حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَطَّانُ وَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيُ قَالُوا حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا الْقَطَّانُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبَرْمَكِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ الْهَيْثَمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنْ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى الشَّامِ تَاجِراً سَنَةَ ثَمَانٍ مِنْ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ص وَ كَانَ فِي أَشَدِّ مَا يَكُونُ مِنَ الْحَرِّ فَلَمَّا أَجْمَعْتُ عَلَى السَّيْرِ قَالَ لِي رِجَالٌ مِنْ قَوْمِي مَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ بِمُحَمَّدٍ وَ عَلَى مَنْ تُخَلِّفُهُ فَقُلْتُ لَا أُرِيدُ أَنْ أُخَلِّفَهُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ مَعِي فَقِيلَ غُلَامٌ صَغِيرٌ فِي حَرٍّ مِثْلِ هَذَا تُخْرِجُهُ مَعَكَ فَقُلْتُ وَ اللَّهِ لَا يُفَارِقُنِي حَيْثُمَا تَوَجَّهْتُ أَبَداً فَإِنِّي لَأُوَطِّئُ لَهُ الرَّحْلَ فَذَهَبْتُ فَحَشَوْتُ لَهُ حَشِيَّةً كِسَاءً وَ كَتَّاناً وَ كُنَّا رُكْبَاناً كَثِيراً فَكَانَ وَ اللَّهِ الْبَعِيرُ الَّذِي عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ أَمَامِي لَا يُفَارِقُنِي- وَ كَانَ يَسْبِقُ الرَّكْبَ كُلَّهُمْ فَكَانَ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ جَاءَتْ سَحَابَةٌ بَيْضَاءُ مِثْلَ قِطْعَةِ ثَلْجٍ فَتُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَتَقِفُ عَلَى رَأْسِهِ لَا تُفَارِقُهُ وَ كَانَتْ رُبَّمَا أَمْطَرَتْ عَلَيْنَا السَّحَابَةُ بِأَنْوَاعِ الْفَوَاكِهِ وَ هِيَ تَسِيرُ مَعَنَا وَ ضَاقَ الْمَاءُ بِنَا فِي طَرِيقِنَا حَتَّى كُنَّا لَا نُصِيبُ قِرْبَةً إِلَّا بِدِينَارَيْنِ وَ كُنَّا حَيْثُ مَا نَزَلْنَا تَمْتَلِئُ الْحِيَاضُ وَ يَكْثُرُ الْمَاءُ وَ تَخْضَرُّ الْأَرْضُ فَكُنَّا فِي كُلِّ خِصْبٍ وَ طِيبٍ مِنَ الْخَيْرِ وَ كَانَ مَعَنَا قَوْمٌ قَدْ وَقَفَتْ جِمَالُهُمْ فَمَشَى إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ص وَ مَسَحَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَسَارَتْ فَلَمَّا قَرُبْنَا مِنْ بُصْرَى الشَّامِ إِذَا نَحْنُ بِصَوْمَعَةٍ قَدْ أَقْبَلَتْ تَمْشِي كَمَا تَمْشِي الدَّابَّةُ السَّرِيعَةُ حَتَّى إِذَا قَرُبَتْ مِنَّا وَقَفَتْ وَ إِذَا فِيهَا رَاهِبٌ وَ كَانَتِ السَّحَابَةُ لَا تُفَارِقُ رَسُولَ اللَّهِ ص سَاعَةً وَاحِدَةً وَ كَانَ الرَّاهِبُ لَا يُكَلِّمُ النَّاسَ وَ لَا يَدْرِي مَا الرَّكْبُ وَ لَا مَا فِيهِ مِنَ التِّجَارَةِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى النَّبِيِّ ص عَرَفَهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ فَأَنْتَ أَنْتَ قَالَ فَنَزَلْنَا تَحْتَ شَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الرَّاهِبِ قَلِيلَةِ الْأَغْصَانِ لَيْسَ لَهَا حَمْلٌ وَ كَانَتِ الرُّكْبَانُ تَنْزِلُ تَحْتَهَا فَلَمَّا نَزَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ص اهْتَزَّتِ الشَّجَرَةُ وَ أَلْقَتْ أَغْصَانَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص وَ حَمَلَتْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الْفَاكِهَةِ فَاكِهَتَانِ لِلصَّيْفِ وَ فَاكِهَةٌ لِلشِّتَاءِ فَتَعَجَّبَ جَمِيعُ مَنْ مَعَنَا مِنْ ذَلِكَ فَلَمَّا رَأَى بَحِيرَى الرَّاهِبُ ذَلِكَ ذَهَبَ فَاتَّخَذَ لِرَسُولِ اللَّهِ ص طَعَاماً بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِ ثُمَّ جَاءَ وَ قَالَ مَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَ هَذَا الْغُلَامِ فَقُلْتُ أَنَا فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ تَكُونُ مِنْهُ فَقُلْتُ أَنَا عَمُّهُ فَقَالَ يَا هَذَا إِنَّ لَهُ أعمام [أَعْمَاماً] فَأَيُّ الْأَعْمَامِ أَنْتَ فَقُلْتُ أَنَا أَخُو أَبِيهِ مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّهُ هُوَ وَ إِلَّا فَلَسْتُ بَحِيرَى ثُمَّ قَالَ لِي يَا هَذَا تَأْذَنُ لِي أَنْ أُقَرِّبَ هَذَا الطَّعَامَ مِنْهُ لِيَأْكُلَهُ فَقُلْتُ لَهُ قَرِّبْهُ إِلَيْهِ وَ رَأَيْتُهُ كَارِهاً لِذَلِكَ وَ الْتَفَتُّ إِلَى النَّبِيِّ ص فَقُلْتُ يَا بُنَيَّ رَجُلٌ أَحَبَّ أَنْ يُكْرِمَكَ فَكُلْ فَقَالَ هُوَ لِي دُونَ أَصْحَابِي فَقَالَ بَحِيرَى نَعَمْ هُوَ لَكَ خَاصَّةً فَقَالَ النَّبِيُّ ص فَإِنِّي لَا آكُلُ دُونَ هَؤُلَاءِ فَقَالَ بَحِيرَى إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي أَكْثَرُ مِنْ هَذَا فَقَالَ أَ فَتَأْذَنُ يَا بَحِيرَى إِلَى أَنْ يَأْكُلُوا مَعِي فَقَالَ بَلَى فَقَالَ كُلُوا بِسْمِ اللَّهِ فَأَكَلَ وَ أَكَلْنَا مَعَهُ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ كُنَّا مِائَةً وَ سَبْعِينَ رَجُلًا وَ أَكَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا حَتَّى شَبِعَ وَ تَجَشَّأَ وَ بَحِيرَى قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ص يَذُبُّ عَنْهُ وَ يَتَعَجَّبُ مِنْ كَثْرَةِ الرِّجَالِ وَ قِلَّةِ الطَّعَامِ وَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ يُقَبِّلُ رَأْسَهُ وَ يَافُوخَهُ وَ يَقُولُ هُوَ هُوَ وَ رَبِّ الْمَسِيحِ وَ النَّاسُ لَا يَفْقَهُونَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الرَّكْبِ إِنَّ لَكَ لَشَأْناً قَدْ كُنَّا نَمُرُّ بِكَ قَبْلَ الْيَوْمِ فَلَا تَفْعَلُ بِنَا هَذَا الْبِرَّ فَقَالَ بَحِيرَى وَ اللَّهِ إِنَّ لِي لَشَأْناً وَ شَأْناً وَ إِنِّي لَأَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَ إِنَّ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ لَغُلَاماً لَوْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنْهُ مَا أَعْلَمُ لَحَمَلْتُمُوهُ عَلَى أَعْنَاقِكُمْ حَتَّى تَرُدُّوهُ إِلَى وَطَنِهِ وَ اللَّهِ مَا أَكْرَمْتُكُمْ إِلَّا لَهُ وَ لَقَدْ رَأَيْتُ لَهُ وَ قَدْ أَقْبَلَ نُوراً أَضَاءَ لَهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ لَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالًا فِي أَيْدِيهِمْ مَرَاوِحُ الْيَاقُوتِ وَ الزَّبَرْجَدِ يُرَوِّحُونَهُ وَ آخَرِينَ يَنْثُرُونَ عَلَيْهِ أَنْوَاعَ الْفَوَاكِهِ ثُمَّ هَذِهِ السَّحَابَةُ لَا تُفَارِقُهُ ثُمَّ صَوْمَعَتِي مَشَتْ إِلَيْهِ كَمَا تَمْشِي الدَّابَّةُ عَلَى رِجْلِهَا ثُمَّ هَذِهِ الشَّجَرَةُ لَمْ تَزَلْ يَابِسَةً قَلِيلَةَ الْأَغْصَانِ وَ لَقَدْ كَثُرَتْ أَغْصَانُهَا وَ اهْتَزَّتْ وَ حَمَلَتْ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الْفَوَاكِهِ فَاكِهَتَانِ لِلصَّيْفِ وَ فَاكِهَةٌ لِلشِّتَاءِ ثُمَّ هَذِهِ الْحِيَاضُ الَّتِي غَارَتْ وَ ذَهَبَ مَاؤُهَا أَيَّامَ تَمَرُّجِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ الْحَوَارِيِّينَ حِينَ وَرَدُوا عَلَيْهِمْ فَوَجَدْنَا فِي كِتَابِ شَمْعُونَ الصَّفَا أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِمْ فَغَارَتْ وَ ذَهَبَ مَاؤُهَا ثُمَّ قَالَ مَتَى مَا رَأَيْتُمْ قَدْ ظَهَرَ فِي هَذِهِ الْحِيَاضِ الْمَاءُ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ لِأَجْلِ نَبِيٍّ يَخْرُجُ فِي أَرْضِ تِهَامَةَ مُهَاجِراً إِلَى الْمَدِينَةِ اسْمُهُ فِي قَوْمِهِ الْأَمِينُ وَ فِي السَّمَاءِ أَحْمَدُ وَ هُوَ مِنْ عِتْرَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ لِصُلْبِهِ فَوَ اللَّهِ إِنَّهُ لَهُوَ ثُمَّ قَالَ بَحِيرَى يَا غُلَامُ أَسْأَلُكَ عَنْ ثَلَاثِ خِصَالٍ بِحَقِّ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِيهَا فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ص عِنْدَ ذِكْرِ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى وَ قَالَ لَا تَسْأَلْنِي بِهِمَا فَوَ اللَّهِ مَا أَبْغَضْتُ شَيْئاً كَبُغْضِهِمَا وَ إِنَّمَا هُمَا صَنَمَانِ مِنْ حِجَارَةٍ لِقَوْمِي فَقَالَ بَحِيرَى هَذِهِ وَاحِدَةٌ ثُمَّ قَالَ فَبِاللَّهِ إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي فَقَالَ سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ فَإِنَّكَ قَدْ سَأَلْتَنِي بِإِلَهِي وَ إِلَهِكَ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَقَالَ أَسْأَلُكَ عَنْ نَوْمِكَ وَ يَقَظَتِكَ فَأَخْبَرَهُ عَنْ نَوْمِهِ وَ يَقَظَتِهِ وَ أُمُورِهِ وَ جَمِيعِ شَأْنِهِ فَوَافَقَ ذَلِكَ مَا عِنْدَ بَحِيرَى مِنْ صِفَتِهِ الَّتِي عِنْدَهُ فَانْكَبَّ عَلَيْهِ بَحِيرَى فَقَبَّلَ رِجْلَيْهِ وَ قَالَ يَا بُنَيَّ مَا أَطْيَبَكَ وَ أَطْيَبَ رِيحَكَ يَا أَكْثَرَ النَّبِيِّينَ أَتْبَاعاً يَا مَنْ بَهَاءُ نُورِ الدُّنْيَا مِنْ نُورِهِ يَا مَنْ بِذِكْرِهِ تُعْمَرُ الْمَسَاجِدُ كَأَنِّي بِكَ قَدْ قُدْتَ الْأَجْنَادَ وَ الْخَيْلَ وَ قَدْ تَبِعَكَ الْعَرَبُ وَ الْعَجَمُ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ كَأَنِّي بِاللَّاتِ وَ الْعُزَّى وَ قَدْ كَسَرْتَهُمَا وَ قَدْ صَارَ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ لَا يَمْلِكُهُ غَيْرُكَ تَضَعُ مَفَاتِيحَهُ حَيْثُ تُرِيدُ كَمْ مِنْ بَطَلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَ الْعَرَبِ تَصْرَعُهُ مَعَكَ مَفَاتِيحُ الْجِنَانِ وَ النِّيرَانِ مَعَكَ الذَّبْحُ الْأَكْبَرُ وَ هَلَاكُ الْأَصْنَامِ أَنْتَ الَّذِي لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَدْخُلَ الْمُلُوكُ كُلُّهَا فِي دِينِكَ صَاغِرَةً قَمِيئَةً فَلَمْ يَزَلْ يُقَبِّلُ يَدَيْهِ مَرَّةً وَ رِجْلَيْهِ مَرَّةً وَ يَقُولُ لَئِنْ أَدْرَكْتُ زَمَانَكَ لَأَضْرِبَنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالسَّيْفِ ضَرْبَ الزَّنْدِ بِالزَّنْدِ أَنْتَ سَيِّدُ وُلْدِ آدَمَ وَ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ وَ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ وَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَ اللَّهِ لَقَدْ ضَحِكَتِ الْأَرْضُ يَوْمَ وُلِدْتَ فَهِيَ ضَاحِكَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَرَحاً بِكَ وَ اللَّهِ لَقَدْ بَكَتِ الْبِيَعُ وَ الْأَصْنَامُ وَ الشَّيَاطِينُ فَهِيَ بَاكِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَنْتَ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ وَ بُشْرَى عِيسَى أَنْتَ الْمُقَدَّسُ الْمُطَهَّرُ مِنْ أَنْجَاسِ الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي طَالِبٍ وَ قَالَ مَا يَكُونُ هَذَا الْغُلَامُ مِنْكَ فَإِنِّي أَرَاكَ لَا تُفَارِقُهُ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ هُوَ ابْنِي فَقَالَ مَا هُوَ بِابْنِكَ وَ مَا يَنْبَغِي لِهَذَا الْغُلَامِ أَنْ يَكُونَ وَالِدُهُ الَّذِي وَلَدَهُ حَيّاً وَ لَا أُمُّهُ فَقَالَ إِنَّهُ ابْنُ أَخِي وَ قَدْ مَاتَ أَبُوهُ وَ أُمُّهُ حَامِلَةٌ بِهِ وَ مَاتَتْ أُمُّهُ وَ هُوَ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ فَقَالَ صَدَقْتَ هَكَذَا هُوَ وَ لَكِنْ أَرَى لَكَ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَى بَلَدِهِ عَنْ هَذَا الْوَجْهِ فَإِنَّهُ مَا بَقِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَهُودِيٌّ وَ لَا نَصْرَانِيٌّ وَ لَا صَاحِبُ كِتَابٍ إِلَّا وَ قَدْ عَلِمَ بِوِلَادَةِ هَذَا الْغُلَامِ وَ لَئِنْ رَأَوْهُ وَ عَرَفُوا مِنْهُ مَا قَدْ عَرَفْتُ أَنَا مِنْهُ لَيَبْغِيَنَّهُ شَرّاً وَ أَكْثَرُ ذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ وَ لِمَ ذَلِكَ قَالَ لِأَنَّهُ كَائِنٌ لِابْنِ أَخِيكَ هَذِهِ النُّبُوَّةُ وَ الرِّسَالَةُ وَ يَأْتِيهِ النَّامُوسُ الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى وَ عِيسَى فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ كَلَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيُضَيِّعَهُ ثُمَّ خَرَجْنَا بِهِ إِلَى الشَّامِ فَلَمَّا قَرُبْنَا مِنَ الشَّامِ رَأَيْتُ وَ اللَّهِ قُصُورَ الشَّامَاتِ كُلَّهَا قَدِ اهْتَزَّتْ وَ عَلَا مِنْهَا نُورٌ أَعْظَمُ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ فَلَمَّا تَوَسَّطْنَا الشَّامَ مَا قَدَرْنَا أَنْ نَجُوزَ سُوقَ الشَّامِ مِنْ كَثْرَةِ مَا ازْدَحَمُوا النَّاسُ وَ يَنْظُرُونَ إِلَى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ ذَهَبَ الْخَبَرُ فِي جَمِيعِ الشَّامَاتِ حَتَّى مَا بَقِيَ فِيهَا حِبْرٌ وَ لَا رَاهِبٌ إِلَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَجَاءَ حِبْرٌ عَظِيمٌ كَانَ اسْمُهُ نَسْطُورَا فَجَلَسَ حِذَاهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَ لَا يُكَلِّمُهُ بِشَيْءٍ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةً فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ لَمْ يَصْبِرْ حَتَّى قَامَ إِلَيْهِ فَدَارَ خَلْفَهُ كَأَنَّهُ يَلْتَمِسُ مِنْهُ شَيْئاً فَقُلْتُ لَهُ يَا رَاهِبُ كَأَنَّكَ تُرِيدُ مِنْهُ شَيْئاً فَقَالَ أَجَلْ إِنِّي أُرِيدُ مِنْهُ شَيْئاً مَا اسْمُهُ قُلْتُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَتَغَيَّرَ وَ اللَّهِ لَوْنُهُ ثُمَّ قَالَ فَتَرَى أَنْ تَأْمُرَهُ أَنْ يَكْشِفَ لِي عَنْ ظَهْرِهِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ فَكَشَفَ عَنْ ظَهْرِهِ فَلَمَّا رَأَى الْخَاتَمَ انْكَبَّ عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ وَ يَبْكِي ثُمَّ قَالَ يَا هَذَا أَسْرِعْ بِرَدِّ هَذَا الْغُلَامِ إِلَى مَوْضِعِهِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ فَإِنَّكَ لَوْ تَدْرِي كَمْ عَدُوٍّ لَهُ فِي أَرْضِنَا لَمْ تَكُنْ بِالَّذِي تُقَدِّمُهُ مَعَكَ فَلَمْ يَزَلْ يَتَعَاهَدُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ يَحْمِلُ إِلَيْهِ الطَّعَامَ فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْهَا أَتَاهُ بِقَمِيصٍ مِنْ عِنْدِهِ فَقَالَ لِي أَ تَرَى أَنْ يَلْبَسَ هَذَا الْقَمِيصَ لِيَذْكُرَنِي بِهِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَ رَأَيْتُهُ كَارِهاً لِذَلِكَ فَأَخَذْتُ أَنَا الْقَمِيصَ مَخَافَةَ أَنْ يَغْتَمَّ وَ قُلْتُ أَنَا أَلْبَسُهُ وَ عَجَّلْتُ بِهِ حَتَّى رَدَدْتُهُ إِلَى مَكَّةَ فَوَ اللَّهِ مَا بَقِيَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ امْرَأَةٌ وَ لَا كَهْلٌ وَ لَا شَابٌّ وَ لَا صَغِيرٌ وَ لَا كَبِيرٌ إِلَّا اسْتَقْبَلُوهُ شَوْقاً إِلَيْهِ مَا خَلَا أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ فَإِنَّهُ كَانَ فَاتِكاً مَاجِناً قَدْ ثَمِلَ مِنَ السُّكْرِ.