تأسيس أصل أصيل واضح
و اعلم ايدك اللَّه بتأييده أن كل قرآن وحي و منزل بالضرورة عند المسلمين و ما نقل في تفسير كونه وحياً من الفلاسفة القدماء و الطبيعين باطل قطعاً ولكن ليس كل وحي و منزل، قرآن جزما فقد أوحى اللَّه تعالى و أنزل الى رسوله الخاتم اموراً نقلها المسلمون في موارد مختلفة و لا أثر لها في القرآن المجيد، ففي كتاب البخاري (كتاب فضائل القرآن) روى عن صفوان ... فقال: يا رسول اللَّه كيف ترى في رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بطيب فنظر النبي صلى الله عليه و آله ساعة فجاءه الوحي ... ثم سرى عنه فقال: اين الذي يسألني عن العمرة آنفاً فالتمس الرجل فجيء به الى النّبي صلى الله عليه و آله فقال: أمّا الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرّات و اما الجبّة فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك. و من الواضح عدم ذكر هذا الحكم في القرآن المجيد و مثله كثير يظهر من الحديث و التاريخ، و على هذا فالروايات الواردة في بعض آيات القرآن الناطقة بأن الجملة نزلت هكذا أي زائدا على ما في القرآن الموجود لا دلالة لها على نقص القرآن و تحريفه كما تخيله بعضهم قصوراً او عناداً. فان العام لا يدل على الخاص.
اقسام التحريف: 1- نقل الشيء عن موضعه و تحويله الى غيره «مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ» و لا شك لأحد في وقوع مثل هذا التحريف في القرآن الكريم فان كل من فسر القرآن بغير واقعه، و بآرائه و أهوائه فقد حرفه. 2- النقص أو الزيادة في حروف أو في الحركات مع حفظ القرآن و عدم ضياعه و ان لم يكن متميزا في الخارج عن غيره. و التحريف بهذالمعنى ايضا واقع قطعا بعد عدم تواتر القراءات فان القرآن المنزل مطابق لأحدي القراءات و غيرها إمّا زيادة أو نقيصة. 3- التحريف بالزيادة و النقيصة و في الآية و السورة مع التحفظ على القرآن المنزل والتسالم على قرائة النبي صلى الله عليه و آله إياه و هذا ايضاً واقع كالبسملة حيث تسالم المسلمون على أنّ النبي قرءها قبل كلّ سورة غير سورة البرائة و قد وقع الخلاف في كونها من القرآن أم لا؟ ذهب الشيعة و جماعة من أهل السنة الى الاول و ذهب جمع من أهل السنة الى الثاني.
4- التحريف بالزيادة بمعنى ان بعض المصحف الذي بأيدينا ليس من الكلام المنزل و هذا مما لم يقل به احد من المسلمين بل قيل انه مما علم بطلانه بالضرورة.
5- التحريف بالنقيصة بمعنى ان المصحف الذي بأيدينا لا يشتمل على جميع القرآن فقد ضاع بعضه على الامة و هذا هو مورد النزاع. و المعروف و المشهور بين الشيعة بطلانه ايضاً خلافا لجماعة منهم و جماعةمن أهل السنة.
و قد تعرّض للمقام بوجه مفصّل و مدلّل سيدنا الاستاذ الخوئي (مدظله) في كتابه البيان و من شاءالوقوف على حقيقة الحال فليراجعه من ص 225 الى ص 254 الطبعة الاخيرة المطبوعة بالكويت.
النظرة الثانية الى روايات الباب:
الروايات المعتبرة الدلالة على النقيصة من طريق الشيعة قليلة جدا كما عرفت في هذا الباب و لعل المتتبع يجد في هذا الكتاب بعضها الآخر ايضا و أنا لا أظن بوجود عشرة روايات معتبر سنداً تدل دلالة واضحة على تحريف القرآن المجيد بالمعنى المتنازع فيه فما أبعد قول من يدعي دلالة ألفي حديث من طريق الشيعة عليه!! و أسوء منه قول جملة من المعاندين و النصاب و اهل الباطل حيث جعلوا هذا القول وسيلة و ذريعة للتشنيع و الطعن على شيعة آل محمد صلى الله عليه و آله فذرهم في خوضهم يلعبون و اما الروايات الواردة من طريق اهل السنة في هذا المعنى فهي كثيرة واردة في صحاحهم بل بعضها يدل على نقص السورتين من القرآن[1] و بحثه موكول الى محلّه لكن المشهور المتسالم عليه اليوم بيننا و بينهم هو سلامة القرآن عن النقص فلا يجوز الشغب في المسألة ولايصح صدوره إلّاعن أجير استوجر لتضعيف الاسلام أو أحمق متعصب يحب الجاه عند العوام و اللَّه لا يصلح عمل المفسدين.
لا يقال: القرآن الذي دوّنه اميرالمؤمنين عليه السلام لم يصل الينا و من دقّ نظره في كيفية تدوينه من قبل الصحابة في خلافة ابي بكر و عثمان مع فقدان الوسائل حينذاك ربما يظن ظنا قوياً او يطمئن بنقص ما جمعه الصحابة، فكيف تنكرونه.
قلت: نعم، لو لا حفظ المسلمين القرآن عن الظهر فليس اعتماد المدوّنين و الجامعين على مجرد الالواح و الكتابات بل على ما حفظوه في صدورهم مصداقا لقوله تعالى «وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» فافهم المقام.