1 - حدثنا الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي (رضي الله عنه)، قال: حدثنا أحمد بن الحسن القطان وعلي بن أحمد بن موسى الدقاق ومحمد بن أحمد السناني (رضي الله عنهم)، قالوا: حدثنا أبو العباس أحمد ابن يحيى بن زكريا القطان، قال: حدثنا محمد بن العباس، قال: حدثني محمد بن أبي السري، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، عن سعد بن طريف الكناني، عن الاصبغ بن نباتة، قال: لما جلس علي (عليه السلام) في الخلافة وبايعه الناس، خرج إلى المسجد متعمما بعمامة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لابسا بردة رسول الله (صلى الله عليه وآله) منتعلا نعل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، متقلدا سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله) فصعد المنبر، فجلس عليه متمكنا، ثم شبك بين أصابعه، فوضعها أسفل بطنه، ثم قال: يا معشر الناس، سلوني قبل أن تفقدوني، هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، هذا ما زقني رسول الله (صلى الله عليه وآله) زقا زقا، سلوني فإن عندي علم الاولين والآخرين، أما والله لوثنيت لي وسادة، فجلست عليها، لافتيت أهل التوراة بتوراتهم حتى تنطق التوراة فتقول: صدق علي ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل الله في، وأفتيت أهل الانجيل بإنجيلهم حتى ينطق الانجيل فيقول: صدق علي ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل الله في، وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتى ينطق القرآن فيقول: صدق علي ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل الله في، وأنتم تتلون القرآن ليلا ونهارا، فهل فيكم أحد يعلم ما نزل فيه؟ ولولا آية في كتاب الله عزوجل لاخبرتكم بما كان وبما يكون، وبما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي هذه الآية: (يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) (1). ثم قال: (عليه السلام): سلوني قبل أن تفقدوني، فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لو سألتموني عن أية آية، في ليل أنزلت، أو في نهار أنزلت، مكيها ومدنيها، سفريها وحضريها، ناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وتأويلها وتنزيلها، إلا أخبرتكم. فقال إليه رجل يقال له ذعلب، وكان ذرب اللسان، بليغا في الخطب، شجاع القلب، فقال: لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة، لاخجلنه اليوم لكم في مسألتي إياه. فقال: يا أمير المؤمنين، هل رأيت ربك؟ فقال: ويلك يا ذعلب لم أكن بالذي أعبد ربا لم أره. قال: فكيف رأيته؟ صفه لنا. قال: ويلك! لم تره العيون بمشاهدة الابصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان، ويلك يا ذعلب، إن ربي لا يوصف بالعبد ولا بالحركة ولا بالسكون، ولا بقيام - قيام انتصاب - ولا بجيئة ولا بذهاب، لطيف اللطافة لا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقة، مؤمن لا بعبادة، مدرك لا بمجسة (2)، قائل لا بلفظ، هو في الاشياء على غير ممازجة، خارج منها على غير مباينة، فوق كل شئ ولا يقال شئ فوقه، أمام كل شئ ولا يقال له أمام، داخل في الاشياء لا كشئ في شئ داخل، وخارج منها لا كشئ من شئ خارج. فخر ذعلب مغشيا عليه، ثم قال: تا لله ما سمعت بمثل هذا الجواب، والله لا عدت إلى مثلها. ثم قال (عليه السلام): سلوني قبل أن تفقدوني. فقام إليه الاشعث بن قيس، فقال: يا أمير المؤمنين، كيف تؤخذ من المجوس الجزية ولم ينزل عليهم كتاب، ولم يبعث إليهم نبي؟ فقال: بلى يا أشعث، قد أنزل الله عليهم كتابا، وبعث إليهم نبيا، وكان لهم ملك سكر ذات ليلة، فدعا بابنته إلى فراشه فارتكبها، فلما أصبح تسامع به قومه، فاجتمعوا إلى بابه، فقالوا: أيها الملك، دنست علينا ديننا فأهلكته، فاخرج نطهرك ونقم عليك الحد. فقال لهم: اجتمعوا واسمعوا كلامي، فإن يكن لي مخرج مما ارتكبت وإلا فشأنكم. فاجتمعوا، فقال لهم: هل علمتم أن الله عز وجل لم يخلق خلقا أكرم عليه من أبينا آدم وأمنا حواء؟ قالوا: صدقت أيها الملك. قال: أفليس قد زوج بنيه من بناته، وبناته من بينه؟ قالوا: صدقت، هذا هو الدين، فتعاقدوا على ذلك، فمحا الله ما في صدورهم من العلم، ورفع عنهم الكتاب، فهم الكفرة، يدخلون النار بلا حساب، والمنافقون أشد حالا منهم. فقال الاشعث: والله ما سمعت بمثل هذا الجواب، والله لا عدت إلى مثلها أبدا. ثم قال (عليه السلام): سلوني قبل أن تفقدوني. فقام إليه رجل من أقصى المسجد، متوكئا على عكازة، فلم يزل يتخطى الناس حتى دنا منه فقال: يا أمير المؤمنين، دلني على عمل إذا أنا عملته نجاني الله من النار. فقال له: اسمع يا هذا، ثم افهم، ثم استيقن، قامت الدنيا بثلاثة: بعالم ناطق مستعمل لعلمه، وبغني لا يبخل بماله على أهل دين الله عزوجل، وبفقير صابر، فإذا كتم العالم علمه، وبخل الغني، ولم يصبر الفقير، فعندها الويل والثبور، وعندها يعرف العارفون بالله أن الدار قد رجعت إلى بدئها، أي إلى الكفر بعد الايمان. أيها السائل، فلا تغترن بكثرة المساجد، وجماعة أقوام أجسادهم مجتمعة وقلوبهم شتى. أيها الناس، إنما الناس ثلاثة: زاهد، وراغب، وصابر، فأما الزاهد فلا يفرح بشئ من الدنيا أتاه، ولا يحزن على شئ منها فاته، وأما الصابر فيتمناها بقلبه، فإن أدرك منها شيئا صرف عنها نفسه لما يعلم من سوء عاقبتها، وأما الراغب فلا يبالي من حل أصابها أم من حرام. قال: يا أمير المؤمنين، فما علامة المؤمن في ذلك الزمان؟ قال: ينظر إلى ما أوجب الله عليه من حق فيتولاه، وينظر إلى ما خالفه فيتبرأ منه وإن كان حبيبا قريبا. قال: صدقت والله يا أمير المؤمنين، ثم غاب الرجل فلم نره، وطلبه الناس فلم يجدوه، فتبسم علي (عليه السلام) على المنبر ثم قال: ما لكم، هذا أخي الخضر (عليه السلام). ثم قال (عليه السلام): سلوني قبل أن تفقدوني. فلم يقم إليه أحد، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه (صلى الله عليه وآله)، ثم قال للحسن (عليه السلام): يا حسن، قم فاصعد المنبر، فتكلم بكلام لا تجهلك قريش من بعدي، فيقولون: إن الحسن لا يحسن شيئا. قال الحسن (عليه السلام): يا أبه، كيف أصعد وأتكلم وأنت في الناس تسمع وترى؟ قال: بأبي وأمي أواري نفسي عنك، وأسمع وأرى ولا تراني. فصعد الحسن (عليه السلام) المنبر، فحمد الله بمحامد بليغة شريفة، وصلى على النبي وآله صلاة موجزة، ثم قال: أيها الناس، سمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أنا مدينة العلم وعلي بابها، وهل تدخل المدينة إلا من بابها، ثم نزل، فوثب إليه علي (عليه السلام) فتحمله، وضمه إلى صدره. ثم قال للحسين (عليه السلام): يا بني، قم فاصعد فتكلم بكلام لا تجهلك قريش من بعدي، فيقولون: إن الحسين بن علي لا يبصر شيئا، وليكن كلامك تبعا لكلام أخيك، فصعد الحسين (عليه السلام)، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه وآله صلاة موجزة، ثم قال: معاشر الناس، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقول: إن عليا مدينة هدى، فمن دخلها نجا، ومن تخلف عنها هلك. فوثب علي (عليه السلام) فضمه إلى صدره وقبله، ثم قال: معاشر الناس، اشهدوا أنهما فرخا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووديعته التي استودعنيها، وأنا استودعكموها. معاشر الناس، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) سائلكم عنهما (1).
المجلس الخامس والخمسون، مجلس يوم الجمعة، الرابع من شهر ربيع الآخر سنة 368 هـ.
الأمالي
الكتاب 1, الباب 55
2 - حدثنا أبي (رحمه الله)، قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن أيوب بن نوح، عن محمد بن أبي عمير، عن مثنى بن الوليد الحناط، عن أبي بصير، قال: قال لي أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): أما تحزن، أما تهتم، أما تألم؟ قلت: بلى والله. قال: فإذا كان ذلك منها فاذكر الموت، ووحدتك في قبرك، وسيلان عينيك على خديك، وتقطع أوصالك، وأكل الدود من لحمك، وبلاك، وانقطاعك عن الدنيا، فإن ذلك يحثك على العمل، ويردعك عن كثير من الحرص على الدنيا (1).
3 - حدثنا أحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم (رحمه الله)، قال: حدثني أبي، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن يحيى الخثعمي، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: إن أبا ذر (رحمه الله)، مر برسول الله (صلى الله عليه وآله) وعنده جبرئيل (عليه السلام) في صورة دحية الكلبي، وقد استخلاه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما رآهما انصرف عنهما، ولم يقطع كلامهما. فقال جبرئيل (عليه السلام): يا محمد، هذا أبو ذر قد مر بنا، ولم يسلم علينا، أما لو سلم علينا لرددنا عليه. يا محمد، إن له دعاء يدعو به معروفا عند أهل السماء، فسله عنه إذا عرجت إلى السماء. فلما ارتفع جبرئيل (عليه السلام) جاء أبو ذر إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما منعك - يا أبا ذر - أن تكون قد سلمت علينا حين مررت بنا؟ فقال: ظننت - يا رسول الله - أن الذي كان معك دحية الكلبي، قد استخليته لبعض شأنك. فقال: ذاك كان جبرئيل (عليه السلام) يا أبا ذر، وقد قال: أما لو سلم علينا لرددنا عليه. فلما علم أبو ذر أنه كان جبرئيل (عليه السلام) دخله من الندامة ما شاء الله حيث لم يسلم. فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما هذا الدعاء الذي تدعو به؟ فقد أخبرني أن لك دعاء معروفا في السماء. قال: نعم يا رسول الله، أقول: اللهم إني أسألك الايمان بك، والتصديق بنبيك، والعافية من جيمع البلاء، والشكر على العافية، والغنى عن شرار الناس (1).
4 - حدثنا سليمان بن أحمد اللخمي، قال: حدثنا الحضرمي، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: حدثنا ثابت بن حماد، عن موسى بن صهيب، عن عبادة ابن نسي، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين أصحابه وترك عليا (عليه السلام)، فقال له: آخيت بين أصحابك وتركتني؟ فقال: والذي نفسي بيده، ما أخرتك إلا لنفسي، أنت أخي ووصيي ووارثي. قال: ما أرث منك، يا رسول الله؟ قال: ما أورث النبيون قبلي، أورثوا كتاب ربهم وسنة نبيهم، وأنت وابناك معي في قصري في الجنة (2).
5 - حدثنا عبد الله بن محمد الصائغ (رضي الله عنه)، قال: حدثنا أبو حاتم محمد بن عيسى بن محمد الوسقندي، قال: أخبرنا أبي، قال: حدثنا إبراهيم بن ديزيل، قال: حدثنا الحكم بن سليمان الجبلي أبو محمد، قال: حدثنا علي بن هاشم، عن مطير بن ميمون، أنه سمع أنس بن مالك يقول: حدثني سلمان الفارسي (رحمه الله)، أنه سمع نبي الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إن أخي ووزيري وخير من أخلفه بعدي علي بن أبي طالب (عليه السلام) (3).
6 - حدثنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد العلوي من ولد محمد بن علي ابن أبي طالب، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد بن موسى، قال: حدثنا أحمد بن علي، قال: حدثني أبو علي الحسن بن إبراهيم بن علي العباسي، قال: حدثني أبو سعيد عمير بن مرداس الدولقي (4)، قال: حدثني جعفر بن بشير المكي، قال: حدثنا وكيع، عن المسعودي رفعه، عن سلمان الفارسي (رحمه الله)، قال: مر إبليس بنفر يتناولون أمير المؤمنين (عليه السلام)، فوقف أمامهم، فقال القوم: من الذي وقف أمامنا؟ فقال: أنا أبو مرة. فقالوا: يا أبا مرة أما تسمع كلامنا؟ فقال: سوءة لكم، تسبون مولاكم علي بن أبي طالب! فقالوا له: من أين علمت أنه مولانا؟ فقال: من قول نبيكم: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله. فقالوا له: فأنت من مواليه وشيعته؟ فقال: ما أنا من مواليه ولا من شيعته، ولكني أحبه، وما يبغضه أحد إلا شاركته في المال والولد. فقالوا له: يا أبا مرة، فتقول في علي شيئا؟ فقال لهم: اسمعوا مني معاشر الناكثين والقاسطين والمارقين، عبدت الله عزوجل في الجان اثني عشر ألف سنة، فلما أهلك الله الجان شكوت إلى الله عزوجل الوحدة، فعرج بي إلى السماء الدنيا، فعبدت الله عزوجل في السماء الدنيا اثني عشر ألف سنة أخرى في جملة الملائكة، فبينا نحن كذلك نسبح الله عزوجل ونقدسه إذ مر بنا نور شعشعاني، فخرت الملائكة لذلك النور سجدا، فقالوا: سبوح قدوس، نور ملك مقرب أو نبي مرسل، فإذا النداء، من قبل الله عزوجل: لا نور ملك مقرب ولا نبي مرسل، هذا نور طينة علي بن أبي طالب (1).
7 - حدثنا علي بن أحمد بن موسى (رضي الله عنه)، قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدثنا موسى بن عمران النخعي، عن إبراهيم بن الحكم، عن عمرو بن جبير، عن أبيه، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) إلى اليمن، فانفلت فرس لرجل من أهل اليمن، فنفح (2) رجلا برجله فقتله، وأخذه أولياء المقتول، فرفعوه إلى علي (عليه السلام)، فأقام صاحب الفرس البينة أن الفرس انفلت من داره فنفح الرجل برجله، فأبطل علي (عليه السلام) دم الرجل، فجاء أولياء المقتول من اليمن إلى النبي (صلى الله عليه وآله) يشكون عليا (عليه السلام) فيما حكم عليهم، فقالوا: إن عليا ظلمنا، وأبطل دم صاحبنا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن عليا ليس بظلام، ولم يخلق علي للظلم، وإن الولاية من بعدي لعلي، والحكم حكمه، والقول قوله، لا يرد حكمه وقوله وولايته إلا كافر، ولا يرضى بحكمه وقوله وولايته إلا مؤمن. فلما سمع اليمانيون قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام) قالوا: يا رسول الله، رضينا بقول علي وحكمه. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هو توبتكم مما قلتم (1).