قال مصنف هذا الكتاب رحمه الله: إن سائلًا سأل عن قول النبي (ص): "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وعترتي، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض". فقال: ما تنكرون أن يكون أبو بكر من العترة، وكل بني أمية من العترة، أو لا يكون العترة إلا لولد الحسن والحسين، فلا يكون علي بن أبي طالب من العترة؟ فقيل له: أنكرتُ ذلك لما جاءت به اللغة، ودل عليه قوله (ص): "عترتي أهل بيتي".
والأهل مأخوذ من أهالة البيت، وهم الذين يعمرونه، فقيل لكل من عمر البيت "أهل"، كما قيل لمن عمر البيت "أهله". ولذلك قيل لقريش: "آل الله" لأنهم عمار بيته. والآل هو الأهل؛ قال الله عز وجل في قصة لوط: فأسرِ بأهلك بقطع من الليل، وقال: إلا آل لوط نجيناهم بسحر، فسمى "الآل" أهلاً، والآل في اللغة هو الأهل. وأصل الكلمة أن العرب إذا أرادت تصغير "الأهل" قالت "أهيل"، ثم استثقلت الهاء فقالت "آل" وأسقطت الهاء، فصار معنى "الآل" كل من يرجع إلى الرجل من أهله بنسبه.
ثم استعير هذا المعنى في الأمة، فقيل لمن رجع إلى النبي (ص) بدينه "آل"، قال الله عز وجل: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب. وإنما صح أن "الآل" في قصة فرعون هم أتباعه؛ لأن الله عز وجل إنما عذبه على الكفر، لا على النسب. فلم يجز أن يكون المقصود بـ"آل فرعون" أهل بيته. فمتى قال قائل "آل الرجل"، فإنما يرجع بهذا القول إلى أهله، إلا أن تدل عليه دلالة الاستعارة، كما في قوله: أدخلوا آل فرعون. وقد رُوي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: ما عَنى إلا ابنيه.
وأما "الأهل" فهم الذرية من ولد الرجل، وولد أبيه، وجده ودُنِيه على ما تعورف، ولا يقال لولد الجد الأبعد أهل. ألا ترى أن العرب لا تقول للعجم "أهلنا"، وإن كان إبراهيم (عليه السلام) جدهم؟ ولا تقول مضر لأياد "أهلنا"، ولا لربيعة، ولا تقول قريش لسائر ولد مضر "أهلنا". ولو جاز أن يكون سائر قريش أهل الرسول (ص) بالنسب، لكان ولد مضر وسائر العرب أهله. فالأهل أهل بيت الرجل ودُنِيه، فأهل رسول الله (ص) بنو هاشم دون سائر البطون.
فإذا ثبت أن قوله (ص): إني مخلّف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فسأل سائل: ما العترة؟ فقد فسرها هو (ص) بقوله: أهل بيتي. وهكذا في اللغة، فإن العترة شجرة تنبت على باب جحر الضب، كما قال الهذلي: فما كنت أخشى أن أقيم خلافهم لستة أبيات كما ينبت العتر وقال أبو عبيد في كتاب الأمثال، ناقلًا عن أبي عبيدة: "العتر" و"العطر" أصل الإنسان، ومنه قولهم: عادت لعترها لميس، أي عادت إلى خُلق كانت قد فارقته.
فالعترة في أصل اللغة أهل الرجل. وكذلك قال رسول الله (ص): عترتي أهل بيتي. فتبين أن العترة هم الأهل، والأهل هم الولد وغيرهم. ولو لم تكن العترة الأهل، وكانوا الولد دون سائر أهله، لكان قوله (ص): إني مخلّف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، لا يشمل علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لأنه لم يدخل في العترة، فلا يكون ممن لا يفارقه الكتاب، ولا ممن إن تمسكنا به لن نضل، ولا ممن دخل في هذا القول، فيكون كلام النبي (ص) خاصًا دون عام.
فإن صلح أن يكون خاصًا في الولد، صلح أن يكون في بعض الولد، لأنه ليس في الكلام ما يدل على خصوصية في جنس دون جنس. ومما يدل على أن عليًا (عليه السلام) داخل في العترة، قوله (ص): وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض. وقد أجمعت الأمة – إلا من شذ ممن لا يُعتد بخلافه – على أن عليًا (عليه السلام) لم يفارق حكم كتاب الله، وأن رسول الله (ص) لم يخلّف أحدًا أعلم بكتاب الله منه.
وقد كان الحسن والحسين (عليهما السلام) ممن خلّفهما، فهل في الأمة من يقول إنهما كانا أعلم بكتاب الله من علي (عليه السلام)؟ وهل كانا إلا آخذين عنه، مقتديين به؟ ولا يخلو قوله (ص): إني مخلّف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، من أن يكون لكل عصر، أو لعصر دون عصر. فإن كان لكل عصر، فالعصر الذي كان علي (عليه السلام) فيه قائمًا، من كان فيه المخلّف فينا؟ أكان الحسن والحسين (عليهما السلام) هما المرادين؟ فإن قال القائل: هما، فقد أوجب أنهما في وقت مضي النبي (ص) كانا أعلم من أبيهما، وخرج من لسان الأمة.
وإن قال إن النبي (ص) أراد بهذا وقتًا دون وقت، فقد أجاز على نفسه أن يكون أراد بعض العترة دون البعض. لأنه ليس الوقت الذي يدعيه خصمنا أحق بما ندعيه فيه من قول غيره. ولا بد أن يكون النبي (ص) عمم بقوله "التخليف" لكل الأعصار والدهور، أو خصص. فإن عم، فالعصر الذي قام فيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) يوجب دخوله في العترة. إلا أن يقال إنه ظُلم، إذ كان بحضرته من ولده من هو أعلم منه، وهذا لا يقول به مسلم، ولا يجيزه مؤمن على رسول الله (ص).
وكان مرادنا بإيراد قول النبي (ص): وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، في هذا الباب، إثبات اتصال أمر حجج الله (عليهم السلام) إلى يوم القيامة، وأن القرآن لا يخلو من حجة مقترن إليه من الأئمة الذين هم العترة (عليهم السلام)، يعلم حكمه إلى يوم القيامة، لقوله (ص): لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.
وهكذا قوله (ص): إن مثلهم كمثل النجوم، كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة، هو تصديق لقولنا إن الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه، ظاهر مشهور أو خافٍ مغمور، لئلا تبطل حجج الله عز وجل، وبيناته. وقد بين النبي (ص) من العترة المقرونة إلى كتاب الله عز وجل في هذا الحديث الشريف.
الشرح #1
قال مصنف هذا الكتاب رحمه الله: إن سائلًا سأل عن قول النبي (ص): "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وعترتي، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض". فقال: ما تنكرون أن يكون أبو بكر من العترة، وكل بني أمية من العترة، أو لا يكون العترة إلا لولد الحسن والحسين، فلا يكون علي بن أبي طالب من العترة؟ فقيل له: أنكرتُ ذلك لما جاءت به اللغة، ودل عليه قوله (ص): "عترتي أهل بيتي".
والأهل مأخوذ من أهالة البيت، وهم الذين يعمرونه، فقيل لكل من عمر البيت "أهل"، كما قيل لمن عمر البيت "أهله". ولذلك قيل لقريش: "آل الله" لأنهم عمار بيته. والآل هو الأهل؛ قال الله عز وجل في قصة لوط: فأسرِ بأهلك بقطع من الليل، وقال: إلا آل لوط نجيناهم بسحر، فسمى "الآل" أهلاً، والآل في اللغة هو الأهل. وأصل الكلمة أن العرب إذا أرادت تصغير "الأهل" قالت "أهيل"، ثم استثقلت الهاء فقالت "آل" وأسقطت الهاء، فصار معنى "الآل" كل من يرجع إلى الرجل من أهله بنسبه.
ثم استعير هذا المعنى في الأمة، فقيل لمن رجع إلى النبي (ص) بدينه "آل"، قال الله عز وجل: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب. وإنما صح أن "الآل" في قصة فرعون هم أتباعه؛ لأن الله عز وجل إنما عذبه على الكفر، لا على النسب. فلم يجز أن يكون المقصود بـ"آل فرعون" أهل بيته. فمتى قال قائل "آل الرجل"، فإنما يرجع بهذا القول إلى أهله، إلا أن تدل عليه دلالة الاستعارة، كما في قوله: أدخلوا آل فرعون. وقد رُوي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: ما عَنى إلا ابنيه.
وأما "الأهل" فهم الذرية من ولد الرجل، وولد أبيه، وجده ودُنِيه على ما تعورف، ولا يقال لولد الجد الأبعد أهل. ألا ترى أن العرب لا تقول للعجم "أهلنا"، وإن كان إبراهيم (عليه السلام) جدهم؟ ولا تقول مضر لأياد "أهلنا"، ولا لربيعة، ولا تقول قريش لسائر ولد مضر "أهلنا". ولو جاز أن يكون سائر قريش أهل الرسول (ص) بالنسب، لكان ولد مضر وسائر العرب أهله. فالأهل أهل بيت الرجل ودُنِيه، فأهل رسول الله (ص) بنو هاشم دون سائر البطون.
فإذا ثبت أن قوله (ص): إني مخلّف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فسأل سائل: ما العترة؟ فقد فسرها هو (ص) بقوله: أهل بيتي. وهكذا في اللغة، فإن العترة شجرة تنبت على باب جحر الضب، كما قال الهذلي: فما كنت أخشى أن أقيم خلافهم لستة أبيات كما ينبت العتر وقال أبو عبيد في كتاب الأمثال، ناقلًا عن أبي عبيدة: "العتر" و"العطر" أصل الإنسان، ومنه قولهم: عادت لعترها لميس، أي عادت إلى خُلق كانت قد فارقته.
فالعترة في أصل اللغة أهل الرجل. وكذلك قال رسول الله (ص): عترتي أهل بيتي. فتبين أن العترة هم الأهل، والأهل هم الولد وغيرهم. ولو لم تكن العترة الأهل، وكانوا الولد دون سائر أهله، لكان قوله (ص): إني مخلّف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، لا يشمل علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لأنه لم يدخل في العترة، فلا يكون ممن لا يفارقه الكتاب، ولا ممن إن تمسكنا به لن نضل، ولا ممن دخل في هذا القول، فيكون كلام النبي (ص) خاصًا دون عام.
فإن صلح أن يكون خاصًا في الولد، صلح أن يكون في بعض الولد، لأنه ليس في الكلام ما يدل على خصوصية في جنس دون جنس. ومما يدل على أن عليًا (عليه السلام) داخل في العترة، قوله (ص): وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض. وقد أجمعت الأمة – إلا من شذ ممن لا يُعتد بخلافه – على أن عليًا (عليه السلام) لم يفارق حكم كتاب الله، وأن رسول الله (ص) لم يخلّف أحدًا أعلم بكتاب الله منه.
وقد كان الحسن والحسين (عليهما السلام) ممن خلّفهما، فهل في الأمة من يقول إنهما كانا أعلم بكتاب الله من علي (عليه السلام)؟ وهل كانا إلا آخذين عنه، مقتديين به؟ ولا يخلو قوله (ص): إني مخلّف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، من أن يكون لكل عصر، أو لعصر دون عصر. فإن كان لكل عصر، فالعصر الذي كان علي (عليه السلام) فيه قائمًا، من كان فيه المخلّف فينا؟ أكان الحسن والحسين (عليهما السلام) هما المرادين؟ فإن قال القائل: هما، فقد أوجب أنهما في وقت مضي النبي (ص) كانا أعلم من أبيهما، وخرج من لسان الأمة.
وإن قال إن النبي (ص) أراد بهذا وقتًا دون وقت، فقد أجاز على نفسه أن يكون أراد بعض العترة دون البعض. لأنه ليس الوقت الذي يدعيه خصمنا أحق بما ندعيه فيه من قول غيره. ولا بد أن يكون النبي (ص) عمم بقوله "التخليف" لكل الأعصار والدهور، أو خصص. فإن عم، فالعصر الذي قام فيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) يوجب دخوله في العترة. إلا أن يقال إنه ظُلم، إذ كان بحضرته من ولده من هو أعلم منه، وهذا لا يقول به مسلم، ولا يجيزه مؤمن على رسول الله (ص).
وكان مرادنا بإيراد قول النبي (ص): وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، في هذا الباب، إثبات اتصال أمر حجج الله (عليهم السلام) إلى يوم القيامة، وأن القرآن لا يخلو من حجة مقترن إليه من الأئمة الذين هم العترة (عليهم السلام)، يعلم حكمه إلى يوم القيامة، لقوله (ص): لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.
وهكذا قوله (ص): إن مثلهم كمثل النجوم، كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة، هو تصديق لقولنا إن الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه، ظاهر مشهور أو خافٍ مغمور، لئلا تبطل حجج الله عز وجل، وبيناته. وقد بين النبي (ص) من العترة المقرونة إلى كتاب الله عز وجل في هذا الحديث الشريف.