وجوب معرفة المهدى وإثبات الغيبة والحكمة فيها

كمال الدين وتمام النعمة|المجلّد 1|الكتاب 1|الباب 6

كمال الدين وتمام النعمة

الكتاب 1, الباب 6

وجوب معرفة المهدى وإثبات الغيبة والحكمة فيها
حديث واحد · شرحان
الشرح 1

و لا يكون الإيمان صحيحا من مؤمن إلا من بعد علمه بحال من يؤمن به كما قال الله تبارك و تعالى‌ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ‌ فلم يوجب لهم صحة ما يشهدون به إلا من بعد علمهم ثم كذلك لن ينفع إيمان من آمن بالمهدي القائم عليه السلام حتى يكون عارفا بشأنه في حال غيبته   و ذلك أن الأئمة عليه السلام قد أخبروا بغيبته عليه السلام و وصفوا كونها لشيعتهم فيما نقل عنهم و استحفظ في الصحف و دون في الكتب المؤلفة من قبل أن تقع الغيبة بمائتي سنة أو أقل أو أكثر فليس أحد من أتباع الأئمة عليه السلام إلا و قد ذكر ذلك في كثير من كتبه و رواياته و دونه في مصنفاته و هي الكتب التي تعرف بالأصول مدونة مستحفظة عند شيعة آل محمد عليه السلام من قبل الغيبة بما ذكرنا من السنين و قد أخرجت ما حضرني من الأخبار المسندة في الغيبة في هذا الكتاب في مواضعها فلا يخلو حال هؤلاء الأتباع المؤلفين للكتب أن يكونوا علموا الغيب بما وقع الآن من الغيبة فألفوا ذلك في كتبهم و دونوه في مصنفاتهم من قبل كونها و هذا محال عند أهل اللب و التحصيل أو أن يكونوا قد أسسوا في كتبهم الكذب فاتفق الأمر لهم كما ذكروا و تحقق كما وضعوا من كذبهم على بعد ديارهم و اختلاف آرائهم و تباين أقطارهم و محالهم و هذا أيضا محال كسبيل الوجه الأول  فلم يبق في ذلك إلا أنهم حفظوا عن أئمتهم المستحفظين للوصية عليه السلام عن رسول الله ص من ذكر الغيبة و صفة كونها في مقام بعد مقام إلى آخر المقامات ما دونوه في كتبهم و ألفوه في أصولهم و بذلك و شبهه فلج الحق‌ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً و إن خصومنا و مخالفينا من أهل الأهواء المضلة قصدوا لدفع الحق و عناده بما وقع من غيبة صاحب زماننا القائم عليه السلام و احتجابه عن أبصار المشاهدين ليلبسوا بذلك على من لم تكن معرفته متقنة و لا بصيرته مستحكمة. فأقول و بالله التوفيق إن الغيبة التي وقعت لصاحب زماننا عليه السلام قد لزمت حكمتها و بان حقها و فلجت حجتها للذي شاهدناه و عرفناه من آثار حكمة الله عز و جل و استقامة تدبيره في حججه المتقدمة في الأعصار السالفة مع أئمة الضلال و تظاهر الطواغيت و استعلاء الفراعنة في الحقب الخالية و ما نحن بسبيله في زماننا هذا من تظاهر أئمة الكفر بمعونة أهل الإفك و العدوان و البهتان. و ذلك أن خصومنا طالبونا بوجود صاحب زماننا عليه السلام كوجود من تقدمه من الأئمة عليه السلام فقالوا إنه قد مضى على قولكم من عصر وفاة نبينا عليه السلام أحد عشر إماما كل منهم كان موجودا معروفا باسمه و شخصه بين الخاص و العام فإن لم يوجد كذلك فقد فسد عليكم أمر من تقدم من أئمتكم كفساد أمر صاحب زمانكم هذا في عدمه و تعذر وجوده.  فأقول و بالله التوفيق إن خصومنا قد جهلوا آثار حكمة الله تعالى و أغفلوا مواقع الحق و مناهج السبيل في مقامات حجج الله تعالى مع أئمة الضلال في دول الباطل في كل عصر و زمان إذ قد ثبت أن ظهور حجج الله تعالى في مقاماتهم في دول الباطل على سبيل الإمكان و التدبير لأهل الزمان فإن كانت الحال ممكنة في استقامة تدبير الأولياء لوجود الحجة بين الخاص و العام كان ظهور الحجة كذلك و إن كانت الحال غير ممكنة من استقامة تدبير الأولياء لوجود الحجة بين الخاص و العام و كان استتاره مما توجبه الحكمة و يقتضيه التدبير حجبه الله و ستره إلى وقت بلوغ الكتاب أجله- كما قد وجدنا من ذلك في حجج الله المتقدمة من عصر وفاة آدم عليه السلام إلى حين زماننا هذا منهم المستخفون و منهم المستعلنون بذلك جاءت الآثار و نطق الكتاب‌.

الحديث 1

فَمِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْبَرْقِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ أَبِي الدَّيْلَمِ قَالَ قَالَ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ع‌ يَا عَبْدَ الْحَمِيدِ إِنَّ لِلَّهِ رُسُلًا مُسْتَعْلِنِينَ وَ رُسُلًا مُسْتَخْفِينَ فَإِذَا سَأَلْتَهُ بِحَقِّ الْمُسْتَعْلِنِينَ فَسَلْهُ بِحَقِّ الْمُسْتَخْفِينَ .. و تصديق ذلك من الكتاب قوله تعالى‌ وَ رُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَ رُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى‌ تَكْلِيماً

الشرح 2

فكانت حجج الله تعالى كذلك من وقت وفاة آدم عليه السلام إلى وقت ظهور إبراهيم عليه السلام أوصياء مستعلنين و مستخفين فلما كان وقت كون إبراهيم عليه السلام ستر الله شخصه و أخفى ولادته لأن الإمكان في ظهور الحجة كان متعذرا في زمانه و كان إبراهيم عليه السلام في سلطان نمرود مستترا لأمره و كان غير مظهر نفسه و نمرود يقتل أولاد رعيته و أهل مملكته في طلبه إلى أن دلهم إبراهيم عليه السلام على نفسه و أظهر لهم أمره بعد أن بلغت الغيبة أمدها و وجب إظهار ما أظهره للذي أراده الله في إثبات حجته و إكمال دينه فلما كان وقت وفاة إبراهيم عليه السلام كان له أوصياء حججا لله عز و جل في أرضه يتوارثون الوصية  كذلك مستعلنين و مستخفين إلى وقت كون موسى عليه السلام فكان فرعون يقتل أولاد بني إسرائيل في طلب موسى عليه السلام الذي قد شاع من ذكره و خبر كونه فستر الله ولادته ثم قذفت به أمه في اليم كما أخبر الله عز و جل في كتابه‌ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ‌ و كان موسى عليه السلام في حجر فرعون يربيه و هو لا يعرفه و فرعون يقتل أولاد بني إسرائيل في طلبه ثم كان من أمره بعد أن أظهر دعوته و دلهم على نفسه ما قد قصّه الله عز و جل في كتابه فلمَّا كان وقت‌ وفاة موسى عليه السلام كان له أوصياء حججا لله  كذلك مستعلنين و مستخفين إلى وقت ظهور عيسى ع. فظهر عيسى عليه السلام في ولادته معلنا لدلائله مظهرا لشخصه شاهرا لبراهينه غير مخف لنفسه لأن زمانه كان زمان إمكان ظهور الحجة كذلك. ثم كان له من بعده أوصياء حججا لله عز و جل كذلك مستعلنين و مستخفين إلى وقت ظهور نبينا ص فقال الله عز و جل له في الكتاب‌ ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ‌ ثم قال عز و جل‌ سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا فكان مما قيل له و لزم من سنته على إيجاب سنن من تقدمه من الرسل إقامة الأوصياء له كإقامة من تقدمه لأوصيائهم فأقام رسول الله ص أوصياء كذلك و أخبر بكون المهدي خاتم الأئمة عليه السلام و أنه يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما نقلت الأمة ذلك بأجمعها عنه و أن عيسى عليه السلام ينزل في وقت ظهوره فيصلي خلفه فحفظت ولادات الأوصياء و مقاماتهم في مقام بعد مقام إلى وقت ولادة صاحب زماننا عليه السلام المنتظر للقسط و العدل كما أوجبت الحكمة باستقامة التدبير غيبة من ذكرنا من الحجج المتقدمة بالوجود.   وَ ذَلِكَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ الْمُتَسَالَمَ بَيْنَ الْخَاصِّ وَ الْعَامِّ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمِلَّةِ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَالِدَ صَاحِبِ زَمَانِنَا عليه السلام قَدْ كَانَ وَكَّلَ بِهِ طَاغِيَةُ زَمَانِهِ إِلَى وَقْتِ وَفَاتِهِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ عليه السلام وَكَّلَ بِحَاشِيَتِهِ وَ أَهْلِهِ وَ حُبِسَتْ جَوَارِيهِ وَ طُلِبَ مَوْلُودُهُ هَذَا أَشَدَّ الطَّلَبِ وَ كَانَ أَحَدَ الْمُتَوَلِّيَيْنِ عَلَيْهِ عَمُّهُ جَعْفَرٌ أَخُو الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بِمَا ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْإِمَامَةِ وَ رَجَا أَنْ يَتُمَّ لَهُ ذَلِكَ بِوُجُودِ ابْنِ أَخِيهِ صَاحِبِ الزَّمَانِ ع. فجرت السنة في غيبته بما جرى من سنن غيبة من ذكرنا من الحجج المتقدمة و لزم من حكمة غيبته عليه السلام ما لزم من حكمة غيبتهم.