33 - وبالإسناد الأول عن علي بن مهزيار، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبي حمزة الثمالي قال: ما سمعت بأحد من الناس كان أزهد من علي بن الحسين عليهما السلام إلا ما بلغني عن علي بن بن أبي طالب صلوات الله عليه. ثم قال أبو حمزة: كان علي بن الحسين عليهما السلام إذا تكلم في الزهد، ووعظ أبكى من بحضرته. قال أبو حمزة: فقرأت صحيفة فيها كلام زهد من كلام علي بن الحسين عليهما السلام فكتبت ما فيها، وأتيته به، فعرضته عليه، فعرفه وصححه وكان فيها: بسم الله الرحمن الرحيم كفانا الله وإياكم كيد الظالمين، وبغي الحاسدين، وبطش الجبارين. أيها المؤمنون مصيبتكم الطواغيت من أهل الرغبة في الدنيا ، المائلون إليها، المفتونون بها، المقبلون عليها وعلى حطامها الهامد وهشيمها البائد غدا ، فاحذروا ما حذركم الله منها، وازهدوا فيما زهدكم الله فيه منها، ولا تركنوا إلى ما في هذه الدنيا ركون من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان، وبالله إن لكم مما فيها عليها دليلا من زينتها ، وتصرف أيامها، وتغير انقلابها ومثلاتها ، وتلاعبها بأهلها. إنها لترفع الخميل وتضع الشريف، وتورد النار أقواما غدا، ففي هذا معتبر ومختبر وزاجر للنبيه . إن الأمور الواردة عليكم في كل يوم وليلة من مضلات الفتن ، و حوادث البدع، وسنن الجور، وبوائق الزمان، وهيبة السلطان، ووسوسة الشيطان ليدرأ القلوب عن تنبهها ، وتذهلها عن موجود الهدى ، و معرفة أهل الحق إلا قليلا ممن عصم الله، وليس يعرف تصرف أيامها ، وتقلب حالاتها، وعاقبة ضرر فتنتها إلا من عصمه الله، ونهج سبيل الرشد، وسلك سبيل القصد ممن استعان على ذلك بالزهد، فكرر التفكر ، و اتعظ بالعبر فازدجر، وزهد في عاجل بهجة الدنيا، فتجافى عن لذاتها ، ورغب في دائم نعيم الآخرة ، وسعى لها سعيها، وراقب الموت، وسئم الحياة مع القوم الظالمين ، فعند ذلك نظر إلى ما في الدنيا بعين نيرة حديدة النظر فأبصر حوادث الفتن، وضلال البدع، وجور الملوك الظلمة. فقد لعمري استدبرتم [من] الأمور الماضية في الأيام الخالية من الفتن المتراكمة والانهماك فيها ما تستدلون به على تجنب الغواة وأهل البدع والبغي و الفساد في الأرض بغير حق. فاستعينوا بالله، وارجعوا إلى طاعة الله، وطاعة من هو أولى بالطاعة ممن اتبع وأطيع . فالحذر الحذر من قبل الندامة والحسرة، والقدوم على الله، والوقوف بين يديه. وتالله ما صدر قوم قط عن معصية الله إلا إلى عذابه، وما آثر قوم قط الدنيا على الآخرة إلا ساء منقلبهم وساء مصيرهم. وما العلم بالله و العمل بطاعته إلا إلفان مؤتلفان، [ف] من عرف الله خافه، فحثه الخوف على العمل بطاعة الله. وإن أرباب العلم وأتباعهم الذين عرفوا الله فعملوا له و رغبوا إليه، وقد قال الله تعالى: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " . فلا تلتمسوا شيئا مما في هذه الدنيا بمعصية الله، واشتغلوا في هذه الدنيا بطاعة الله، واغتنموا أيامها، واسعوا لما فيه نجاتكم غدا من عذاب الله، فإن ذلك أقل للتبعة، وأدنى من العذر، وأرجى للنجاة. فقدموا أمر الله وطاعته وطاعة من أوجب الله طاعته بين يدي الأمور كلها، ولا تقدموا الأمور الواردة عليكم من الطواغيت، من فتن زهرة الدنيا بين يدي أمر الله وطاعته وطاعة أولي الأمر منكم. واعلموا أنكم ونحن عباد الله ، يحكم علينا وعليكم سيد حاكم غدا، وهو موقفكم ومسائلكم، فأعدوا الجواب قبل الوقوف والمسألة والعرض على رب العالمين، يومئذ لا تكلم نفس إلا بإذنه . واعلموا أن الله تعالى لا يصدق يومئذ كاذبا، ولا يكذب صادقا، ولا يرد عذر مستحق، ولا يعذر غير معذور، بل له الحجة على خلقه بالرسل وبالأوصياء بعد الرسل. فاتقوا الله عباد الله، واستقبلوا من إصلاح أنفسكم وطاعة الله وطاعة من تولونه فيها، لعل نادما [و] قد ندم على ما قد فرط بالأمس في جنب الله، وضيع من حقوق الله ، فاستغفروا الله وتوبوا إليه، فإنه يقبل التوبة، ويعفو عن السيئة، ويعلم ما تفعلون. وإياكم وصحبة العاصين ، ومعونة الظالمين، ومجاورة الفاسقين، احذروا فتنتهم، وتباعدوا من ساحتهم، واعلموا أنه من خالف أولياء الله، ودان بغير دين الله، واستبد بأمره دون أمر ولي في نار تلتهب، تأكل أبدانا قد غابت عنها أرواحها وغلبت عليها شقوتها، فهم موتى لا يجدون حر النار فاعتبروا يا أولي الأبصار، واحمدوا الله على ما هداكم، واعلموا أنكم لا تخرجون من قدرة الله إلى غير قدرته، وسيرى الله عملكم ثم إليه تحشرون، فانتفعوا بالعظة، وتأدبوا بآداب الصالحين.