سبحانه حكيم و الحكيم من يبدأ بالأهم دون الأعم و ذلك تصديق‌ قَوْلِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام حَيْثُ يَقُولُ‌ الْحُجَّةُ قَبْلَ الْخَلْقِ وَ مَعَ الْخَلْقِ وَ بَعْدَ الْخَلْقِ و لو خلق الله عز و جل الخليقة خلوا من الخليفة لكان قد عرضهم للتلف و لم يردع السفيه عن سفهه بالنوع الذي توجب حكمته من إقامة الحدود و تقويم المفسد و اللحظة الواحدة لا تسوغ الحكمة ضرب صفح عنها إن الحكمة تعمّ كما أن الطاعة تعمّ و من زعم أن الدنيا تخلو ساعة من إمام لزمه أن يصحِّح مذهب البراهمة في إبطالهم الرسالة و لو لا أن القرآن نزل بأن محمدا ص خاتم الأنبياء   لوجب كون رسول في كل وقت فلما صح ذلك ارتفع معنى كون الرسول بعده و بقيت الصورة المستدعية للخليفة في العقل و ذلك أن الله تقدس ذكره لا يدعو إلى سبب إلا بعد أن يصور في العقول حقائقه و إذا لم يصور ذلك لم تتسق الدعوة و لم تثبت الحجة و ذلك أن الأشياء تألف أشكالها و تنبو عن أضدادها فلو كان في العقل إنكار الرسل لما بعث الله عز و جل نبيا قط. مثال ذلك الطبيب يعالج المريض بما يوافق طباعه و لو عالجه بدواء يخالف طباعه أدى ذلك إلى تلفه فثبت أن الله أحكم الحاكمين لا يدعو إلى سبب إلا و له في‌ العقول صورة ثابتة و بالخليفة يستدل على المستخلف كما جرت به العادة في العامة و الخاصة و في المتعارف متى استخلف ملك ظالما استدل بظلم خليفته على ظلم مستخلفه و إذا كان عادلا استدل بعدله على عدل مستخلفه فثبت أن خلافة الله توجب العصمة و لا يكون الخليفة إلا معصوما.

الشرح 2

ولما استخلف الله عز وجل آدم في الأرض أوجب على أهل السماوات الطاعة له فكيف الظن بأهل الأرض، ولما أوجب الله عز وجل على الخلق الايمان بملائكة الله وأوجب على الملائكة السجود لخليفة الله، ثم لما امتنع ممتنع من الجن عن السجود له أحل به الذل والصغار والدمار، وأخزاه ولعنه إلى يوم القيامة، علمنا بذلك رتبة الامام وفضله، وان الله تبارك وتعالى لما أعلم الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة أشهدهم على ذلك لان العلم شهادة فلزم من ادعى أن الخلق يختار الخليفة أن تشهد ملائكة الله كلهم عن آخرهم عليه، والشهادة العظيمة تدل على الخطب العظيم كما جرت به العادة في الشاهد فكيف وأنى ينجو صاحب الاختيار من عذاب الله وقد شهدت عليه ملائكة الله أولهم وآخرهم، وكيف وأنى يعذب صاحب النص وقد شهدت له ملائكة الله كلهم. وله وجه آخر وهو أن القضية في الخليفة باقية إلى يوم القيامة، ومن زعم أن الخليفة أراد به النبوة فقد أخطأ من وجه، وذلك أن الله عز وجل وعد آن يستخلف من هذه الأمة (الفاضلة) خلفاء راشدين كما قال جل وتقدس: " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا " ولو كانت قضية الخلافة قضية النبوة أوجب حكم الآية أن يبعث الله عز وجل نبيا بعد محمد صلى الله عليه وآله وما صح قوله: " وخاتم النبيين " فثبت أن الوعد من الله عز وجل ثابت من غير النبوة وثبت أن الخلافة تخالف النبوة بوجه وقد يكون الخليفة غير نبي ولا يكون النبي إلا خليفة.وآخر: هو أنه عز وجل أراد أن يظهر باستعباده الخلق بالسجود لآدم  عليه السلام نفاق المنافق وإخلاص المخلص كما كشفت الأيام والخبر عن قناعيهما أعني ملائكة الله والشيطان، ولو وكل ذلك المعنى - من اختيار الإمام - إلى من أضمر سوءا لما كشفت الأيام عنه بالتعرض، وذلك أنه يختار المنافق من سمحت نفسه بطاعته والسجود له، فكيف وأنى يوصل إلى ما في الضمائر من النفاق والاخلاص والحسد والداء - الدفين.  وجه آخر و هو أن الكلمة تتفاضل على أقدار المخاطب و المخاطب فخطاب الرجل عبده يخالف خطاب سيده و المخاطب كان الله عز و جل و  المخاطبون ملائكة الله أولهم و آخرهم  الكلمة العموم لها مصلحة عموم كما أن الكلمة الخصوص لها مصلحة خصوص و المثوبة في العموم أجل من المثوبة في الخصوص كالتوحيد الذي هو عموم على عامة خلق الله يخالف الحج و الزكاة و سائر أبواب الشرع الذي هو خصوص فقوله عز و جل‌ وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً دل على أن فيه معنى من معاني التوحيد لما أخرجه مخرج العموم و الكلمة إذا جاورت الكلمة في معنى لزمها ما لزم أختها إذا جمعهما معنى واحد و وجه ذلك أن الله سبحانه علم أن من خلقه من يوحده و يأتمر لأمره و أن لهم أعداء يعيبونهم و يستبيحوا حريمهم و لو أنه عز و جل قصر الأيدي عنهم جبرا و قهرا لبطلت الحكمة و ثبت الإجبار رأسا و بطل الثواب و  العقاب و العبادات و لما استحال ذلك وجب أن يدفع عن أوليائه بضرب من الضروب لا تبطل به و معه العبادات و المثوبات فكان الوجه في ذلك إقامة الحدود كالقطع و الصلب و القتل و الحبس و تحصيل الحقوق كما قيل ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن‌ و قد نطق بمثله قوله عز و جل‌لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ‌ فوجب أن ينصب عز و جل خليفة يقصر من أيدي أعدائه عن أوليائه ما تصح به و معه الولاية لأنه لا ولاية مع من أغفل الحقوق و ضيع الواجبات و وجب خلعه في العقول جل الله تعالى عن ذلك

الشرح 3

و الخليفة اسم مشترك لأنه لو أن رجلا بنى مسجدا و لم يؤذن فيه و نصب فيه مؤذنا كان مؤذنه فأما إذا أذن فيه أياما ثم نصب فيه مؤذنا كان خليفته و كذلك الصورة في العقول و المعارف متى قال البندار هذا خليفتي كان خليفته على البندرة لا على البريد و المظالم فكذلك القول في صاحبي البريد و المظالم فثبت أن الخليفة من الأسماء المشتركة فكان من صفة الله تعالى ذكره الانتصاف لأوليائه من أعدائه فوكل من ذلك معنى إلى خليفته فلهذا الشأن استحق معنى الخليفة دون معنى أن يتخذ شريكا معبودا مع الله سبحانه و لهذا من الشأن قال الله تبارك و تعالى لإبليس‌ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ‌ ثم قال عز و جل‌بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ‌ و ذلك أنه يقطع العذر و لا يوهم أنه خليفة شارك الله في وحدته فقال بعد ما عرفت أنه خلق الله‌ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ ثم قال‌ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ‌ و اليد في اللغة قد تكون بمعنى النعمة و قد كان لله عز و جل عليه نعمتان حوتا نعما كقوله عز و جل‌ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً و هما نعمتان حوتا نعما لا تحصى ثم غلظ عليه القول بقوله عز و جل‌بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ‌ كقول القائل بسيفي تقاتلني و برمحي تطاعنني و هذا أبلغ في القبح و أشنع فقوله عز و جل‌ وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً كانت كلمة متشابهة أحد وجوهها أنه يتصور عند الجاهل أن الله عز و جل يستشير خلقه في معنى التبس عليه و يتصور عند المستدل إذا استدل على الله عز و جل بأفعاله المحكمة و جلالته الجليلة أنه جل عن أن يلتبس عليه معنى أو يستعجم عليه حال فإنه لا يعجزه شي‌ء في السماوات و الأرض و السبيل في هذه الآية المتشابهة كالسبيل في أخواتها من الآيات المتشابهات أنها ترد إلى المحكمات مما يقطع به و معه العذر للمتطرق إلى السفه و الإلحاد. فقوله‌ وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً يدل على معنى هدايتهم لطاعة جليلة مقترنة بالتوحيد نافية عن الله عز و جل الخلع و الظلم و تضييع الحقوق و ما تصح به و معه الولاية فتكمل معه الحجة و لا يبقى لأحد عذر في إغفال حق. وأخرى أنه عز و جل إذا علم استقلال أحد من عباده لمعنى من معاني الطاعات ندبه له حتى تحصل له به عبادة و يستحق معها مثوبة على قدرها ما لو أغفل ذلك جاز أن يغفل جميع معاني حقوق خلقه أولهم و آخرهم جل الله عن ذلك فللقوام بحقوق الله و حقوق خلقه مثوبة جليلة متى فكر فيها مفكر عرف أجزاءها إذ لا وصول إلى كلها لجلالتها و عظم قدرها و أحد معانيها و هو جزء من أجزائها أنه يسعد بالإمام العادل النملة و البعوضة و الحيوان أولهم و آخرهم بدلالة قوله تعالى‌ وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‌ و يدل على صحة ذلك قوله عز و جل في قصة نوح ع‌ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً الآية ثم من المدرار ما ينتفع به الإنسان و سائر الحيوان و سبب ذلك الدعاة إلى دين الله و الهداة إلى حق الله فمثوبته على أقداره و عقوبته على من عانده بحسابه و لهذا نقول إن‌ الإمام يحتاج إليه لبقاء العالم على صلاحه. و قد أخرجت الأخبار التي رويتها في هذا المعنى في هذا الكتاب في باب العلة التي يحتاج من أجلها إلى الإمام‌

الشرح 4

وقول الله عز و جل‌ وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً جاعل منون‌ صفة الله التي وصف بها نفسه و ميزانه قوله‌ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ‌ فنوَّنه و وصف به نفسه فمن ادعى أنه يختار الإمام وجب أن يخلق بشرا من طين فلما بطل هذا المعنى بطل الآخر إذ هما في حيّز واحد.  ووجه آخر وهو أن الملائكة في فضلهم و عصمتهم لم يصلحوا لاختيار الإمام حتى تولى الله ذلك بنفسه دونهم و احتج به على عامة خلقه أنه لا سبيل لهم إلى اختياره لما لم يكن للملائكة سبيل إليه مع صفائهم و وفائهم و عصمتهم و مدح الله إياهم في آيات كثيرة مثل قوله سبحانه‌ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ‌ و كقوله عز و جل‌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ‌ ثم إن الإنسان بما فيه من السفه و الجهل كيف و أنى يستتب له‌ ذلك فهذا و الأحكام دون الإمامة مثل الصلاة و الزكاة و الحج و غير ذلك لم يكل الله عز و جل شيئا من ذلك إلى خلقه فكيف وكل إليهم الأهم الجامع للأحكام كلها و الحقائق بأسرها. و في قوله عز و جل‌ خَلِيفَةً إشارة إلى خليفة واحدة ثبت به و معه إبطال قول‌ من زعم أنه يجوز أن تكون في وقت واحد أئمة كثيرة وقد اقتصر الله عز و جل على الواحد ولو كانت الحكمة ما قالوه و عبروا عنه لم يقتصر الله عز و جل على الواحد و دعوانا مُحاذٍ لدعواهم ثم إن القرآن يرجح قولنا دون قولهم و الكلمتان إذا تقابلتا ثم رجح إحداهما على الأخرى بالقرآن كان الرجحان أولى. و لقوله عز و جل‌ وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ الآية في الخطاب الذي خاطب الله عز و جل به نبيه ص لما قال‌ رَبُّكَ‌ من أصح الدليل على أنه سبحانه يستعمل هذا المعنى في أمته إلى يوم القيامة فإن الأرض لا تخلو من حجة له عليهم و لو لا ذلك لما كان لقوله‌ رَبُّكَ‌ حكمة و كان يجب أن يقول ربهم و حكمة الله في السلف كحكمته في الخلف لا يختلف في مر الأيام و كر الأعوام و ذلك أنه عز و جل عدل حكيم لا يجمعه و أحد من خلقه نسب جل الله عن ذلك.