قلنا نفي ولادة الأولاد من الباب الذي لا يصح أن يعلم صدوره في موضع من المواضع ولا يمكن أحدا أن يدعي فيمن لم يظهر له ولد أن يعلم أنه لا ولد له وإنما يرجع في ذلك إلى غالب الظن والأمارة بأنه لو كان له ولد لظهر وعرف خبره لأن العقلاء قد تدعوهم الدواعي إلى كتمان أولادهم لأغراض مختلفة. فمن الملوك من يخفيه خوفا عليه وإشفاقا وقد وجد من ذلك كثير في عادة الأكاسرة والملوك الأول وأخبارهم معروفة. وفي الناس من يولد له ولد من بعض سراياه أو ممن تزوج بها سرا فيرمى به ويجحده خوفا من وقوع الخصومة مع زوجته وأولاده الباقين وذلك أيضا يوجد كثيرا في العادة. وفي الناس من يتزوج بامرأة دنية في المنزلة والشرف وهو من ذوي الأقدار والمنازل فيولد له فيأنف من إلحاقه به فيجحده أصلا.وفيهم من يتحرج فيعطيه شيئا من ماله. وفي الناس من يكون من أدونهم نسبا فيتزوج بامرأة ذات شرف ومنزلة لهوى منها فيه بغير علم من أهلها أما بأن يزوجه نفسها بغير ولي على مذهب كثير من الفقهاء أو تولى أمرها الحاكم فيزوجها على ظاهر الحال، فيولد له فيكون الولد صحيحا وتنتفي منه أنفه وخوفا من أوليائها وأهلها،وغير ذلك من الأسباب التي لا نطول بذكرها الكتاب. فلا يمكن ادعاء نفي الولادة جملة وإنما نعلم ما نعلمه إذا كانت الأحوال سليمة ونعلم أنه لا مانع من ذلك فحينئذ نعلم انتفاءه. فأما علمنا بأنه لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ابن عاش بعده فإنما علمناه لما علمنا عصمته ونبوته ولو كان له ولد لأظهره لأنه لا مخافة عليه في إظهاره،وعلمنا أيضا بإجماع الأمة على أنه لم يكن له ابن عاش بعده. ومثل ذلك لا يمكن أن يدعى العلم به في ابن الحسن عليه السلام لأن الحسن عليه السلام كان كالمحجور عليه وفي حكم المحبوس وكان الولد يخاف عليه لما علم وانتشر من مذهبهم أن الثاني عشر هو القائم بالأمر المؤمل لإزالة الدول،فهو مطلوب لا محالة وخاف أيضا من أهله كجعفر أخيه الذي طمع في الميراث والأموال فلذلك أخفاه ووقعت الشبهة في ولادته. ومثل ذلك لا يمكن ادعاء العلم به في موت من علم موته لأن الميت مشاهد معلوم يعرف بشاهد الحال موته وبالأمارات الدالة عليه يضطر من رآه إلى ذلك فإذا أخبر من لم يشاهده علمه واضطر إليه وجرى الفرق بين الموضعين.مثل ما يقول الفقهاء في الأحكام الشرعية من أن البينة إنما يمكن أن تقوم على إثبات الحقوق لا على نفيها لأن النفي لا يقوم عليه بينة إلا إذا كان تحته إثبات فبان الفرق بين الموضعين لذلك.