3 - قال: أخبرني أبو الحسن علي بن محمد بن حبيش الكاتب قال: أخبرني الحسن بن علي الزعفراني قال: أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان قال: حدثنا علي بن محمد بن أبي سعيد ، عن فضيل بن الجعد، عن أبي إسحاق الهمداني قال: لما ولي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام محمد بن أبي بكر مصر وأعمالها كتب له كتابا، وأمره أن يقرأه على أهل مصر وليعمل بما وصاه به فيه فكان الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى أهل مصر ومحمد بن أبي بكر: سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله فيما أنتم عنه مسؤولون ، وإليه تصيرون، فإن الله تعالى يقول: " كل نفس بما كسبت رهينة "، ويقول: " ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ، ويقول: " فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون ". فاعلموا يا عباد الله إن الله جل وعز سائلكم عن الصغير من عملكم والكبير، فإن يعذب فنحن أظلم، وإن يعف فهو أرحم الراحمين . يا عباد الله إن أقرب ما يكون العبد إلى المغفرة والرحمة حين يعمل لله بطاعته، وينصحه في التوبة. عليكم بتقوى الله، فإنها تجمع من الخير ما لا يجمع غيرها ، ويدرك بها من الخير ما لا يدرك بغيرها من خير الدنيا وخير الآخرة، قال الله عز وجل: " وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين ". اعلموا يا عباد الله إن المؤمن يعمل لثلاث من الثواب: إما لخير [الدنيا] فإن الله يثيبه بعمله في دنياه، قال الله سبحانه لإبراهيم: " وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ". فمن عمل لله تعالى أعطاه أجره في الدنيا والآخرة، وكفاه المهم فيهما، وقد قال الله عز وجل: " يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ". فما أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به في الآخرة، قال الله عز وجل: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " فالحسنى هي الجنة والزيادة هي الدنيا ، [وإما لخير الآخرة] فإن الله عز وجل يكفر بكل حسنة سيئة، قال الله عز وجل: " إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين " ، حتى إذا كان يوم القيامة حسبت لهم حسناتهم ثم أعطاهم بكل واحدة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: " جزاء من ربك عطاء حسابا "، وقال: " أولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون "، فارغبوا في هذا رحمكم الله واعملوا له وتحاضوا عليه. واعملوا يا عباد الله إن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، أباحهم الله من الدنيا ما كفاهم وبه أغناهم، قال الله عز اسمه: " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ". سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم، فأكلوا معهم من طيبات ما يأكلون، وشربوا من طيبات ما يشربون، ولبسوا من أفضل ما يلبسون، وسكنوا من أفضل ما يسكنون، وتزوجوا من أفضل ما يتزوجون، وركبوا من أفضل ما يركبون، أصابوا لذة الدنيا مع أهل الدنيا وهم غدا جيران الله، يتمنون عليه فيعطيهم ما تمنوه، ولا يرد لهم دعوة، ولا ينقص لهم نصيبا من اللذة. فإلى هذا يا عباد الله يشتاق إليه من كان له عقل، ويعمل له بتقوى الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. يا عباد الله إن اتقيتم الله، وحفظتم نبيكم في أهل بيته فقد عبدتموه بأفضل ما عبد، وذكرتموه بأفضل ما ذكر، وشكرتموه بأفضل ما شكر، وأخذتم بأفضل الصبر والشكر، واجتهدتم بأفضل الاجتهاد، وإن كان غيركم أطول منكم صلاة، وأكثر منكم صياما، فأنتم أتقى لله عز وجل منهم، وأنصح لأولي الأمر . احذروا يا عباد الله الموت وسكرته، وأعدوا له عدته فإنه يفجأكم بأمر عظيم: بخير لا يكون معه شر أبدا، أو بشر لا يكون معه خير أبدا. فمن أقرب إلى الجنة من عاملها؟ ومن أقرب من النار من عاملها؟ إنه ليس أحد من الناس تفارق روحه جسده حتى يعلم أي المنزلتين يصل، إلى الجنة أم إلى النار؟ أعدو هو لله أم ولي [له]، فإن كان وليا لله فتحت له أبواب الجنة، وشرعت له طرقها، ورأي ما أعد الله له فيها، ففرغ من كل شغل، ووضع عنه كل ثقل، وإن كان عدو الله فتحت له أبواب النار وشرعت له طرقها، ونظر إلى ما أعد الله له فيها، فاستقبل كل مكروه، وترك كل سرور، كل هذا يكون عند الموت، وعنده يكون اليقين. قال الله عز اسمه: " الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون "، ويقول: " الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون * فأدخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين ". يا عباد الله إن الموت ليس منه فوت، فاحذروه قبل وقوعه، وأعدوا له عدته، فإنكم طراد الموت ، إن أقمتم له أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، وهو ألزم لكم من ظلكم، الموت معقود بنواصيكم، والدنيا تطوى [من] خلفكم، فأكثروا ذكر الموت عندما تنازعكم أنفسكم إليه من الشهوات ، فكفى بالموت واعظا، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله كثيرا ما يوصي [أصحابه] بذكر الموت، فيقول: أكثروا ذكر الموت فإنه هاذم اللذات، حائل بينكم وبين الشهوات. يا عباد الله ما بعد الموت لمن لم يغفر له أشد من الموت، القبر، فاحذروا ضيقه وضنكه وظلمته وغربته، إن القبر يقول كل يوم: أنا بيت الغربة، أنا بيت التراب، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الدود والهوام. والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار . إن العبد المؤمن إذا دفن قالت الأرض له: مرحبا وأهلا، قد كنت ممن أحب أن يمشي على ظهري، فإذا توليتك فستعلم كيف صنعي بك ، فتتسع له مد البصر، وإن الكافر إذا دفن قالت الأرض له: لا مرحبا ولا أهلا، قد كنت من أبغض من يمشي على ظهري، فإذا توليتك فستعلم كيف صنعي بك، فتضمنه حتى تلتقي أضلاعه. وإن المعيشة الضنك التي حذر الله منها عدوه عذاب القبر، أن يسلط الله على الكافر في قبره تسعة وتسعين تنينا، فينهشن لحمه، ويكسرن عظمه، يترددن عليه كذلك إلى يوم يبعث. لو أن تنينا منها نفخ في الأرض لم تنبت زرعا أبدا. اعلموا يا عباد الله إن أنفسكم الضعيفة، وأجسادكم الناعمة الرقيقة التي يكفيها اليسير [من العقاب] تضعف عن هذا، فإن استطعتم أن تجزعوا لأجسادكم وأنفسكم مما لا طاقة لكم به ولا صبر لكم عليه فاعملوا بما أحب الله، واتركوا ما كره الله. يا عباد الله إن بعد البعث ما هو أشد من القبر، يوم يشيب فيه الصغير، ويسكر فيه الكبير، ويسقط فيه الجنين، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، يوم عبوس قمطرير، يوم كان شره مستطيرا. إن فزع ذلك اليوم ليرهب الملائكة الذين لا ذنب لهم، وترعد منه السبع الشداد، والجبال الأوتاد، والأرض المهاد، وتنشق السماء فهي يومئذ واهية، وتصير وردة كالدهان ، وتكون الجبال كثيبا مهيلا بعد ما كانت صما صلابا، وينفخ في الصور فيفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فكيف من عصى بالسمع والبصر واللسان واليد والرجل والفرج والبطن إن لم يغفر الله له ويرحمه من ذلك اليوم لأنه يقضي ويصير إلى غيره، إلى نار قعرها بعيد، وحرها شديد، وشرابها صديد، وعذابها جديد، ومقامعها حديد، لا يفتر عذابها، ولا يموت سكانها، دار ليس فيها رحمة، ولا يسمع لأهلها دعوة. واعلموا يا عباد الله أن مع هذا رحمة الله التي لا تعجز عن العباد ، جنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للمتقين [خير] لا يكون معها شر أبدا، لذاتها لا تمل، ومجتمعها لا يتفرق، سكاتها قد جاوروا الرحمن، وقام بين أيديهم الغلمان، بصحاف من الذهب فيها الفاكهة والريحان. ثم اعلم يا محمد بن أبي بكر إني قد وليتك أعظم أجنادي في نفسي: أهل مصر، فإذا وليتك ما وليتك من أمر الناس فأنت حقيق أن تخاف منه على نفسك، وأن تحذر منه على دينك، فإن استطعت أن لا تسخط ربك عز وجل برضا أحد من خلقه فافعل، فإن في الله عز وجل خلفا من غيره، وليس في شئ سواه خلف منه. اشتد على الظالم، وخذ عليه، ولن لأهل الخير، وقربهم، واجعلهم بطانتك وإخوانك. وانظر إلى صلاتك كيف هي، فإنك إمام القوم، [ينبغي لك] أن تتمها ولا تخففها، فليس من إمام يصلي بقوم يكون في صلاتهم نقصان إلا كان [إثم ذلك] عليه ولا ينقص من صلاتهم شئ. وتممها وتحفظ فيها يكن لك مثل أجورهم ولا ينقص ذلك من أجرهم شيئا. ثم أنظر إلى الوضوء فإنه من تمام الصلاة، وتمضمض ثلاث مرات، واستنشق ثلاثا، واغسل وجهك، ثم يدك اليمنى، ثم يدك اليسرى، ثم امسح رأسك ورجليك، فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يصنع ذلك، واعلم أن الوضوء نصف الإيمان. ثم ارتقب وقت الصلاة فصلها لوقتها ولا تعجل بها قبله لفراغ، ولا تؤخرها عنه لشغل، فإن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أوقات الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أتاني جبرئيل عليه السلام فأراني وقت الصلاة [، فصلى الظهر] حين زالت الشمس فكانت على حاجبه الأيمن، ثم أراني وقت العصر فكان ظل كل شئ مثله، ثم صلى المغرب حين غربت الشمس، ثم صلى العشاء الآخرة حين غاب الشفق، ثم صلى الصبح فغلس بها والنجوم مشتبكة، فصل لهذه الأوقات، والزم السنة المعروفة والطريق الواضح . ثم أنظر ركوعك وسجودك، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أتم الناس صلاة، وأخفهم عملا فيها . واعلم أن كل شئ من عملك تبع لصلاتك، فمن ضيع الصلاة فإنه لغيرها أضيع. أسأل الله الذي يرى ولا يرى وهو بالمنظر الأعلى أن يجعلنا وإياك ممن يحب ويرضى، حتى يعيننا وإياك على شكره وذكره وحسن عبادته وأداء حقه، وعلى كل شئ اختار لنا في دنيانا وآخرتنا. وأنتم يا أهل مصر فليصدق قولكم فعلكم، وسركم علانيتكم، ولا تخالف ألسنتكم قلوبكم، واعلموا أنه لا يستوي إمام الهدى وإمام الردى، ووصي النبي عليه السلام وعدوه. إنني لا أخاف عليكم مؤمنا ولا مشركا، أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه، وأما المشرك فيحجزه الله عنكم بشركه، لكن أخاف عليكم المنافق، يقول ما تعرفون، ويفعل ما تنكرون . يا محمد بن أبي بكر اعلم أن أفضل الفقه الورع في دين الله، والعمل بطاعته، وإني أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيتك وعلى أي حال كنت عليه، الدنيا دار بلاء، والآخرة دار الجزاء ودار البقاء، فاعمل لما يبقى، واعدل عما يفنى، ولا تنس نصيبك من الدنيا . إني أوصيك بسبع هن جوامع الإسلام: تخشى الله عز وجل ولا تخشى الناس في الله، وخير القول ما صدقه العمل، ولا تقض في أمر واحد بقضاءين مختلفين فيختلف أمرك وتزيغ عن الحق، وأحب لعامة رعيتك ما تحب لنفسك وأهل بيتك، وأكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك فإن ذلك أوجب للحجة وأصلح للرعية، وخض الغمرات إلى الحق، ولا تخف في الله لومة لائم، وانصح المرء إذا استشارك، واجعل نفسك أسوة لقريب المسلمين وبعيدهم، جعل الله عز وجل مودتنا في الدين، وحلانا وإياكم حلية المتقين، وأبقى لكم طاعتكم حتى يجعلنا وإياكم بها إخوانا على سرر متقابلين. أحسنوا أهل مصر مؤازرة محمد أميركم، واثبتوا على طاعتكم تردوا حوض نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم، أعاننا الله وإياكم على ما يرضيه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.