7-59 حدثنا أبي ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما قالا: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا أحمد بن الحسين بن سعيد قال: حدثني جعفر بن محمد النوفلي، عن يعقوب بن يزيد قال: قال أبوعبد الله جعفر بن أحمد بن محمد بن عيسى بن محمد بن علي ابن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: حدثنا يعقوب بن عبد الله الكوفي قال: حدثنا موسى بن عـبيدة، عن عـمرو بن أبي المقـدام، عن أبي إسـحاق، عـنالحارث، عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه، وعمر بن أبي المقدام، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر قال: أتى رأس اليهود علي بن أبي طالب عليه السلام عند منصرفة عن وقعة النهروان وهو جالس في مسجد الكوفة فقال: يا أمير المؤمنين إني اريد أن أسالك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي أووصي نبي قال: سل عما بدالك يا أخا اليهود؟ قال: إنا نجد في الكتاب أن الله عز وجل إذا بعث نبيا أوحى إليه أن يتخذ من أهل بيته من يقوم بأمر امته من بعده وأن يعهد إليهم فيه عهدا يحتذي عليه ويعمل به في امته من بعده وأن الله عز وجل يمتحن الاوصياء في حياة الانبياء ويمتحنهم بعد وفاتهم فأخبرني كم يمتحن الله الاوصياء في حياة الانبياء؟ وكم يمتحنهم بعد وفاتهم من مرة؟ وإلى ما يصير آخر أمر الاوصياء إذا رضي محنتهم؟فقال له علي عليه السلام: والله الذي لا إله غيره، الذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوارة على موسى عليه السلام لئن أخبرتك بحق عما تسأل عنه لتقرن به؟ قال: نعم قال: والذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة على موسى عليه السلام لئن أجبتك لتسلمن؟ قال: نعم،فقال له علي عليه السلام: إن الله عز وجل يمتحن الاوصياء في حياة الانبياء في سبعة مواطن ليبتلي طاعتهم، فإذا رضي طاعتهم ومحنتهم الانبياء أن يتخذوهم أولياء في حياتهم وأوصياء بعد وفاتهم ويصير طاعة الاوصياء في أعناق الامم ممن يقول بطاعة الانبياء، ثم يمتحن الاوصياء بعدوفاة الانبياء عليهم السلام في سبعة مواطن ليبلو صبرهم، فإذا رضي محنتهم ختم لهم بالسعادة ليلحقهم بالانبياء، وقد أكمل لهم السعادة. قال له رأس اليهود: صدقت يا أميرالمؤمنين فأخبرني كم امتحنك الله في حياة محمد من مرة؟ وكم امتحنك بعد وفاته من مرة؟ وإلى ما يصير أخر أمرك؟فأخذ علي عليه السلام بيده وقال: انهض بنا انبئك بذلك فقام إليه جماعة من أصحابه. فقالوا: يا أميرالمؤمنين أنبئنا بذلك معه.، فقال: إني أخاف أن لا تحتمله قلوبكم. قالوا: ولم ذاك يا أميرالمؤمنين؟ قال: لامور بدت لي من كثير منكمفقام إليه الاشتر فقال: يا أميرالمؤمنين أنبئنا بذلك، فوالله إنا لنعلم أنه ما على ظهر الارض وصي نبي سواك، وإنا لنعلم أن الله لا يبعث بعد نبينا صلى الله عليه وآله نبيا سواه وأن طاعتك لفي أعناقنا موصولة بطاعة نبينافجلس علي عليه السلام وأقبل على اليهودي فقال: يا أخا اليهود إن الله عز وجل امتحنني في حياء نبينا محمد صلى الله عليه وآله في سبعة مواطن فوجدني فيهنمن غير تزكية لنفسي بنعمة الله له مطيعا قال: وفيم وفيم يا أميرالمؤمنين؟ قال أما أولهن فإن الله عز وجل أوحى إلى نبينا صلى الله عليه وآله وحمله الرسالة وأنا أحدث أهل بيتي سنا، أخدمه في بيته وأسعى في قضاء بين يديه في أمره، فدعا صغير بني عبدالمطلب وكبيرهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله فامتنعوا من ذلك وأنكروه عليه وهجروه، ونابذوه واعتزلوه واجتنبوه وسائر الناس مقصين له ومخالفين عليه، قد استعظموا ما أورده عليهم مما لم تحتمله قلوبهم وتدركه عقولهم،فأجبت رسول الله صلى الله عليه وآله وحدي إلى مادعا إليه مسرعا مطيعا موقنا، لم يتخالجني في ذلك شك، فمكثنا بذلك ثلاث حجج وما على وجه الارض خلق يصلي أو يشهد لرسول الله صلى الله عليه وآله بما آتاه الله غيري وغير ابنة خويلد رحمها الله وقد فعل ثم أقبل عليه السلام على أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى يا أميرالمؤمنين فقال عليه السلام: وأما الثانية يا أخا اليهود فإن قريشا لم تزل تخيل الاراء وتعمل الحيل في قتيل النبي صلى الله عليه وآله حتى كان آخرما اجتمعت في ذلك يوم الدار دار الندوة وإبليس الملعون حاضرفي صورة أعور ثقيف، فلم تزل تضرب أمرها ظهر البطن حتى اجتمعت آراؤها على أن ينتدب من كل فخذ من قريش رجل، ثم يأخذ كل رجل منهم سيفه ثم يأتي النبي صلى الله عليه وآله وهو نائم على فراشه فيضربونه جميعا بأسيافهم ضربة رجل واحد فيقتلوه، وإذا قتلوه منعت قريش رجالها ولم تسلمها فيمضي دمه هدرا، فهبط جبرئيل عيله السلام على النبي صلى الله عليه وآله فأنبأه بذلك وأخبره باليلة التي يجتمعون فيها والساعة التي يأتون فراشه فيها، وأمره بالخروج في الوقت الذي خرج فيه إلى الغار، فأخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله بالخبر، وأمرني أن أضطجع في مضجعه وأقيه بنفسي، فأسرعت إلى ذلك مطيعا له مسرورا لنفسي بأن اقتل دونه، فمضى عليه السلام لوجهه واضطجعت في مضجعه وأقبلت رجالات قريش موقنة في أنفسها أن تقتل النبي صلى الله عليه وآله فلما استوى بي وبهم البيت الذي أنا فيه ناهضتهم بسيفي فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه الله والناس، ثم أقبل عليه السلام على أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين، فقال عليه السلام: وأما الثالثة يا أخا اليهود فإن ابني ربيعة وابن عتبة كانوا فرسان قريش دعوا إلى البراز يوم بدر فلم يبرزلهم خلق من قريش فأنهضني رسول الله صلى الله عليه وآله مع صاحبي رضي الله عنهما وقد فعل وأنا أحدث أصاحبي سنا وأقلهم للحرب تجربة فقتل الله عز وجل بيدي وليدا وشبية، سوى من قتلت من جحاجحة قريش في ذلك اليوم، وسوي من أسرت، وكان مني أكثر مما كان من أصحابي واستشهد ابن عمي في ذلك رحمة الله عليه، ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى يا أمير المؤمنين،فقال علي عليه السلام: وأما الرابعة يا أخا اليهود فإن أهل مكة أقبلوا ألينا على بكرة أبيهم قد استحاشوا من يليهم من قبايل العرب وقريش طالبين بثأر مشركي قريش في يوم بدر، فهبط جبرئيل عليه السلام على النبـي صـلى الله عليـه وآلـهفأنبأه بذلك، فذهب النبي صلى الله عليه وآله وعسكر بأصاحبه في سد أحد، وأقبل المشركون إلينا فحملوا ألينا حملة رجل واحد، واستشهد من المسلمين من استشهد، وكان ممن بقي من الهزيمة، وبقيت مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومضى المهاجرون والانصار إلى منازلهم من المدينة كل يقول: قتلى النبي صلى الله عليه وآلهوقتل أصحابه ثم ضرب الله عز وجل وجوه المشركين وقد جرحت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله نيفا وسبعين جرحة منها هذه وهذه ثم ألقى عليه السلام رداءه وأمر يده على جراحاته وكان مني في ذلك ما على الله عز وجل ثوابه إن شاء الله، ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين،فقال عليه السلام: وأما الخامسة يا أخا اليهود فإن قريشا والعرب تجمعت وعقدت بينها عقدا وميثاقا لا ترجع من وجهها حتى تقتل رسول الله وتقتلنا معه معاشر بني عبدالمطلب، ثم أقبلت بحدها وحديدها حتى أناخت عليننا بالمدينة، واثقة بأنفسها فيما توجت له فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله فأنبأه بذلك فخندق على نفسه ومن معه من المهاجرين والانصار، فقدمت قريش فأقامت على الخندق محاصرة لنا، ترى في النفسها القوة وفينا الضعف ترعد وتبرق ورسول الله صلى الله عليه وآله يدعوها إلى الله عز وجل ويناشدها بالقرابة والرحم فتأبى، ولا يزيدها ذلك إلا عتوا، وفارسها وفارس العرب يومئذ عمرو بن عبدود، يهدر كالبعير المغتلم يدعو إلى البراز ويرتجز ويخطر برمحه مرة وبسيفه مرة لا يقدم عليه مقدم، ولا يطمع فيه طامع، ولا حمية تهيجه ولا بصيرة تشجعه، فأنضني إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وعممني بيده وأعطاني سيفه هذا، وضرب بيده إلى ذي الفقار، فخرجت إليه ونساء أهل المدينة بواك إشفاقا علي من ابن عبدود، فقتله الله عز وجل بيدي، والعرب لا تعدلها فارسا غيره، وضربني هذه الضربة وأومأ بيده إلى هامته - فهزم الله قريشا والعرب بذلك وبماكان مني فيهم من النكايةثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنينفقال عليه السلام: وأما السادسة يا أخا اليهود فإنا وردنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله مدينة أصحابك خيبر على رجال من اليهود وفرسانها من قريش وغيرها، فتلقونا بأمثال الجبال من الخيل والرجال والسلاح، وهم في أمنع دار وأكثر عدد، كل ينادي ويدعو ويبادر إلى القتال فلم يبرز إليهم من أصحابي أحد إلا قتلوه حتى إذا احمرت الحدق، ودعيت إلى النزال وأهمت كل امرئ نفسه. والتفت بعض أصحابي إلي بعض وكل يقول: يا أبا الحسن انهض. فأنهضني رسول الله صلى الله عليه وآله إلى دارهم فلم يبرز إلي منهم أحد إلا قتلته، ولايثبت لي فارس إلاطحنته ثم شددت عليهم شدة الليث على فريسته، حتى أدخلتهم جوف مدينتهم مسددا عليهم، فاقتلعت باب حصنهم بيدي حتى دخلت عليهم مدينتهم وحدي أقتل من يظهر فيها من رجالها، وأسبي من أجد من نسائها حتى أفتتحها وحدي، ولم يكن لي فيها معاون إلا الله وحده ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين، فقال عيه السلام: وأما السابعة يا أخااليهود فإن رسول لله صلى الله عليه وآله لما توجه لفتح مكة أحب أن يعذر إليهم ويدعوهم إلى الله عز وجل آخرا كما دعاهم أو لا فكتب إليهم كتابا يحذرهم فيه وينذرهم عذاب الله ويعدهم الصفح ويمنيهم مغفرة ربهم، ونسخ لهم في آخره سورة براءة ليقرأها عليهم، ثم عرض على جميع أصحابه المضي به فكلهم يرى التثاقل فيه، فلما رأى ذلك ندب منهم رجلا فوجهه به فأتاه جبرئيل فقال: يا محمد لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك فأنبأني رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك ووجهني بكتابه ورسالته إلى أهل مكة قأتيت مكة وأهلها من قد عرفتم ليس منهم أحد إلا ولو قدر أن يضع على كل جبل مني إربا لفعل، ولو أن يبذل في ذلكنفسه وأهله وولده وماله، فبلغتهم رسالة النبي صلى الله عليه وآله وقرأت عليهم كتابه، فكلهم يلقاني بالتهدد والوعيد ويبدى لي البغضاء، ويظهر الشحناء من رجالهم ونسائهم، فكان مني في ذلك ما قد رأيتم، ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنينفقال عليه السلام: يا أخا اليهود هذه المواطن التي امتحنني فيه ربي عز وجل مع نبيه صلى الله عليه وآله فوجدني فيها كلها بمنه مطيعا، ليس لاحد فيها مثل الذي لي ولو شئت لو صفت ذلك ولكن الله عز وجل نهى عن التزكية. فقالوا: يا أمير المؤمنين: صدقت والله ولقد أعطاك الله عز وجل الفضيلة بالقرابة من نبينا صلى الله عيله وآله وسلم، وأسعدك بأن جعلك أخاه، تنزل منه بمنزلة هارون من موسى، وفضلك بالمواقف التي باشهرتها، والاهوال التي ركبتها، وذخر لك الذي ذكرت وأكثر منه ممالم تذكره، ومما ليس لاحد من المسلمين مثله، يقول ذلك من شهدك منا مع نبينا صلى الله عيله وآله ومن شهدك بعده، فأخبرنا يا أمير المؤمنين ما امتحنك الله عز وجل به بعد نبينا صلى الله عليه وآله فاحتملته وصبرت، فلو شئنا أن نصف ذلك لو صفناه علما منا به وظهورا منا عليه، إلا أنا نحب أن نسمع منك ذلك كما سمعنا منك ما امتحنك الله به في حياته فأطعته فيهفقال عليه السلام: يا أخا اليهود إن الله عز وجل امتحنني بعد وفاة نبيه صلى الله عليه وآله في سبعة مواطن فوجدني فيهن من غير تزكية لنفسي منه ونعمته صبوراواما أولهن يا أخا اليهود فانه لم يكن لي خاصة دون المسلمين عامة أحد آنس به أو أعتمد عليه أو أستنيم إليه أو أتقرب به غير رسول الله صلى الله علية وآله، هو رباني صغيرا وبوأني كبيرا، وكفاني العيلة، وجبرني من اليتم، وأغناني عن الطلب ووقاني المكسب. وعال لي النفس والولد والاهل هذا في تصاريف أمر الدنيامع ما خصني به من الدرجات التي قادتني إلى معالي الحق عند الله عز وجل فنزل بي من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله مالم أكن أظن الجبال لو حملته عنوة كانت تنهض به فرأيت الناس من أهل بيتي ما بين جازع لا يملك جزعه، ولا بضبط نفسه، ولا يقوي على حمل فادح ما نزل به قد أذهب الجزع صبره، وأذهل عقله، وحال بينه وبين الفهم والافهام والقول والاسماع، وسائر الناس من غير بني عبدالمطلب بين معز يأمر بالصبر، وبين مساعد باك البكائهم،جازع لجزعهم، وحملت نفسي على الصبر عند وفاته بلزوم الصمت والاشتغال بما أمرنى به من تجهيزه، وتغسيله وتحنيطه وتكفينه، والصلاة عليه، ووضعه في حفرته، وجمع كتاب الله وعهده إلى خلقه، لا يشغلني عن ذلك بادر دمعة ولا هائج زفرة ولا لاذع حرقة ولا جزيل مصيبة حتى أديت في ذلك الحق الواجب لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وآله علي، وبلغت منه الذي أمرني به، واحتملته صابرا محتسبا، ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنينفقال عليه السلام: وأما الثانية يا أخا اليهود،فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني في حياته على جميع امته وأخذ على جميع من حضره منهم البيعة والسمع والطاعة لامري، وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب ذلك، فكنت المؤدى إليهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله أمره إذا حضرته والامير على من حضرني منهم إذا فارقته، لا تختلج في نفسي منازعة أحد من الخلق لي في شيء من الامر في حياة النبي صلى الله عليه وآله ولا بعد وفاته، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بتوجيه الجيش الذي وجهه مع اسامة بن زيد عند الذي أحدث الله به من المرض الذي توفاه فيه، فلم يدع النبي أحدا من أفناء العرب ولا من الاوس والخزرج وغيرهم من سائر الناس ممن يخاف على نقضه ومنازعته ولا أحدا ممن يراني بعيـنالبغضاء ممن قد وترته بقتل أبيه أو أخيه أوحميمه إلا وجهه في ذلك الجيش، ولا من المهاجرين والانصار والمسلمين وغيرهم والمؤلفة قلوبهم والمنافقين، لتصفو قلوب من يبقى معي بحضرته، ولئلا يقول قائل شيئا مما أكرهه، ولا يدفعني دافع من الولاية والقيام بأمر رعيته من بعده، ثم كان آخر ما تكلم به في شيء من أمر امته أن يمضي جيش اسامة ولا يتخلف عنه أحد ممن أنهض معه، وتقدم في ذلك أشد التقدم وأوعز فيه أبلغ الايعاز وأكد فيه أكثر التأكيد فلم أشعر بعد أن قبض النبي صلى الله عليه وآله إلا برجال من بعث اسامة بن زيد وأهل عسكره قد تركوا مراكزهم، وأخلوا مواضعهم، وخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فيما أنهضهم له وأمرهم به وتقدم إليهم من ملازمة أميرهم مقيما في عسكره، وأقبلوا يتبادرون على الخيل ركضا إلى حل عقدة عقدها الله عز وجل لي ولرسول صلى الله عليه وآله في أعناقهم فحلوها، وعهد عاهدوا الله ورسوله فنكثوه، وعقدوا لانفسهم عقدا ضجت به أصواتهم واحتصت به آراؤهم من غير مناظرة لاحد من ابني عبدالمطلب أو مشاركة في رأي أو استقالة لما في أعناقهم من بيعتى، فعلو ذلك وأنا برسول الله صلى الله عليه وآله مشغول وبتجهيزه عن سائر الاشياء مصدود فإنه كان أهمها وأحق ما بدئ به منها، فكان هذا يا أخا اليهود أقرح ما ورد على قلبي مع الذي أنا فيه من عظيم الرزية، وفاجع المصيبة، وفقد من لاخلف منه إلا الله تبارك وتعالى، فصبرت عليها إذا أتت بعد أختها على تقاربها وسرعة اتصالها، ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال: أليس كذالك؟ قالوا: بلى ياأمير المؤمنين،فقال عليه السلام وأما الثالثة يا أخا اليهود فإن القائم بعد النبي صلى الله عليه وآله كان يلقاني معتذرا في كل أيامه ويلوم غيره ما ارتكبه من أخذ حقي ونقض بيعتي وسألني تحليله، فكنت أقول: تنقضي أيامه، ثم يرجع إلي حقي الذي جعله الله لى عفوا هنيئا من غير أن أحدث في الاسلام مع حدوثه وقرب عهده بالجاهلية حدثا في طلب حقي بمنازعة لعل فلانا يقول فيها: نعم وفلانا يقول: لا، فيؤول ذلك من القول إلى الفعل وجماعة من خواص أصحاب محمد صلى الله عليه وآله أعرفهمبالنصح لله ولرسوله ولكتابه ودينه الاسلام يأتوني عودا وبدءا وعلانية وسرا فيدعوني إلى أخذ حقي، ويبذلون أنفسهم في نصرتي ليؤدوا إلى بذلك بيعتى في أعناقهم، فأقول رويدا وصبرا لعل الله يأتينى بذلك عفوا بلا منازعة ولا إراقة الدماء، فقد ارتاب كثير من الناس بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله، وطمع في الامر بعده من ليس له بأهل فقال كل قوم: منا أمير، وما طمع القائلون في ذلك إلا لتناول غيري الامر، فلما دنت وفاة القائم وانقضت أيامه صير الامر بعده لصاحبه، فكانت هذه اخت اختها، ومحلها مني مثل محلها وأخذامني ماجعله الله لي، فاجتمع إلى من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله ممن مضى وممن بقي ممن أخره الله من اجتمع فقالوا لى فيها مثل الذي قالوا في اختها، فلم يعد قولي الثاني قولي الاول صبرا واحتسابا ويقينا وإشفاقا من أن تفنى عصبة تألفهم رسول الله صلى الله عليه وآله بالين مرة وبالشدة اخرى، وبالنذر مرة وبالسيف اخرى حتى لقد كان من تألفه لهم أن كان الناس في الكر والفرار والشبع والري، واللباس والوطاء والدثار ونحن أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله لا سقوف لبيوتنا، ولا أبواب ولاستور إلا الجرائد، وما أشبهها ولا وطاء لنا ولا دثار علينا، يتدوال الثوب الواحد في الصلاة أكثرنا، ونطوي الليالي والايام عامتنا، وربما أتا نا الشئ مما أفاءه الله علينا وصيره لنا خاصة دون غير نا ونحن على ما وصفت من حالنا فيؤثر به رسول الله صلى الله عليه وآله أرباب النعم والاموال تألفا منه لهم، فكنت أحق من لم يفرق هذه العصبة التى ألفها رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يحملها على الخطة التي لاخلاص لها منها دون بلوغها أوفناء آجالها لاني لو نصبت نفسي فدعوتهم إلى نصرتي كانوا منى وفي أمري على إحدى منزلتين إما متبع مقاتل، وإما مقتول إن لم يتبع الجميع، وإما خاذل يكفر بخذلانه إن قصر في نصرتي أو أمسك عن طاعتي، وقد علم الله أني منه بمنزلة هارون من موسى، يحل به في مخالفتي والامساك عن نصرتي ما أحل قوم موسى بأنفسهم في مخالفة هارون وترك طاعته ورأيت تجرع الغصص ورد أنفاس الصعداء ولزوم الصبر حتى يفتح الله أو يقضى بما أحب أزيدلي في حظي وأرفق بالعصابة التي وصفت أمرهم "وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً ."ولو لم أتق هذه الحالة يا أخا اليهود - ثم طلبت حقي لكنت أولى ممن طلبه لعلم من مضى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ومن بحضرتك منه بأني كنت أكثر عددا وأعز عشيرة وأمنع رجالا وأطوع أمرا وأوضح حجة وأكثر في هذا الدين مناقب وآثارا لسوابقي وقرابتي ووراثتي فضلا عن استحقاقي ذلك بالوصية التي لا مخرج للعباد منها والبيعة المتعدمة في أعناقهم ممن تناولها، وقد قبض محمد صلى الله عليه وآله وإن ولاية الامة في يده وفي بيته، لا في يد الاولى تناولوها ولا في بيوتهم، ولاهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا أولى بالامر من بعده من غيرهم في جميع الخصال ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ فقالو: بلى يا أمير المؤمنين. فقال عليه السلام: وأما الرابعة يا أخا اليهود فإن القائم بعد صاحبه كان يشاورني في موارد الامور فيصدرها عن أمري ويناظرني في غوامضها فيمضيها عن رأيي، أعلم أحدا ولايعلمه أصحابي يناظره في ذلك غيري، ولا يطمع في الامر بعده سواي، فلما (أن) أتته منيته على فجأة بلامرض كان قبله ولا أمر كان أمضاه في صحته من بدنه لم أشك أني قد استرجعت حقي في عافية بالمنزلة التى كنت أطلبها، والعاقبة التي كنت ألتمسها وإن الله سيأتي بذلك على أحسن مارجوت، وأفضل ما أملت، وكان من فعله أن ختم أمره بأن سمى قوما أنا سادسهم، ولم يستوني بواحد منهم، ولا ذكرلي حالا في وراثة الرسول ولا قرابة ولاصهر ولانسب، ولا لواحد منهم مثل سابقة من سوابقي ولاأثر من آثارى، وصير هاشورى بيننا وصير ابنه فيها حاكما علينا وأمره أن يضرب أعناق النفر الستة الذين صير الامر فيهم إن لم ينفذوا أمره، وكفى بالصبر على هذا يا أخا اليهود صبرا وبسط الايدي والالسن في الامر والنهي والركون إلى الدنيا والاقتداء بالماضين قبلهم إلى تناول ما لم يجعلالله لهم، فمكث القوم أيامهم كلها كل يخطب لنفسه وأنا ممسك عن أن سألوني عن أمري فناظرتهم في أيامي وأيامهم وآثارى وآثارهم، وأوضحت لهم مالم يجهلوه من وجوه استحقاقي لها دونهم وذكر تهم عهد رسول الله صلى الله عليه وآله إليهم وتأكيد ما أكده من البيعة لى في أعناقهم، دعاهم حب الامارة فاذا خلوت بالواحد ذكرته أيام الله وحذرته ما هوقادم عليه وصائر إليه، التمس مني شرطا أن اصيرهاله بعدي فلما لم يجدوا عندي إلا المحجة البيضاء، والحمل على كتاب الله عز وجل ووصية الرسول وإعطاء كل امرئ منهم ماجعله الله له، ومنعه مالم يجعل الله له أزالها عني إلى ابن عفان طمعا في الشحيح معه فيها، وابن عفان رجل لم يستوبه وبواحد ممن حضره حال قط فضلا عمن دونهم لاببدر التى هى سنام فخرهم ولا غيرها من المآثر التي أكرم الله بها رسوله ومن اختصه معه من أهل بيته عليه السلام ثم لم أعلم القوم أمسوا من يومهم ذلك حتى ظهرت ندامتهم ونكصوا على أعقابهم وأحال بعضهم على بعض، كل يلوم نفسه ويلوم أصحابه، ثم لم تطل الايام بالمستبد بالامر ابن عفان حتى أكفروه وتبرؤو امنه مشى إلى أصحابه خاصة وسائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله عامة يستقيلهم من بيعته ويتوب إلى الله من فلتته، فكانت هذه ياأخا اليهود أكبر من اختها وأفظع وأحرى أن لا يصبر عليها، فنالني منها الذي لا يبلغ وصفه ولا يحد وقته، ولم يكن عندي فيها إلا الصبر على ما أمض وأبلغ منها، ولقد أتاني الباقون من الستة من يومهم كل راجع عما كان ركب مني يسألني خلع ابن عفان والوثوب عليه وأخذ حقي ويؤتيني صفقته وبيعته على الموت تحت رايتي أويرد الله عز وجل على حقي، فوالله يا أخا اليهود ما منعني منا إلا الذي منعني من اختيها قبلها، ورأيت الابقاء على من بقي من الطائفة أبهج لي وآنس لقلبي من فنائها، وعلمت أني إن حـملتها عـلىدعوة الموت ركبتة، فأما نفسي فقد علم من حضر ممن ترى ومن غاب من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله أن الموت عندي بمنزلة الشربة الباردة في اليوم الشديد الحر من ذي العطش الصدى،ولقد كنت عاهدت الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله أنا وعمي حمزة وأخي جعفر، وابن عمي عبيدة على أمر وفينا به لله عز وجل ولرسوله، فتقد مني أصحابي وتخلفت بعدهم لما أراد الله عز وجل فأنزل الله فينا "مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً." وأنا والله والمنتظريا أخا اليهود، وما بدلت تبديلا، وما سكتني عن ابن عفان وحثني على الامساك عنه إلا أني عرفت من أخلاقه فيما اختبرت منه بمالن يدعة حتى يستدعي الاباعد إلى قتله وخلعه فضلا عن الاقارب وأنا في عزلة، فصبرت حتى كان ذلك، لم أنطلق فيه بحرف من "لا"، ولا "نعم ".ثم أتاني القوم وأن اعلم الله كاره لمعرفتي بما تطاعموا به من اعتقال الامول والمرح في الارض وعلمهم بأن تلك ليست لهم عندي وشديد عادة منتزعة فلما لم يجدوا عندي تعللوا الاعاليلثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ فقالوا: بلى يا أمير المؤمنينفقال عليه السلام: وأما الخامسة يا أخا اليهود فإن المتابعين لي لما لم يطمعوا في تلك مني وثبوا بالمرأة على وأنا ولي أمرها، والوصي عليها، فحملوها على الجمل وشدوها على الرحال، وأقبلوا بها تخبط الفيافي وتقطع البراري وتنبح عليها كلاب الحوأب، وتظهر لهم علامات الندم في كل ساعة وعند كل حال في عصبة قد بايعوني ثانية بعد بيعتهم الاولى في حيـاة النبـي صلى الله عليه وآله حتى أتت أهلبلدة قصيرة أيديهم، طويلة لحاهم، قليلة عقولهم عازبة آراؤهم، وهم جيران بدو ووراد بحر، فأخرجتهم يخبطون بسيوفهم من غير علم، ويرمون بسهامهم بغير فهم، فوقت من أمرهم على اثنتين كلتاهما في محلة المكروه ممن إن كففت لم يرجع ولم يعقل، وإن أقمت كنت قد صرت إلى التي كرهت فقدمت الحجة بالاعذار والانذار، ودعوت المرأة إلى الرجوع إلى بينها، والقوم الذين حملوها على الوفاء ببيعتهم لي، والترك لنقضهم عهدالله عز وجل في، وأعطيتهم من نفسي كل الذي قدرت عليه، وناظرت بعضهم فرجع وذكرت فذكر، ثم أقبلت على الناس بمثل ذلك فلم يزدادوا إلا جهلا وتماديا وغيا، فلما أبوا إلا هي، ركبتها منه فكانت عليهم الدبرة، وبهم الهزيمة، ولهم الحسرة، وفيهم الفناء والقتل، وحملت نفسي على التي لم أجد منها بدا،ولم يسعني إذ فعلت ذلك وأظهرته آخرا مثل الذي وسعني منه أولا من الاغضاء والامساك ورأيتني إن أمسكت كنت معينا لهم علي بامساكي على ماصاروا إليه وطمعوا فيه من تناول الاطراف، وسفك الدماء وقتل الرعية وتحكيم النساء النواقص العقول والحظوظ على كل حال، كعادة بنى الاصفر ومن مضى من ملوك سبأ والامم الخالية فأصير إلى ما كرهت أولا وآخرا، وقد أهملت المرأة وجندها يفعلون ما وصفت بين الفريقين من الناس، ولم أهجم على الامر إلا بعدما قدمت وأخرت، وتأنيت وراجعت، وأرسلت وسافرت، وأعذرت وأنذرت وأعطيت القوم كل شيء يلتمسوه بعد أن عرضت عليهم كل شيء لم يلتمسوه، فلما أبوا إلا تلك، أقدمت عليها، فبلغ الله بي وبهم ما أراد، وكان لي عليهم بما كان مني إليهم شهيداثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنينفقال عليه السلام: وأما السادسة يا أخا اليهود فتحكيمهم [الحكمين] ومحاربة ابن آكلة الاكباد وهو طليق معاند لله عز وجل ولرسوله والمؤمنين منذ بعث الله محمدا إلى أن فتح الله عليه مكة عنوةفاخذت بيعته وبيعة أبيه لي معه في ذلك اليوم وفي ثلاثة مواطن بعده، وأبوه بالامس أؤل من سلم على بإمرة المؤمنين، وجعل يحثني على النهوض في أخذ حقي من الماضين قبلى، ويجد دلي وبيعته كلما أتانيوأعجب العجب أنه لما رأى ربي تبارك وتعالى قد رد إليّ حقي وأقرفي معدنه، وانقطع طمعه أن يصير في دين الله رابعا وفي أمانة حملناها حكاما، كرا على العاصي ابن العاص فاستما له فمال إليه، ثم أقبل به بعد أن أطمعه مصر، وحرام عليه أن يأخذ من الفيء دون قمسه درهما، وحرام والانباء تأتيني والاخبار ترد علي بذلك، فأتاني أعور ثقيف فأشار علي أن أولي الراعي إيصال درهم إليه فوق حقه، فأقيل يخبط البلاد بالظلم ويطأها بالغشم، فمن بايعه أرضاه، ومن خالفه ناواه، ثم توجه إلي ناكثا علينا مغيرا في البلاد شرقا وغربا ويمينا وشمالا، ، والانباء تأتيني والاخبار ترد علي بذلك ، فأتاني أعور ثقيف فأشار علي أن اوليه البلاد التي هوبها لاداريه بما اوليه منها وفي الذي أشار به الراي في أمر الدنيا لو وجدت عند الله عز وجل في توليته لي مخرجا، وأصبت لنفسي في ذلك عذرا، فأعلمت الرأي في ذلك، وشاورت من أثق بنصيحته لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وآله ولي وللمؤمنين فان رأيه في ابن آكلة الاكباد كرأيي، ينهاني عن توليته ويحذرني أن ادخل في أمر المسلمين يده، ولم يكن الله ليراني أتخذ المضلين عضدافوجهت إليه أخا بجيلة مرة وأخا الاشعريين مرة كلاهما ركن إلى الدنيا وتابع هواه فيما أرضاه، فلما لم أراه [أن] يزداد فيما انتهك من محارم الله ألا تماديا شـــاورتمن معي من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله البدريين والذين ارتضى الله عز وجل أمرهم ورضي عنهم بعد بيعتهم، وغيرهم من صلحاء المسلمين والتابعين فكل يوافق رأيه رأيي في غزوه ومحاربته ومنعه مما نالت يده، وإني نهضت إليه بأصحابى، أنفذ إليه من كل موضع كتبى وأوجه إليه رسلي أدعوه إلى الرجوع عما فو فيه، والدخول فيما فيه الناس معي، فكتب يتحكم علي ويتمنى علي الاماني ويشترط علي شروطا لا يرضاها الله عز وجل ورسوله ولا المسلمون، ويشترط في بعضها أن أدفع إليه أقواما من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله أبرارا، فيهم عمار بن ياسر، وأين مثل عمار؟ والله لقد رأيتنا مع النبي صلى الله عليه وآله وما يعد منا خمسة إلا كان سادسهم، ولا أربعة إلا كان خامسهم، اشترط دفعهم إليه ليقتلهم ويصلبهم وانتحل دم عثمان، ولعمرد الله ما ألب على عثمان ولا جمع الناس على قتله إلا هو وأشباهه من أهل بيته أغصان الشجرة الملعونة في القرآن، فلما لم اجب إلى ما اشترط من ذلك كر مستعليا في نفسه بطغيانه وبغيه بحمير لاعقول لهم ولا بصائر، فموه لهم أمرا فاتبعوه، وأعطاهم من الدنيا ما أمالهم به إليه، فناجزناهم وحاكمناهم إلى الله عز وجل بعد الاعذار والانذار فلما لم يزده ذلك إلا تماديا وبغيا لقيناه بعادة الله التي عودناه من النصر على أعدائه وعدونا، وراية رسول الله صلى الله عليه وآله بأيدنا، لم يزل الله تبارك وتعالى يفل حزب الشيطان بهاحتى يقضي الموت عليه، وهو معلم رايات أبيه التى لم أزل أقاتلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله في كل المواطن، فلم يجدمن الموت منجى إلا الهرب فركب فرسه وقلب رايته، لا يدري كيف يحتال فاستعان برأي ابن العاص فأشار عليه بإظهار المصاحف ورفعها علي الاعلام والدعاء إلى ما فيها وقال: إن ابن أبيطالب وحزبه أهل بصائر ورحمة وتقيا وقد دعوك إلى كتاب الله أولا وهم مجيبوك إليه آخرا فأطاعه فيما أشاربه عليه إذا رأى أنه لا منجى له من القتل أو الهرب غيره، فرفع المصاحف يدعو إلى ما فيها بزعمه، فمالت إلى المصاحف قلوب ومن بقي من أصحابي بعدفناء أخيارهم وجهدهم في جها أعداء الله وأعدائهم على بصائر هم وظنوا أن ابن آكلة الاكباد له الوفاء بما دعا إليه، فأصغوا إلى دعوته وأقبلوا بأجمعهم في إجابته فأعلمتهم أن ذلك منه مكرو من ابن العاص معه وأنهما إلى النكث أقرب منهما إلى الوفاء، فلم يقبلوا قولي ولم يطيعوا أمري، وأبوا إلا أجابته كرهت أم هويت، شئت أو أبيت حى أخذ بعضهم يقول لبعض: إن لم يفعل فألحقوه بان عفان أو ادفعوه إلى ابن هند برمته. فجهد تعلم الله جهدي ولم أدع غلة في نفسى إلا بلغتها في أن يخلوني ورأيى فلم يفعلوا، وراودتهم على الصبر على مقدار فواق الناقة أو ركضة الفرس فلم يجيبوا ما خلاهذا الشيخ (وأو مأبيده إلى الاشتر) وعصبة من أهل بيتي، فوالله ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلا مخافة أن يقتل هذان وأومأ بيده إلى الحسن والحسين عليه السلام - فينقطع نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وذريته من أمته ومخافة أن يقتل هذا وهذا وأومأ بيده إلى عبد الله بن جعفر ومحمد بن الحنفية رضي الله عنهما فإني أعلم لو لا مكاني لم يقفا ذلك الموقف فلذلك صبرع على ما أراد القوم مع ما سبق فيه من علم الله عز وجل فلما رفعنا عن القوم سيوفنا تحكموا في الامور وتخيروا الاحكام والآراء وتركوا المصاحف وما دعوا إليه من حكم القرآن، وما كنت أحكم في دين الله أحدا إذا كان التحكيم في ذلك الخطأ الذي لا شك فيه ولا امتراء، فلما أبوا إلا ذلك أردت أن احكم رجلا من أهل بيتي أو رجلا ممن أرضي رأية وعقله وأثق بنصيحته ومودته ودينهوأقبلت لا اسمي أحذا إلا امتنع منه ابن هند ولا أدعوه إلى شيء من الحق إلا أدبر عنه، وأقبل ابن هند يسومنا عسفا، وما ذاك إلا باتباع أصحابي له على ذلك فلمـاأبوا إلا غلبتي على التحكم تبرأت إلى الله عز وجل منهم وفوضت ذلك إليهم فقلدوه امرءا فخدعه ابن العاص خديعة ظهرت في شرق الارض وغربها، وأظهر المخدوع عليها ندماثم أقبل عليه السلام على أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى يا أميرالمؤمنينفقال عليه السلام وأما السابعة يا أخا اليهود فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان عهد إلى أن أقاتل في آخر الزمان من أيامي قوما من أصحابي يصومون النهار ويقومون الليل ويتلون الكتاب، يمرقون بخلافهم علي ومحاربتهم إياي من الدين مروق السهم من الرمية، فيهم ذوالثدية يختم لى بقتلهم بالسعادة فلما انصرفت إلى موضعي هذا يعني بعد الحكمين أقبل بعض القوم على بعض باللائمة فيما صاروا إليه من تحكيم الحكمين، فلم يجدوا لانفسهم من ذلك مخرجا إلا أن قالوا: كان ينبغي لاميرنا أن لا يبايع من أخطأ وأن يقضى بحقيقة رأيه على قتل نفسه وقتل من خالفه منا فقد كفر بمتابعته إيانا وطاعته لنا في الخطأ، وأحل لنا بذلك قتله وسفك دمه، فتجمعوا على ذلك وخرجوا راكبين رؤوسهم ينادون بأعلى أصواتهم: لا حكم إلا لله،ثم تفرقوا فرقة بالنخيلة واخرى بحروراء واخرى راكبة رأسها تخبط الارض شرقاحتى عبرت دجلة، فلم تمر بمسلم إلا امتحنته، فمن تابعها استحيته، ومن خالفها قتلته، فخرجت إلى الاوليين واحدة بعد اخرى أدعوهم إلى طاعه الله عز وجل ومتابعه الحق والرجوع إليه فأبيا إلا السيف لا يقنعهما غير ذلك، فلما أعيت الحيلة فيهما حاكمتهما إلى الله عز وجل فقتل الله هذه وهذه وكانوا - يا أخا اليهود لولا مافعلوا لكانوا ركنا قويا وسدا منيعا، فأبى الله إلا ما صاروا إليه، ثم كتبت إلى الفرقة الثالثة ووجهت رسلي تتـرى وكـانوا مـنجلة أصحابي وأهل التعبد منهم والزهد في الدنيا فأبت إلا اتباع اختيها والاحتذاء على مثالهما وأسرعت في قتل من خالفهامن المسلمين وتتابعت إلى الاخبار بفعلهم، فخرجت حتى قطعت إليهم دجلة، أوجه السفراء والنصحاء وأطلب العتبي بجهدي بهذا مرة وبهذا مرة أو مأبيده إلى الاشتر، والاحنف بن قيس، وسعيد بن قيس الارحبي والاشعث بن قيس الكندي فلما أبوا إلا تلك ركبتها منهم فقتلهم الله يا أخا اليهودعن آخرهم، وهم أربعة آلاف أو يزيدون حتى لم يفلت منهم مخبر، فاستخرجت ذا الندية من قتلاهم بحضرة من ترى، له ثدي كثدي المرأة ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال، أليس كذلك؟ قالوا، بلى يا أمير المؤمين، فقال عليه السلام: قد وفيت سبعا وسبعا يا أخا اليهود، وبقيت الاخرى وأوشك بهافكان قد. فبكى أصحاب علي عليه السلام وبكى رأس اليهود وقالوا: يا أمير المؤنين أخبرنا بالاخرى فقال: الاخرى أن تخضب هذه وأو مأبيده إلى لحيتهمن هذه أو مأبيده إلى هامته، قال: وارتفعت أصوات الناس في المسجد الجامع بالضجة والبكاء حتى ليم يبق بالكوفة دار إلاخرج أهلها فزعا، وأسلم رأس اليهود على يدي علي عليه السلام من ساعته ولم يزل مقيما حتى قتل أمير المؤمنين عليه السلام وأخذ ابن ملجم لعنه الله فأقبل رأس اليهود حتى وقف على الحسن عليه السلام والناس حوله وابن ملجم لعنه الله بين يديه فقال له: يا أبا محمد اقتله قتله الله، فإني رأيت في الكتب التي انزلت على موسى عليه السلام أن هذا أعظم عند الله عز وجل جرما من ابن آدم قاتل أخيه ومن القدار عاقر ناقة ثمود