الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم عليه السلام

الخصال|المجلّد 1|الكتاب 6|الباب 75

الخصال

الكتاب 6, الباب 75

الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم عليه السلام
حديث واحد
الحديث 1

5-85 حدثنا علي بن أحمد بن موسى رضي الله عنه قال: حدثنا حمزة بن القاسم العلوي العباسي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مالك الكوفي الفزاري قال: حدثنا محمد بن الحسين بن زيد الزيات قال: حدثنا محمد بن زياد الازدي، عن المفضل ابن عمر، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل: "وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ" ما هذه الكلمات؟قال: هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه وهو أنه قال: يارب أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين الا تبت علي، فتاب الله عليه إنه هو التواب الرحيمفقلت له: يا ابن رسول الله فما يعني عز وجل بقوله "فَأَتَمَّهُنَّ"؟قال: يعني فأتمهن إلى القائم عليه السلام اثني عشر إماما تسعة من ولد الحسينقال المفضل: فقلت له: يا ابن رسول الله فأخبرني عن قول الله عز وجل: "وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ."قال: يعني بذلك الامامة جعلها الله في عقب الحسين إلى يوم القيامةقال: فقلت له: يا ابن رسول الله فكيف صارت الامامة في ولد الحسين دون ولد الحسن عليهما السلام، وهما جميعا ولدا رسول صلى الله عليه وآله وسبطاه وسيدا شباب أهل الجنة؟فقال عليه السلام: إن موسى وهارون كانا نبيين مرسلين أخوين فجعل الله النبوة في صلب هارون دون صلب موسى، ولم يكن لاحد أن يقول: لم فعل الله ذلك، وإن الامامة خلافة [من] الله عز وجل ليس لاحد أن يقول: لم جعلها الله في صلب الحسين دون صلب الحسن، لان الله هو الحكيم في أفعاله، لا يسئل عما يفعل وهم يسألونولقول الله تبارك وتعالى "وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ" وجه آخر وما ذكرناه أصله والابتلاء على ضربين أحدهما يستحيل على الله تعالى ذكره، والآخر جائز، فاما ما يستحيل فهو أن يختبره ليعلم ما تكشف الايام عنه، وهذا ما لا يصح له لانه عز وجل علام الغيوب، والضرب الآخر من الابتلاء أن يبتليه حتى يصبر فيما يبتليه به فيكون ما يعطيه من العطاء على سبيل الاستحقاق، ولينظر إليه الناظر فيقتدي به، فيعلم من حكمة الله عز وجل أنه لم يكل أسباب الامامة إلا إلى الكافي المستقل، الذي كشفت الايام عنه بخبره، فاما الكلمات فمنها ما ذكرناه، ومنها اليقين وذلك قول الله عز وجل: "وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ" ومنها المعرفة بقدم باريه وتوحيده وتنزيهه عن التشبيه حين نظر إلى الكوكب، والقمر والشمس فاستدل بأفول كل واحد منها على حدثه وبحدثه على محدثه، ثم علمه عليه السلام بأن الحكم بالنجوم خطأ في قوله عز وجل: "فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ" وإنما قيده الله سبحانه بالنظرة الواحدة لان النظرة الواحدة لا توجب الخطأ إلا بعد النظرة الثانية بدلالة قول النبي صلى الله عليه وآله لما قال لامير المؤمنين عليه السلام: "يا علي أول النظرة لك، والثانية عليك لا لك"، ومنها الشجاعة وقد كشفت الايام والاصنام عنه بدلالة قوله عز وجل: "إِذْ قَالَ ِلأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ, قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ, قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ, قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنْ اللاَّعِبِينَ, قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ, وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ، فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ."ومقاومة الرجل الواحد ألوفا من أعداء الله عز وجل تمام الشجاعة، ثم الحلم مضمن معناه في قوله عز وجل: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ" ثم السخاء وبيانه في حديث ضيف إبراهيم المكرمين، ثم العزلة عن أهل البيت والعشيرة مضمن معناه في قوله: "وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا" والامر بالمعروف والنهي عن المنكر بيان ذلك في قوله عز وجل: "يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا، يَاأَبَتِ لاَ تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا" ودفع السيئة بالحسنة، وذلك لما قال له أبوه: "اراغب أنت عن آلهتي ياإبراهيم لئن لم تنته لارجمنك واهجرني مليا" فقال في جواب أبيه "سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا" والتوكل بيان ذلك في قوله: "الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ, وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ, وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ, وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ, وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ "ثم الحكم والانتماء إلى الصالحين في قوله: "رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين" يعني بالصالحين الذين لا يحكمون إلا بحكم الله عز وجل، ولا يحكمون بالآراء والمقائيس حتى يشهد له من يكون بعده من الحجج بالصدق بيان ذلك في قوله:"وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ" أراد به هذه الامة الفاضلة فأجابه الله وجعل له ولغيره من أنبيائه لسان صدق في الآخرين، وهو علي بن أبي طالب عليه السلام وذلك قوله عز وجل:"وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ."والمحنة في النفس حين جعل في المنجنيق وقذف به في النار، ثم المحنة في الولد حين امر بذبح ابنه إسماعيل، ثم المحنة بالاهل حين خلص الله عز وجل حرمته من عزازة القبطي المذكور في هذه القصة، ثم الصبر على سوء خلق سارة، ثم استقصار النفس في الطاعة في قوله:"ولا تخزني يوم يبعثون" ثم النزاهة في قوله عز وجل: "مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ" ثم الجمع لاشراط الكلمات في قوله: قُلْ "إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ." فقد جمع في قوله "مَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" جميع أشراط الطاعات كلها حتى لا تعزب عنه عازبة ولا تغيب عن معانيها غائبة. ثم استجابة الله دعوته حين قال: "رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى" وهذه آية متشابهة معناها أنه سأل عن الكيفية والكيفية من فعل الله عز وجل متى لم يعلمها العالم لم يلحقه عيب، ولا عرض في توحيده نقص، فقال الله عز وجل: "أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قَالَ بَلَى" هذا شرط عامة من آمن به متى سئل واحد منهم "أَوَلَمْ تُؤْمِنْ" وجب أن يقول: بلى، كما قال إبراهيم، ولما قال الله عز وجل لجميع أرواح بني آدم: "أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى" قال: أول من قال بلى محمد صلى الله عليه وآله فصار بسبقه إلى "بلى" سيد الاولين والآخرين، وأفضل النبيين والمرسلين.فمن لم يجب عن هذه المسألة بجواب إبراهيم فقد رغب عن ملته، قال الله عز وجل: "وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ" ثم اصطفاء الله عزوجل إياه في الدنيا ثم شهادته له في العاقبة أنه من الصالحين في قوله عز وجـل :" وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ." والصالحون هم النبي والائمة صلوات الله عليهم أجمعين الاخذون عن اله عز وجل أمره ونهية والملتمسون للصلاح من عنده والمجتنبون للرأي والقياس في دينه في قوله: "إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ" ثم اقتداء من بعده من الانبياء عليهم السلام به في قوله عز وجل: "وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" وفي قوله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله، "ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" وفي قوله عز وجل: "مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ" وأشراط كلمات الامام مأخوذة مما تحتاج إليه الامة من جهته من مصالح الدنيا والآخرةوقول إبراهيم عليه السلام: "وَمِنْ ذُرِّيَّتِي" "من" حرف تبعيض ليعلم أن من الذرية من يستحق الامامة، ومنهم من لا يستحق الامامة، هذا من جملة المسلمين، وذلك أنه يستحيل أن يدعو إبراهيم بالامامة للكافر أو للمسلم الذي ليس بمعصوم، فصح أن باب التبعيض وقع على خواص المؤمنين والخواص إنما صاروا خواصا بالبعد عن الكفر، ثم من اجتنب الكبائر صار من جملة الخواص أخص، ثم المعصوم هو الخاص الاخص ولو كان للتخصيص صورة أربى عليه لجعل ذلك من أوصاف الامامقد سمى الله عز وجل عيسى من ذرية إبراهيم وكان ابن ابنته من بعده، ولما صح أن ابن البنت ذرية ودعا إبراهيم لذريته بالامامة وجب على محمد صلى الله عليه وآله الاقتداء به في وضع الامامة في المعصومين من ذريته حذو النعل بالنعل بعد ما أوحى الله عز وجل إليه وحكم عليه بقوله "ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" ولو خالف ذلك لكان داخـلا في قـولـه عـزوجل: "وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ" جل نبي الله عن ذلكوقال الله عز وجل: "إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا" وأمير المؤمنين عليه السلام أبوذرية النبي صلى الله عليه وآله ووضع لامامية فيه وضعها في ذريته المعصومينوقوله عز وجل: "لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ" عني به أن الامامة لا تصلح لمن قد عبد صنما أو وثنا أو أشرك بالله طرفة عين وإن أسلم بعد ذلك والظلم وضع الشئ في غير موضعهوأعظم الظلم الشرك قال الله عز وجل: "إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" وكذلك لا تصلح الامامة لمن قد ارتكب من المحارم شيئا صغيرا كان أو كبيرا وإن تاب منه بعد ذلك، وكذلك لا يقم الحد من في جنبه حد فاذا لا يكون الامام إلا معصوما ولا تعلم عصمته إلا بنص الله عز وجل عليه على لسان نبيه صلى الله عليه وآله لان العصمة ليست في ظاهر الخلقة فترى كالسواد والبياض وما أشبه ذلك وهي مغيبة لا تعرف إلا بتعريف علام الغيوب عز وجل