و لقوله عز و جل وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً الآية معنى و هو أنه عز و جل لا يستخلف إلا من له نقاء السريرة ليبعد عن الخيانة لأنه لو اختار من لا نقاء له في السريرة كان قد خان خلقه لأنه لو أن دلالا قدم حمالا خائنا إلى تاجر فحمل له حملا فخان فيه كان الدلال خائنا فكيف تجوز الخيانة على الله عز و جل و هو يقول و قوله الحق أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ و أدب محمدا ص بقوله عز و جل وَ لا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً فكيف و أنى يجوز أن يأتي ما ينهى عنه و قد عير اليهود بسمة النفاق و قال أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ. في قول الله عز و جل وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً حجة قوية في غيبة الإمام عليه السلام و ذلك أنه عز و جل لما قال إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً أوجب بهذا اللفظ معنى و هو أن يعتقدوا طاعته فاعتقد عدو الله إبليس بهذه الكلمة نفاقا و أضمره حتى صار به منافقا و ذلك أنه أضمر أنه يخالفه متى استعبد بالطاعة له فكان نفاقه أنكر النفاق لأنه نفاق بظهر الغيب و لهذا من الشأن صار أخزى المنافقين كلهم و لما عرف الله عز و جل ملائكته ذلك أضمروا الطاعة له و اشتاقوا إليه فأضمروا نقيض ما أضمره الشيطان فصار لهم من الرتبة عشرة أضعاف ما استحق عدو الله من الخزي و الخسار فالطاعة و الموالاة بظهر الغيب أبلغ في الثواب و المدح لأنه أبعد من الشبهة و المغالطة و لهذا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ: مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ نَادَاهُ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ وَ لَكَ مِثْلَاهُ ..و أن الله تبارك و تعالى أكد دينه بالإيمان بالغيب فقال هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ الآية فالإيمان بالغيب أعظم مثوبة لصاحبه لأنه خلو من كل عيب و ريب لأن بيعة الخليفة وقت المشاهدة قد يتوهم على المبايع أنه إنما يطيع رغبة في خير أو مال أو رهبة من قتل أو غير ذلك مما هو عادات أبناء الدنيا في طاعة ملوكهم و إيمان الغيب مأمون من ذلك كله و محروس من معايبه بأصله يدل على ذلك قول الله عز و جل فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا و لما حصل للمتعبد ما حصل من الإيمان بالغيب لم يحرم الله عز و جل ذلك ملائكته فقد جاء في الخبر أن الله سبحانه قال هذه المقالة للملائكة قبل خلق آدم بسبعمائة عام و كان يحصل في هذه المدة الطاعة لملائكة الله على قدرها و لو أنكر منكر هذا الخبر و الوقت و الأعوام لم يجد بدّا من القول بالغيبة و لو ساعة واحدة و الساعة الواحدة لا تتعرى من حكمة ما و ما حصل من الحكمة في الساعة حصل في الساعتين حكمتان و في الساعات حكم و ما زاد في الوقت إلا زاد في المثوبة و ما زاد في المثوبة إلا كشف عن الرحمة و دل على الجلالة فصح الخبر أن فيه تأييد الحكمة و تبليغ الحجة. و في قول الله عز و جل وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً حجة في غيبة الإمام عليه السلام من أوجه كثيرة أحدها أن الغيبة قبل الوجود أبلغ الغيبات كلها و ذلك أن الملائكة ما شهدوا قبل ذلك خليفة قط و أما نحن فقد شاهدنا خلفاء كثيرين غير واحد قد نطق به القرآن و تواترت به الأخبار حتى صارت كالمشاهدة و الملائكة لم يشهدوا واحدا منهم فكانت تلك الغيبة أبلغ و آخر أنها كانت غيبة من الله عز و جل و هذه الغيبة التي للإمام عليه السلام هي من قبل أعداء الله تعالى فإذا كان في الغيبة التي هي من الله عز و جل عبادة لملائكته فما الظن بالغيبة التي هي من أعداء الله و في غيبة الإمام عليه السلام عبادة مخلصة لم تكن في تلك الغيبة و ذلك أن الإمام الغائب عليه السلام مقموع مقهور مزاحم في حقه قد غلب قهرا و جرى على شيعته قسرا من أعداء الله ما جرى من سفك الدماء و نهب الأموال و إبطال الأحكام و الجور على الأيتام و تبديل الصدقات و غير ذلك مما لا خفاء به و من اعتقد موالاته شاركه في أجره و جهاده و تبرأ من أعدائه و كان له في براءة مواليه من أعدائه أجر و في ولاية أوليائه أجر يربو على أجر ملائكة الله عز و جل على الإيمان بالإمام المغيب في العدم و إنما قصَّ الله عز و جل نبأه قبل وجوده توقيرا و تعظيما له ليستعبد له الملائكة و يتشمروا لطاعته و إنما مثال ذلك تقديم الملك فيما بيننا بكتاب أو رسول إلى أوليائه أنه قادم عليهم حتى يتهيئوا لاستقباله و ارتياد الهدايا له ما يقطع به و معه عذرهم في تقصير إن قصروا في خدمته كذلك بدأ الله عز و جل بذكر نبئه إبانة عن جلالته و رتبته و كذلك قضيته في السلف و الخلف فما قبض خليفة إلا عرف خلقه الخليفة الذي يتلوه و تصديق ذلك قوله عز و جل أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ الآية و الذي على بينة من ربه محمد ص و الشاهد الذي يتلوه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام دلالته قوله عز و جل وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَ رَحْمَةً و الكلمة من كتاب موسى المحاذية لهذا المعنى حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة قوله وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَ قالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ.
وجوب عصمة الإمام
كمال الدين وتمام النعمة|المجلّد 1|الكتاب 1|الباب 3