فإن قيل: قد مضى في كلامكم أنا نعلم موت موسى بن جعفر عليهما السلام كما نعلم موت أبيه وجده عليهما السلام فعليكم لقائل أن يقول: إنا نعلم أنه لم يكن للحسن بن علي ابن كما نعلم أنه لم يكن له عشرة بنين وكما نعلم أنه لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ابن لصلبه عاش بعد موته. فإن قلتم لو علمنا أحدهما كما نعلم الآخر لما جاز أن يقع فيه خلاف كما لا يجوز أن يقع الخلاف في الآخر. قيل لمخالفكم أن يقول ولو علمنا موت محمد بن الحنفية وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر عليهم السلام كما نعلم موت محمد بن علي بن الحسين عليهما السلام لما وقع الخلاف في أحدهما كما لم يجز أن يقع في الآخر.
في اعتراضات المخالفين بشأن ولادة الإمام المهدي عليه السلام
قلنا نفي ولادة الأولاد من الباب الذي لا يصح أن يعلم صدوره في موضع من المواضع ولا يمكن أحدا أن يدعي فيمن لم يظهر له ولد أن يعلم أنه لا ولد له وإنما يرجع في ذلك إلى غالب الظن والأمارة بأنه لو كان له ولد لظهر وعرف خبره لأن العقلاء قد تدعوهم الدواعي إلى كتمان أولادهم لأغراض مختلفة. فمن الملوك من يخفيه خوفا عليه وإشفاقا وقد وجد من ذلك كثير في عادة الأكاسرة والملوك الأول وأخبارهم معروفة. وفي الناس من يولد له ولد من بعض سراياه أو ممن تزوج بها سرا فيرمى به ويجحده خوفا من وقوع الخصومة مع زوجته وأولاده الباقين وذلك أيضا يوجد كثيرا في العادة. وفي الناس من يتزوج بامرأة دنية في المنزلة والشرف وهو من ذوي الأقدار والمنازل فيولد له فيأنف من إلحاقه به فيجحده أصلا.وفيهم من يتحرج فيعطيه شيئا من ماله. وفي الناس من يكون من أدونهم نسبا فيتزوج بامرأة ذات شرف ومنزلة لهوى منها فيه بغير علم من أهلها أما بأن يزوجه نفسها بغير ولي على مذهب كثير من الفقهاء أو تولى أمرها الحاكم فيزوجها على ظاهر الحال، فيولد له فيكون الولد صحيحا وتنتفي منه أنفه وخوفا من أوليائها وأهلها،وغير ذلك من الأسباب التي لا نطول بذكرها الكتاب. فلا يمكن ادعاء نفي الولادة جملة وإنما نعلم ما نعلمه إذا كانت الأحوال سليمة ونعلم أنه لا مانع من ذلك فحينئذ نعلم انتفاءه. فأما علمنا بأنه لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ابن عاش بعده فإنما علمناه لما علمنا عصمته ونبوته ولو كان له ولد لأظهره لأنه لا مخافة عليه في إظهاره،وعلمنا أيضا بإجماع الأمة على أنه لم يكن له ابن عاش بعده. ومثل ذلك لا يمكن أن يدعى العلم به في ابن الحسن عليه السلام لأن الحسن عليه السلام كان كالمحجور عليه وفي حكم المحبوس وكان الولد يخاف عليه لما علم وانتشر من مذهبهم أن الثاني عشر هو القائم بالأمر المؤمل لإزالة الدول،فهو مطلوب لا محالة وخاف أيضا من أهله كجعفر أخيه الذي طمع في الميراث والأموال فلذلك أخفاه ووقعت الشبهة في ولادته. ومثل ذلك لا يمكن ادعاء العلم به في موت من علم موته لأن الميت مشاهد معلوم يعرف بشاهد الحال موته وبالأمارات الدالة عليه يضطر من رآه إلى ذلك فإذا أخبر من لم يشاهده علمه واضطر إليه وجرى الفرق بين الموضعين.مثل ما يقول الفقهاء في الأحكام الشرعية من أن البينة إنما يمكن أن تقوم على إثبات الحقوق لا على نفيها لأن النفي لا يقوم عليه بينة إلا إذا كان تحته إثبات فبان الفرق بين الموضعين لذلك.
فإن قيل العادة تسوي بين الموضعين لأن الموت قد يشاهد الرجل يحتضر كما تشاهد القوابل الولادة وليس كل أحد يشاهد احتضار غيره كما أنه ليس كل أحد يشاهد ولادة غيره ولكن أظهر ما يمكن في علم الإنسان بموت غيره إذا لم يكن يشاهده أن يكون جاره ويعلم بمرضه ويتردد في عيادته ثم يعلم بشدة مرضه ويشتد الخوف من موته ثم يسمع الواعية من داره ولا يكون في الدار مريض غيره ويجلس أهله للعزاء وآثار الحزن والجزع عليهم ظاهرة ثم يقسم ميراثه ثم يتمادى الزمان ولا يشاهد ولا يعلم لأهله غرض في إظهار موته وهو حي. فهذه سبيل الولادة لأن النساء يشاهدن الحمل ويتحدثن بذلك سيما إذا كانت حرمة رجل نبيه يتحدث الناس بأحوال مثله وإذا استسر بجـارية في بعض المواضـع لم يخف تردده إليهـا ثم إذا ولد المولود ظهر البشر والسرور في أهل الدار وهنأهم الناس إذا كان المهنأ جليل القدر وانتشر ذلك وتحدث على حسب جلالة قدره ويعلم الناس أنه قد ولد مولود سيما إذا علم أنه لا غرض في أن يظهر أنه ولد له ولد ولم يولد له. فمتى اعتبرنا العادة وجدناها في الموضعين على سواء وإن نقض الله العادة فإنه يمكن في أحدهما مثل ما يمكن في الآخر فإنه قد يجوز أن يمنع الله ببعض الشواغل عن مشاهدة الحامل وعن أن يحضر ولادتها إلا عدد يؤمن مثلهم على كتمان أمره ثم ينقله الله من مكان الولادة إلى قلة جبل أو برية لا أحد فيها ولا يطلع على ذلك الأمر إلا من لا يظهره إلا على المأمون مثله. وكما يجوز ذلك فإنه يجوز أن يمرض الإنسان ويتردد إليه عواده فإذا اشتد حاله وتوقع موته وكان يؤيس من حياته نقله الله إلى قلة جبل وصير مكانه شخصا ميتا يشبهه كثيرا من الشبه ثم يمنع بالشواغل وغيرها من مشاهدته إلا لمن يوثق به ثم يدفن الشخص ويحضر جنازته من كان يتوقع موته ولا يرجو حياته فيتوهم أن المدفون هو ذاك العليل. وقد يسكن نبض الإنسان وتنفسه وينقض الله العادة ويغيبه عنهم وهو حي لأن الحي منا إنما يحتاج إليهما لإخراج البخارات المحترقة مما حول القلب بإدخال هواء بارد صاف ليروح عن القلب وقد يمكن أن يفعل الله من البرودة في الهواء المحدق بالقلب ما يجري مجرى هواء بارد يدخلها بالتنفس فيكون الهواء المحدق بالقلب أبدا باردا ولا يحترق منه شيء لأن الحرارة التي تحصل فيه تقوم بالبرودة.
والجواب أنا نقول أولا أنه لا يلتجئ من يتكلم في الغيبة إلى مثل هذه الخرافات إلا من كان مفلسا من الحجة عاجزا عن إيراد شبهة قوية غير متمكن من الكلام عليها بما يرتضي مثله فعند ذلك يلتجئ إلى مثل هذه التمويهات والتذليقات. ونحن نتكلم على ذلك على ما به فنقول إن ما ذكر من الطريق الذي به يعلم موت الإنسان ليس بصحيح على كل وجه لأنه قد يتفق جميع ذلك وينكشف عن باطل بأن يكون لمن أظهر ذلك غرض حكمي فيظهر التمارض ويتقدم إلى أهله بإظهار جميع ذلك ليختبر به أحوال غيره ممن له عليه طاعة أو إمرة وقد سبق الملوك كثيرا والحكماء إلى مثل ذلك وقد يدخل عليهم أيضا شبهة بأن يلحقه علة سكتة فيظهرون جميع ذلك ثم ينكشف عن باطل وذلك أيضا معلوم بالعادات وإنما يعلم الموت بالمشاهدة وارتفاع الحس وجمود النبض ويستمر ذلك أوقاتا كثيرة ربما انضاف إلى ذلك أمارات معلومة بالعادة من جرب المرضى ومارسهم يعلم ذلك.
وهذه حالة موسى بن جعفر عليهماالسلام فإنه أظهر للخلق الكثير الذين لا يخفى على مثلهم الحال ولا يجوز عليهم دخول الشبهة في مثله. وقوله بأنه يجوز أن يغيب الله الشخص ويحضر شخصا على شبهه على أصله لا يصح لأن هذا يسد باب الأدلة ويؤدي إلى الشك في المشاهدات وأن جميع ما نراه ليس هو الذي رأيناه بالأمس ويلزم الشك في موت جميع الأموات ويجيء منه مذهب الغلاة والمفوضة الذين نفوا القتل عن أمير المؤمنين عليه السلام وعن الحسين عليه السلام وما أدى إلى ذلك يجب أن يكون باطلا. وما قاله أن الله يفعل داخل الجوف حول القلب من البرودة ما ينوب مناب الهواء ضرب من هوس الطب ومع ذلك يؤدي إلى الشك في موت جميع الأموات على ما قلناه على أن على قانون الطب حركات النبض والشريانات من القلب وإنما يبطل ببطلان الحرارة الغريزية فإذا فقد حركات النبض علم بطلان الحرارة وعلم عند ذلك موته وليس ذلك بموقوف على التنفس ولهذا يلتجئون إلى النبض عند انقطاع النفس أو ضعفه فيبطل ما قالوه. وحمله الولادة على ذلك وما ادعاه من ظهور الأمر فيه صحيح متى فرضنا الأمر على ما قاله من أنه يكون الحمل لرجل نبيه وقد علم إظهاره ولا مانع من ستره وكتمانه ومتى فرضنا كتمانه وستره لبعض الأغراض التي قدمنا بعضها لا يجب العلم به ولا اشتهاره. على أن الولادة في الشرع قد استقر أن يثبت بقول القابلة ويحكم بقولها في كونه حيا أو ميتا فإذا جاز ذلك كيف لا يقبل قول جماعة نقلوا ولادة صاحب الأمر عليه السلام وشاهدوه وشاهدوا من شاهده من الثقات. ونحن نورد الأخبار في ذلك عمن رآه وحكى له.وقد أجاز صاحب السؤال أن يعرض في ذلك عارض يقتضي المصلحة أنه إذا ولد أن ينقله الله إلى قلة جبل أو موضع يخفى فيه أمره ولا يطلع عليه أحد وإنما ألزم على ذلك عارضا في الموت وقد بينا الفصل بين الموضعين.