32 - حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل رحمه الله، قال: حدثنا علي بن الحسين السعدآبادي، قال: حدثنا أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن زياد بن المنذر، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباته، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في القدر: ألا إن القدر سر من سر الله، وستر من ستر الله، وحرز من حرز الله، مرفوع في حجاب الله، مطوي عن خلق الله، مختوم بخاتم الله، سابق في علم الله، وضع الله العباد عن علمه ورفعه فوق شهاداتهم ومبلغ عقولهم لأنهم لا ينالونه بحقيقة الربانية ولا بقدرة الصمدانية ولا بعظمة النورانية ولا بعزة الوحدانية، لأنه بحر زاخر خالص لله تعالى، عمقه ما بين السماء و الأرض، عرضه ما بين المشرق والمغرب، أسود كالليل الدامس، كثير الحيات و الحيتان، يعلو مرة ويسفل أخرى، في قعره شمس تضيئ، لا ينبغي أن يطلع إليها إلا الله الواحد الفرد، فمن تطلع إليها فقد ضاد الله عز وجل في حكمه ونازعه في سلطانه، وكشف عن ستره وسره، وباء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير. قال المصنف هذا الكتاب نقول: إن الله تبارك وتعالى قد قضى جميع أعمال العباد وقدرها وجميع ما يكون في العالم من خير وشر، والقضاء قد يكون بمعنى الأعلام كما قال الله عز وجل: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾ (١) يريد أعلمناهم، وكما قال الله عز وجل: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين﴾ (٢) يريد أخبرناه وأعلمناه، فلا ينكر أن يكون الله عز وجل يقضي أعمال العباد و سائر ما يكون من خير وشر على هذا المعنى لأن الله عز وجل عالم بها أجمع. ويصح أن يعلمها عباده ويخبرهم عنها، وقد يكون القدر أيضا في معنى الكتاب والإخبار كما قال الله عز وجل: ﴿إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين)﴾ (٣) يعني كتبنا وأخبرنا، وقال العجاج: واعلم بأن ذا الجلال قد قدر * في الصحف الأولى التي كان سطر و (قدر) معناه كتب. وقد يكون القضاء بمعنى الحكم والالزام، قال الله عز وجل ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ يريد حكم بذلك وألزمه خلقه، فقد يجوز أن يقال: إن الله عز وجل قد قضى من أعمال العباد على هذا المعنى ما قد ألزمه عباده وحكم به عليهم وهي الفرائض دون غيرها، وقد يجوز أيضا أن يقدر الله أعمال العباد بأن يبين مقاديرها وأحوالها من حسن وقبح وفرض و نافلة وغير ذلك، ويفعل من الأدلة على ذلك ما يعرف به هذه الأحوال لهذه الأفعال فيكون عز وجل مقدرا لها في الحقيقة، وليس يقدرها ليعرف مقدارها، ولكن ليبين لغيره ممن لا يعرف ذلك حال ما قدره بتقديره إياه، وهذا أظهر من أن يخفى، وأبين من أن يحتاج إلى الاستشهاد عليه، ألا ترى أنا قد نرجع إلى أهل المعرفة بالصناعات في تقديرها لنا فلا يمنعهم علمهم بمقاديرها من أن يقدروها لنا ليبينوا لنا مقاديرها، وإنما أنكرنا أن يكون الله عز وجل حكم بها على عباده ومنعهم من الانصراف عنها، أو أن يكون فعلها وكونها، فأما أن يكون الله عز وجل خلقها خلق تقدير فلا ننكره. وسمعت بعض أهل العلم يقول: إن القضاء على عشرة أوجه: فأول وجه منها العلم وهو قول الله عز وجل: ﴿إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها﴾ (١) يعني علمها. والثاني الإعلام وهو قوله عز وجل: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب) وقوله عز وجل: (وقضينا إليه ذلك الأمر) أي أعلمناه. والثالث الحكم وهو قوله عز وجل. (والله يقضي بالحق) (٢) أي يحكم بالحق. والرابع القول وهو قوله عز وجل: (والله يقضي بالحق) (٣) أي يقول الحق. والخامس الحتم وهو قوله عز وجل: (فلما قضينا عليه الموت) (٤) يعني حتمنا، فهو القضاء الحتم. والسادس الأمر وهو قوله عز وجل: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) يعني أمر ربك. والسابع الخلق وهو قوله عز وجل: ﴿فقضيهن سبع سماوات في يومين﴾ يعني خلقهن. والثامن الفعل وهو قوله عز وجل: ﴿فاقض ما أنت قاض﴾ (١) أي افعل ما أنت فاعل. والتاسع الاتمام وهو قوله عز وجل: (فلما قضى موسى الأجل) وقوله عز وجل حكاية عن موسى: ﴿أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل﴾ (٢) أي أتممت. والعاشر الفراغ من الشئ وهو قوله عز وجل: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ (٣) يعني فرغ لكما منه، وقوله القائل: قد قضيت لك حاجتك، يعني فرغت لك منها، فيجوز أن يقال: إن الأشياء كلها بقضاء الله وقدره تبارك وتعال بمعنى أن الله عز وجل قد علمها وعلم مقاديرها، وله عز وجل في جميعها حكم من خير أو شر، فما كان من خير فقد قضاه بمعنى أنه أمر به وحتمه وجعله حقا وعلم مبلغة ومقداره، وما كان من شر فلم يأمر به ولم يرضه ولكنه عز وجل قد قضاه وقدره بمعنى أنه علمه بمقداره ومبلغه وحكم فيه بحكمه. والفتنة على عشرة أوجه فوجه منها الضلال. والثاني الاختبار وهو قول الله عز وجل: ﴿وفتناك فتونا﴾ (٤) يعني اختبرناك اختبارا، وقوله عز وجل: ﴿ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾ (٥) أي لا يختبرون. والثالث الحجة وهو قوله عز وجل: ﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾ (٦). والرابع الشرك وهو قوله عز وجل: ﴿والفتنة أشد من القتل﴾ . والخامس الكفر وهو قوله عز وجل: ﴿ألا في الفتنة سقطوا﴾ (١) يعني في الكفر. والسادس الاحراق بالنار وهو قوله عز وجل: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات - الآية﴾ (٢) يعني أحرقوا. والسابع وهو قوله عز وجل: ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ (٣) يعني يعذبون، وقوله عز وجل: ﴿ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تكذبون﴾ (٤) يعني عذابكم، وقوله عز وجل: (ومن يرد الله فتنته (يعني عذابه) فلن تملك له من الله شيئا) (٥). والثامن القتل وهو قوله عز وجل: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ (٦) يعني إن خفتم أن يقتلوكم، وقوله عز وجل: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملأهم أن يفتنهم﴾ (٧) يعني أن يقتلهم. والتاسع الصد وهو قوله عز وجل: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك﴾ (٨) يعني ليصدونك. والعاشر شدة المحنة وهو قوله عز وجل: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا﴾ (٩) وقوله عز وجل: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ أي محنة فيفتنوا بذلك ويقولوا في أنفسهم: لم يقتلهم إلا دينهم الباطل وديننا الحق فيكون ذلك داعيا لهم إلى النار على ما هم عليه من الكفر والظلم . قد زاد علي بن إبراهيم بن هاشم على هذه الوجوه العشرة وجها آخر فقال: من وجوه الفتنة ما هو المحبة وهو قوله عز وجل: ﴿أنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ أي محبة، والذي عندي في ذلك أن وجوه الفتنة عشرة وأن الفتنة في هذا الموضع أيضا المحنة - بالنون - لا المحبة - بالباء -. وتصديق ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الولد مجهلة محنة مبخلة) وقد أخرجت هذا الحديث مسندا في كتاب مقتل الحسين بن علي صلى الله عليهما.