6- وأخبرنا أحمد بن عبدون سماعا وقراءة عليه قال: أخبرنا أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني، قال: حدثني أحمد بن عبيدالله بن عمار قال: حدثنا علي بن محمد النوفلي، عن أبيه قال الأصبهاني: وحدثني أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثني يحيى بن الحسن العلوي، وحدثني غيرهما ببعض قصـته، وجمعت ذلك بعضه إلى بعض، قـالوا: كان السبب في أخـذ موسى بن جعفر عليهما السلام أن الرشيد جعل ابنه في حجر جعفر بن محمد بن الاشعث، فحسده يحيى بن خالد البرمكي وقال: إن أفضت الخلافة إليه زالت دولتي ودولة ولدي. فاحتال على جعفر بن محمد-وكان يقول بالامامة-حتى داخله وأنس إليه. وكان يكثر غشيانه في منزله، فيقف على أمره، فيرفعه إلى الرشيد ويزيد عليه بما يقدح في قلبه. ثم قال يوما لبعض ثقاته:تعرفون لي رجلا من آل أبي طالب ليس بواسع الحال يعرفني ما أحتاج (إليه)؟ فدل على علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد، فحمل إليه (يحيى بن خالد مالا). وكان موسى عليه السلام يأنس إليه ويصله، وربما أفضى إليه بأسراره كلها. فكتب ليشخص به، فأحسن موسى عليه السلام بذلك فدعاه فقال: إلى أين يا بن أخي؟ قال: إلى بغداد. قال: ما تصنع؟ قال: علي دين أنا مملق. قال: فانا أقضي دينك وأفعل بك واصنع. فلم يلتفت إلى ذلك. فقال له: أنظر يا بن أخي، لا تؤتم أولادي. وأمر له بثلثمائة دينار وأربعة آلاف درهم. فلما قام من بين يديه، قال أبوالحسن موسى عليه السلام لمن حضره:والله ليسعين في دمي، ويؤتمن أولادي. فقالوا له: جعلنـا الله فداك، فأنت تعلم هـذا من حـاله وتعطيه وتصله؟!فقـال لهم:نعم، حدثني أبي، عن آبائه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"إن الرحم إذا قطعت فوصلت قطعها الله." فخرج علي بن إسماعيل حتى أتى إلى يحيى بن خالد فتعرف منه خبر موسى بن جعفر عليه السلام ورفعه إلى الرشيد، وزاد عليه وقال له:إن الاموال تحمل إليه من المشرق والمغرب، وإن له بيوت أموال، وإنه اشترى ضيعة بثلاثين ألف دينار فسماها "اليسيرة" وقال (له) صاحبها وقد أحضر المال. لا آخذ هذا النقد، ولا آخذ إلا نقد كذ. فأمر بذلك المال فرد وأعطاه ثلاثين ألف دينار من النقد الذي سأل بعينه، فرفع ذلك كله إلى الرشيد، فأمر له بمائتي ألف درهم يسبب له على بعض النواحي فاختار كور المشرق، ومضت رسله لتقبض المال، ودخل هو في بعض الأيام إلى الخلاء فزحر زحرة خرجت منها حشوته (كله) فسقط، وجهدوا في ردها فلم يقدروا، فوقع لما به وجاءه المال وهو ينزع فقال: ما أصنع به وأنا في الموت. وحج الرشيد في تلك السنة فبدأ بقبر النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إني أعتذر إليك من شيء أريد أن أفعله، أريد أن أحبس موسى بن جعفر فإنه يريد التشتيت بأمّتك وسفك دمائها. ثم أمر به فأخذ من المسجد فادخل إليه فقيده، وأخرج من داره بغلان عليهما قبتان مغطاتان هو عليه السلام في إحداهما، ووجه مع كل واحدة منهما خيلا فأخذ بواحدة على طريق البصــرة، والأخرى على طريق الكوفة، ليعمي على الناس أمره، وكان في التي مضت إلى البصرة.وأمر الرسول أن يسلمه إلى عيسى بن جعفر بن المنصور، وكان على البصرة حينئذ فمضى به، فحبسه عنده سنة. ثم كتب إلى الرشيد أن خذه مني وسلمه إلى من شئت وإلا خليت سبيله، فقد اجتهدت بأن أجد عليه حجة، فما أقدر على ذلك حتى أني لاتسمع عليه إذا دعا لعله يدعو علي أو عليك، فما أسمعه يدعو إلا لنفسه يسأل الرحمة والمغفرة. فوجه من تسلمه منه، وحبسه عند الفضل بن الربيع ببغداد فبقي عنده مدة طويلة وأراد الرشيد على شيء من أمره فأبى. فكتب بتسليمه إلى الفضل بن يحيى فتسلمه منه وأراد ذلك منه فلم يفعل. وبلغه أنه عنده في رفاهية وهو حينئذ بالرقة. فأنفذ مسرور الخادم إلى بغداد على البريد، وأمره أن يدخل من فوره إلى موسى بن جعفر عليه السلام فيعرف خبره، فإن كان الامر على ما بلغه أوصل كتابا منه إلى العباس بن محمد وأمره بامتثاله، وأوصل كتابا منه آخر إلى السندي بن شاهك يأمره بطاعة العباس. فقدم مسرور فنزل دار الفضل بن يحيى لا يدري أحد ما يريد، ثم دخل على موسى بن جعفر عليه السلام فوجده على ما بلغ الرشيد، فمضى من فوره إلى العباس بن محمد والسندي، فأوصل الكتابين إليهما. فلم يلبث الناس أن خرج الرسول يركض إلى الفضل بن يحيى، فركب معه وخرج مشدوهاً دهشاً، حتى دخل (على) العباس، فدعا بسياط وعقابين. فوجه ذلك إلى السندي، وأمر بالفضل فجرد ثم ضربه مائة سوط، وخرج متغير اللون خلاف ما دخل، فاذهبت نخوته، فجعل يسلم على الناس يمينا وشمالا. وكتب مسرور بالخبر إلى الرشيد، فأمر بتسليم موسى عليه السلام إلى السندي بن شاهك وجلس مجلسا حافلا، وقال: أيها الناس إن الفضل بن يحيى قد عصاني وخالف طاعتي ورأيت أن ألعنه فالعنوه. فلعنه الناس من كل ناحية حتى ارتج البيت والدار بلعنه. وبلغ يحيى بن خالد فركب إلى الرشيد، ودخل من غير الباب الذي يدخل الناس منه حتى جاءه من خلفه وهو لا يشعر، ثم قال له: التفت إلي يا أمير المؤمنين. فأصغى إليه فزعا فقال له: إن الفضل حدث، وأنا أكفيك ما تريد. فانطلق وجهه وسر، وأقبل على الناس فقال: إن الفضل كان عصاني في شيء فلعنته، وقد تاب وأناب إلى طاعتي فتولوه. فقالوا له:نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت وقد توليناه. ثم خرج يحيى بن خالد بنفسه على البريد حتى أتى بغداد، فماج الناس وأرجفوا بكل شيء. فأظهر أنه ورد لتعديل السواد والنظر في أمر العمال، وتشاغل ببعض ذلك ودعا السندي فأمره فيه بأمره، فامتثله. وسأل موسى عليه السلام السندي عند وفاته أن يحضره مولى له ينزل عند دار العباس بن محمد في أصحاب القصب ليغسله، ففعل ذلك. قال: سألته أن يأذن لي أن أكفنه فأبى وقال: إنا أهل بيت مهور نسائنا وحج صرورتنا وأكفان موتانا من طهرة أموالنا، وعندي كفني. فلما مات أدخل عليه الفقهاء ووجوه أهل بغداد وفيهم: الهيثم بن عدي وغيره، فنظروا إليه لا أثر به، وشهدوا على ذلك، وأخرج فوضع على الجسر ببغداد ونودي: هذا موسى بن جعفر قد مات فانظروا إليه. فجعل الناس يتفرسون في وجهه وهو ميت. قال: وحدثني رجل من بعض الطالبيين أنه نودي عليه: هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنه لا يموت فانظروا إليه. فنظروا إليه. قالوا: وحمل فدفن في مقابر قريش، فوقع قبره إلى جانب رجل من النوفليين يقال له عيسى بن عبد الله.