2- فروى يونس بن عبدالرحمن قال: حضر الحسين بن علي الرواسي جنازة أبي إبراهيم عليه السلام. فما وضع على شفير القبر، إذا رسول من سندي بن شاهك قد أتى أبا المض خليفته- وكان مع الجنازة-أن أكشف وجهه للناس قبل أن تدفنه حتى يروه صحيحا لم يحدث به حدث. قال: وكشف عن وجه مولاي حتى رأيته وعرفته، ثم غطي وجهه وأدخل قبره صلى الله عليه.
الأخبار الواردة في استشهاد الإمام الكاظم
3- وروى محمد بن عيسى بن عبيد العبيدي قال: أخبرتني رحيم أم ولد الحسين بن علي بن يقطين- وكانت امرأة حرة فاضلة قد حجت نيفا وعشرين حجة- عن سعيد مولى أبي الحسن عليه السلام-وكان يخدمه في الحبس ويختلف في حوائجه-أنه حضره حين مات كما يموت الناس من قوة إلى ضعف إلى أن قضى عليه السلام.
4- وروى محمد بن خالد البرقي، عن محمد بن عباد المهلبي قال:لما حبس هارون الرشيد أبا إبراهيم موسى عليه السلام وأظهر الدلائل والمعجزات وهو في الحبس تحير الرشيد، فدعا يحيى بن خالد البرمكي فقال له:يا أبا علي أما ترى ما نحن فيه من هذه العجائب، ألا تدبر في أمر هذا الرجل تدبيرا يريحنا من غمه؟ فقال له يحيى بن خالد البرمكي:الذي أراه لك يا أمير المؤمنين أن تمنن عليه وتصل رحمه، فقد- والله- أفسد علينا قلوب شيعتنا. وكان يحيى يتولاه، وهارون لا يعلم ذلك. فقال هارون: انطلق إليه وأطلق عنه الحديد، وأبلغه عني السلام، وقل له: يقول لك ابن عمك: إنه قد سبق مني فيك يمين أني لا أخليك حتى تقر لي بالاساءة، وتسألني العفو عما سلف منك، وليس عليك في إقرارك عار، ولا في مسألتك إياي منقصة. وهذا يحيى بن خالد (هو) ثقتي ووزيري، وصاحب أمري، فسله بقدر ما أخرج من يميني وانصرف راشد.
5- قال محمد بن عباد: فأخبرني موسى بن يحيى بن خالد: أن أبا إبراهيم عليه السلام قال ليحيى: يا أبا علي أنا ميت، وإنما بقي من أجلي أسبوع، أكتم موتي وائتني يوم الجمعة عند الزوال، وصل علي أنت وأوليائي فرادى، وانظر إذا سار هذا الطاغية إلى الرقة، وعاد إلى العراق لا يراك ولا تراه لنفسك، فإني رأيت في نجمك ونجم ولدك ونجمه أنه يأتي عليكم فاحذروه. ثم قال: يا أبا علي أبلغه عني:يقول لك موسى بن جعفر: رسولي يأتيك يوم الجمعة فيخبرك بما ترى، و ستعلم غدا إذا جاثيتك بين يدي الله من الظالم والمعتدي على صاحبه، والسلام. فخرج يحيى من عنده، واحمرت عيناه من البكاء حتى دخل على هارون فأخبره بقصته وما رد عليه، فقال (له) هارون: إن لم يدع النبوة بعد أيام فما أحسن حالنا. فلما كان يوم الجمعة توفي أبو إبراهيم عليه السلام، وقد خرج هارون إلى المدائن قبل ذلك، فأخرج إلى الناس حتى نظروا إليه، ثم دفن عليه السلام ورجع الناس، فافترقوا فرقتين: فرقة تقول: مات، وفرقة تقول: لم يمت.
6- وأخبرنا أحمد بن عبدون سماعا وقراءة عليه قال: أخبرنا أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني، قال: حدثني أحمد بن عبيدالله بن عمار قال: حدثنا علي بن محمد النوفلي، عن أبيه قال الأصبهاني: وحدثني أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثني يحيى بن الحسن العلوي، وحدثني غيرهما ببعض قصـته، وجمعت ذلك بعضه إلى بعض، قـالوا: كان السبب في أخـذ موسى بن جعفر عليهما السلام أن الرشيد جعل ابنه في حجر جعفر بن محمد بن الاشعث، فحسده يحيى بن خالد البرمكي وقال: إن أفضت الخلافة إليه زالت دولتي ودولة ولدي. فاحتال على جعفر بن محمد-وكان يقول بالامامة-حتى داخله وأنس إليه. وكان يكثر غشيانه في منزله، فيقف على أمره، فيرفعه إلى الرشيد ويزيد عليه بما يقدح في قلبه. ثم قال يوما لبعض ثقاته:تعرفون لي رجلا من آل أبي طالب ليس بواسع الحال يعرفني ما أحتاج (إليه)؟ فدل على علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد، فحمل إليه (يحيى بن خالد مالا). وكان موسى عليه السلام يأنس إليه ويصله، وربما أفضى إليه بأسراره كلها. فكتب ليشخص به، فأحسن موسى عليه السلام بذلك فدعاه فقال: إلى أين يا بن أخي؟ قال: إلى بغداد. قال: ما تصنع؟ قال: علي دين أنا مملق. قال: فانا أقضي دينك وأفعل بك واصنع. فلم يلتفت إلى ذلك. فقال له: أنظر يا بن أخي، لا تؤتم أولادي. وأمر له بثلثمائة دينار وأربعة آلاف درهم. فلما قام من بين يديه، قال أبوالحسن موسى عليه السلام لمن حضره:والله ليسعين في دمي، ويؤتمن أولادي. فقالوا له: جعلنـا الله فداك، فأنت تعلم هـذا من حـاله وتعطيه وتصله؟!فقـال لهم:نعم، حدثني أبي، عن آبائه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"إن الرحم إذا قطعت فوصلت قطعها الله." فخرج علي بن إسماعيل حتى أتى إلى يحيى بن خالد فتعرف منه خبر موسى بن جعفر عليه السلام ورفعه إلى الرشيد، وزاد عليه وقال له:إن الاموال تحمل إليه من المشرق والمغرب، وإن له بيوت أموال، وإنه اشترى ضيعة بثلاثين ألف دينار فسماها "اليسيرة" وقال (له) صاحبها وقد أحضر المال. لا آخذ هذا النقد، ولا آخذ إلا نقد كذ. فأمر بذلك المال فرد وأعطاه ثلاثين ألف دينار من النقد الذي سأل بعينه، فرفع ذلك كله إلى الرشيد، فأمر له بمائتي ألف درهم يسبب له على بعض النواحي فاختار كور المشرق، ومضت رسله لتقبض المال، ودخل هو في بعض الأيام إلى الخلاء فزحر زحرة خرجت منها حشوته (كله) فسقط، وجهدوا في ردها فلم يقدروا، فوقع لما به وجاءه المال وهو ينزع فقال: ما أصنع به وأنا في الموت. وحج الرشيد في تلك السنة فبدأ بقبر النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إني أعتذر إليك من شيء أريد أن أفعله، أريد أن أحبس موسى بن جعفر فإنه يريد التشتيت بأمّتك وسفك دمائها. ثم أمر به فأخذ من المسجد فادخل إليه فقيده، وأخرج من داره بغلان عليهما قبتان مغطاتان هو عليه السلام في إحداهما، ووجه مع كل واحدة منهما خيلا فأخذ بواحدة على طريق البصــرة، والأخرى على طريق الكوفة، ليعمي على الناس أمره، وكان في التي مضت إلى البصرة.وأمر الرسول أن يسلمه إلى عيسى بن جعفر بن المنصور، وكان على البصرة حينئذ فمضى به، فحبسه عنده سنة. ثم كتب إلى الرشيد أن خذه مني وسلمه إلى من شئت وإلا خليت سبيله، فقد اجتهدت بأن أجد عليه حجة، فما أقدر على ذلك حتى أني لاتسمع عليه إذا دعا لعله يدعو علي أو عليك، فما أسمعه يدعو إلا لنفسه يسأل الرحمة والمغفرة. فوجه من تسلمه منه، وحبسه عند الفضل بن الربيع ببغداد فبقي عنده مدة طويلة وأراد الرشيد على شيء من أمره فأبى. فكتب بتسليمه إلى الفضل بن يحيى فتسلمه منه وأراد ذلك منه فلم يفعل. وبلغه أنه عنده في رفاهية وهو حينئذ بالرقة. فأنفذ مسرور الخادم إلى بغداد على البريد، وأمره أن يدخل من فوره إلى موسى بن جعفر عليه السلام فيعرف خبره، فإن كان الامر على ما بلغه أوصل كتابا منه إلى العباس بن محمد وأمره بامتثاله، وأوصل كتابا منه آخر إلى السندي بن شاهك يأمره بطاعة العباس. فقدم مسرور فنزل دار الفضل بن يحيى لا يدري أحد ما يريد، ثم دخل على موسى بن جعفر عليه السلام فوجده على ما بلغ الرشيد، فمضى من فوره إلى العباس بن محمد والسندي، فأوصل الكتابين إليهما. فلم يلبث الناس أن خرج الرسول يركض إلى الفضل بن يحيى، فركب معه وخرج مشدوهاً دهشاً، حتى دخل (على) العباس، فدعا بسياط وعقابين. فوجه ذلك إلى السندي، وأمر بالفضل فجرد ثم ضربه مائة سوط، وخرج متغير اللون خلاف ما دخل، فاذهبت نخوته، فجعل يسلم على الناس يمينا وشمالا. وكتب مسرور بالخبر إلى الرشيد، فأمر بتسليم موسى عليه السلام إلى السندي بن شاهك وجلس مجلسا حافلا، وقال: أيها الناس إن الفضل بن يحيى قد عصاني وخالف طاعتي ورأيت أن ألعنه فالعنوه. فلعنه الناس من كل ناحية حتى ارتج البيت والدار بلعنه. وبلغ يحيى بن خالد فركب إلى الرشيد، ودخل من غير الباب الذي يدخل الناس منه حتى جاءه من خلفه وهو لا يشعر، ثم قال له: التفت إلي يا أمير المؤمنين. فأصغى إليه فزعا فقال له: إن الفضل حدث، وأنا أكفيك ما تريد. فانطلق وجهه وسر، وأقبل على الناس فقال: إن الفضل كان عصاني في شيء فلعنته، وقد تاب وأناب إلى طاعتي فتولوه. فقالوا له:نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت وقد توليناه. ثم خرج يحيى بن خالد بنفسه على البريد حتى أتى بغداد، فماج الناس وأرجفوا بكل شيء. فأظهر أنه ورد لتعديل السواد والنظر في أمر العمال، وتشاغل ببعض ذلك ودعا السندي فأمره فيه بأمره، فامتثله. وسأل موسى عليه السلام السندي عند وفاته أن يحضره مولى له ينزل عند دار العباس بن محمد في أصحاب القصب ليغسله، ففعل ذلك. قال: سألته أن يأذن لي أن أكفنه فأبى وقال: إنا أهل بيت مهور نسائنا وحج صرورتنا وأكفان موتانا من طهرة أموالنا، وعندي كفني. فلما مات أدخل عليه الفقهاء ووجوه أهل بغداد وفيهم: الهيثم بن عدي وغيره، فنظروا إليه لا أثر به، وشهدوا على ذلك، وأخرج فوضع على الجسر ببغداد ونودي: هذا موسى بن جعفر قد مات فانظروا إليه. فجعل الناس يتفرسون في وجهه وهو ميت. قال: وحدثني رجل من بعض الطالبيين أنه نودي عليه: هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنه لا يموت فانظروا إليه. فنظروا إليه. قالوا: وحمل فدفن في مقابر قريش، فوقع قبره إلى جانب رجل من النوفليين يقال له عيسى بن عبد الله.
7- وروى محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن الحسن بن محمد بن بشار قال حدثني شيخ من أهل قطيعة الربيع من العامة ممن كان يقبل قوله، قال:جمعنا السندي بن شاهك ثمانين رجلا من الوجوه المنسوبين إلى الخير فأدخلنا على موسى بن جعفر عليه السلام، وقال لنا السندي:يا هؤلاء انظروا إلى هذا الرجل هل حدث به حدث؟ فإن أمير المؤمنين لم يرد به سوء، وإنما ننتظر به أن يقدم ليناظره وهو صحيح موسع عليه في جميع أموره فسلوه وليس لنا هم إلا النظر إلى الرجل في فضله وسمته. فقال موسى بن جعفر عليه السلام:أما ما ذكره من التوسعة وما أشبهها فهو على ما ذكر، غير أني أخبركم أيها النفر إني قد سقيت السم في سبع تمرات وأنا غدا أخضر وبعد غد أموت. فنظرت إلى السندي بن شاهك يضطرب ويرتعد مثل السعفة. فموته عليه السلام أشهر من أن يحتاج إلى ذكر الرواية به، لأن المخالف في ذلك يدفع الضرورات، والشك في ذلك يؤدي إلى الشك في موت كل واحد من آبائه وغيرهم فلا يوثق بموت أحد. على أن المشهور عنه عليه السلام أنه وصى إلى ابنه علي بن موسى عليه السلام وأسند إليه أمره بعد موته، والأخبار بذلك أكثر من أن تحصى، نذكر منها طرفا ولو كان حيا باقيا لما احتاج إليه.