3 - حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق (رحمه الله)، قال: حدثنا عبد العزيز ابن يحيى البصري، قال: أخبرنا محمد بن زكريا، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يزيد، قال: حدثني أبو نعيم، قال: حدثني حاجب عبيد الله بن زياد، أنه لما جيئ برأس الحسين (عليه السلام) أمر فوضع بين يديه في طست من ذهب، وجعل يضرب بقضيب في يده على ثناياه ويقول: لقد أسرع الشيب إليك يا أبا عبد الله. فقال رجل من القوم: مه، فإني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يلثم حيث تضع قضيبك. فقال: يوم بيوم بدر. ثم أمر بعلي بن الحسين (عليه السلام) فغل، وحمل مع النسوة والسبايا إلى السجن، وكنت معهم، فما مررنا بزقاق إلا وجدناه ملئ رجالا ونساء، يضربون وجوههم ويبكون، فحبسوا في سجن وطبق (2) عليهم. ثم إن ابن زياد (لعنه الله) دعا بعلي بن الحسين (عليه السلام) والنسوة، وأحضر رأس الحسين (عليه السلام)، وكانت زينب بنت علي (عليه السلام) فيهم، فقال ابن زياد: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم، وأكذب أحاديثكم. فقالت زينب: الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد وطهرنا تطهيرا، إنما يفضح الله الفاسق ويكذب الفاجر. قال: كيف رأيت صنع الله بكم أهل البيت؟ قالت: كتب عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتتحاكمون عنده. فغضب ابن زياد (لعنه الله) عليها، وهم بها، فسكن منه عمرو بن حريث، فقالت زينب: يا بن زياد، حسبك ما ارتكبت منا، فلقد قتلت رجالنا، وقطعت أصلنا، وأبحت حريمنا، وسبيت نساءنا وذرارينا، فإن كان ذلك للاشتفاء فقد اشتفيت. فأمر ابن زياد بردهم إلى السجن، وبعث البشائر إلى النواحي بقتل الحسين (عليه السلام). ثم أمر بالسبايا ورأس الحسين (عليه السلام) فحملوا إلى الشام، فلقد حدثني جماعة كانوا خرجوا في تلك الصحبة: أنهم كانوا يسمعون بالليالي نوح الجن على الحسين (عليه السلام) إلى الصباح، وقالوا: فلما دخلنا دمشق أدخل بالنساء والسبايا بالنهار مكشفات الوجوه، فقال أهل الشام الجفاة: ما رأينا سبايا أحسن من هؤلاء، فمن أنتم؟ فقالت سكينة بنت الحسين (عليه السلام): نحن سبايا آل محمد. فأقيموا على درج المسجد حيث يقام السبايا، وفيهم علي بن الحسين (عليهما السلام)، وهو يومئذ فتى شاب، فأتاهم شيخ من أشياخ أهل الشام، فقال لهم: الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وقطع قرن الفتنة. فلم يأل عن شتمهم، فلما انقضى كلامه، قال له علي بن الحسين (عليهما السلام): أما قرأت كتاب الله عز وجل؟ قال: نعم. قال: أما قرأت هذه الآية (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (1)؟ قال: بلى. قال: فنحن أولئك. ثم قال: أما قرأت (وءات ذا القربى حقه) (2)؟ قال: بلى. قال: فنحن هم. قال: فهل قرأت هذه الآية: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (3)؟ قال: بلى. قال: فنحن هم. فرفع الشامي يده إلى السماء، ثم قال: اللهم إني أتوب إليك. ثلاث مرات، اللهم إني أبرأ إليك من عدو آل محمد، ومن قتلة أهل بيت محمد، لقد قرأت القرآن فما شعرت بهذا قبل اليوم. ثم أدخل نساء الحسين (عليه السلام) على يزيد بن معاوية، فصحن نساء آل يزيد وبنات معاوية وأهله، وولو لن وأقمن المأتم، ووضع رأس الحسين (عليه السلام) بين يديه، فقالت سكينة: والله ما رأيت أقسى قلبا من يزيد، ولا رأيت كافرا ولا مشركا شرا منه ولا أجفى منه، وأقبل يقول وينظر إلى الرأس: ليت أشياخي ببدر شهدوا * * جزع الخزرج من وقع الاسل ثم أمر برأس الحسين (عليه السلام)، فنصب على باب مسجد دمشق، فروي عن فاطمة بنت على (عليه السلام)، أنها قالت: لما أجلسنا بين يدي يزيد بن معاوية رق لنا أول شئ وألطفنا، ثم إن رجلا من أهل الشام أحمر قام إليه، فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه الجارية. يعنيني، وكنت جارية وضيئة، فأرعبت وفرقت (1)، وظننت أنه يفعل ذلك، فأخذت بثياب أختي، وهي أكبر مني وأعقل، فقالت: كذبت والله ولعنت، ما ذاك لك ولا له. فغضب يزيد (لعنه الله) فقال: بل كذبت والله، لو شئت لفعلته. قالت: لا والله، ما جعل الله ذلك لك، إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا. فغضب يزيد (لعنه الله)، ثم قال: إياي تستقبلين بهذا؟! إنما خرج من الدين أبوك وأخوك. فقالت: بدين الله ودين أخي وأبي وجدي اهتديت أنت وجدك وأبوك. قال: كذبت يا عدوة الله. قالت: أمير يشتم ظالما ويقهر بسلطانه. قالت: فكأنه (لعنه الله) استحيى فسكت، فأعاد الشامي (لعنه الله) فقال يا أمير المؤمنين، هب لي هذه الجارية. فقال له: اغرب (2)، وهب الله لك حتفا قاضيا (3).