في خبر سيف بن ذي يزن

كمال الدين وتمام النعمة|المجلّد 1|الكتاب 2|الباب 13

كمال الدين وتمام النعمة

الكتاب 2, الباب 13

في خبر سيف بن ذي يزن
حديث واحد · شرح واحد
الشرح 1

و كان سيف بن ذي يزن عارفا بأمر رسول الله ص و قد بشر به عبد المطلب لما وفد عليه‌

الحديث 1

حدّثنا محمد بن عليّ ماجيلويه قال حدّثني عمّي محمد بن أبي القاسم عن محمد بن عليّ الكوفي عن عليّ بن حكيم عن عمرو بن بكّار العبسي عن محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس. وحدثنا محمد بن عليّ بن محمد بن حاتم البوفكي قال حدّثنا أبو منصور محمد بن أحمد بن أزهر بهراة قال حدّثنا محمد بن إسحاق البصري قال أخبرنا عليّ بن حرب قال حدّثني أحمد بن عثمان بن حكيم قال حدّثنا عمرو بن بكر عن أحمد بن القاسم عن محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس. قال: لمّا ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة، وذلك بعد مولد النبي بسنتين، أتاه وفد العرب وأشرافها وشعراؤها بالتهنئة، يمدحونه ويذكرون ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومه. فأتاه وفد من قريش ومعهم عبد المطّلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس، وعبد الله بن جدعان، وأسد بن خويلد بن عبد العزى، ووهب بن عبد مناف، في أناس من وجوه قريش. فقدِموا عليه صنعاء، فاستأذنوا عليه، فإذا هو في رأس قصر يُقال له غمدان. دخلوا عليه، فدنا عبد المطّلب منه، واستأذنه في الكلام، فقال له: إن كنت ممن يتكلّم بين يدي الملوك فقد أذنا لك. فقال عبد المطّلب: إن الله قد أحلك أيها الملك محلًا رفيعًا صعبًا منيعًا شامخًا باذخًا، وأنبتك منبتًا طابت أرومته، وعذبت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه، في أكرم موطن وأطيب موضع وأحسن معدن. وأنت أيها الملك ملك العرب، وربِيعها الذي تُخصب به، وأنت رأسها الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي يلجأ إليه العباد، سلفك خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف. نحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشف الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة.   قال: وأيّهم أنت أيها المتكلّم؟ قال: أنا عبد المطّلب بن هاشم. قال: ابن أختنا؟ قال: نعم. قال: ادنُ. فدنا منه، ثم أقبل على القوم، فقال: مرحبًا وأهلًا وناقةً ورحلًا ومستناخًا سهلًا وملكًا وربحًا. قد سمع الملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم. فأنتم أهل الليل وأهل النهار، ولكم الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا ظعنتم. ثم نُهضوا إلى دار الضيافة والوفود، فأقاموا شهرًا لا يصلون إليه، ولا يُؤذن لهم بالانصراف. ثم أرسل إلى عبد المطّلب فأدناه وأخلاه. فقال: يا عبد المطّلب، إني مفوّض إليك من سرّ علمي أمرًا ما لو كان غيرك لم أبح به، ولكني رأيتك معدنه. فاطّلعْ طلعَةً، فليكن عندك مطويًّا حتى يأذن الله فيه، فإن الله بالغ أمره. إني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الذي اخترناه لأنفسنا، وأخبرناه دون غيرنا، خبرًا عظيمًا وخطرًا جسيمًا، فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس عامة، ولهذا الرهط خاصة، ولك خاصة. قال عبد المطّلب: مثلك أيها الملك من سرّ وبرّ، فما هو؟ فداك أهل الوبر زُمرًا بعد زُمر. قال: إذا وُلد بتهامة غلام بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة، ولكم به الدعامة إلى يوم القيامة. قال عبد المطّلب: لقد أُبتَ بخبرٍ ما آبَ بمثله وافد، ولولا هيبة الملك وإجلاله لسألتك عن مساره. قال: اسمه محمد، يموت أبوه وأمه، ويكفله جدّه وعمّه. قد وُلد سرارًا، والله باعثه جهارًا، وجاعل له منا أنصارًا ليُعِزَّ بهم أولياءه ويذلّ بهم أعداءه. يضرب بهم الناس عن عرض، ويستفتح بهم كرائم الأرض، يكسر الأوثان، ويُخمد النيران، ويعبد الرحمن، ويدحر الشيطان. قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله. قال عبد المطّلب: أيها الملك عزّ جدّك، وعلا كعبك، ودام ملكك وطال عمرك. فهل الملك ساري بإفصاح؟ فقال: إنك يا عبد المطّلب لجده غير كذب. فخرّ عبد المطّلب ساجدًا، فقال له: ارفع رأسك، ثلج صدرك، وعلا أمرك.   قال عبد المطّلب: كان لي ابن وكنت به معجبًا، فزوّجته بكريمة من قومي اسمها آمنة بنت وهب، فجاءت بغلام سميته محمدًا، مات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه. فقال له ابن ذي يزن: إن الذي قلت لك كما قلت لك، فاحفظ ابنك واحذر عليه اليهود، فإنهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلًا. واطوِ ما ذكرتُ لك دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإني لا آمن أن تدخلهم الغيرة.   ثم أمر لكل رجل من القوم بعشرة عبيد وعشر إماء وحلتين من البُرُد ومئة من الإبل وخمسة أرطال من ذهب وعشرة أرطال من فضة وكرش مملوء عنبرًا. وأمر لعبد المطّلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال: إذا حال الحول فائتني. فمات ابن ذي يزن قبل أن يحول الحول. فكان عبد المطّلب كثيرًا ما يقول: يا معشر قريش، لا يغبطنّي رجل منكم بجزيل عطاء الملك وإن كثر، فإنه إلى نفاد، ولكن يغبطني بما يبقى لي ولعقبي من بعدي ذكره وفخره وشرفه. وإذا قيل متى ذلك؟ قال: ستعلمون نبأ ما أقول ولو بعد حين. وفي ذلك يقول أمية بن عبد شمس يذكر مسيرهم إلى ابن ذي يزن:   جلبنا الضحّ تحملُه المطايا على أكوار أجمَال ونوقِ مغلغلة مغالقها تُغالى إلى صنعاء من فجٍّ عميقِ يؤمّ بنا ابنُ ذي يزن ويُهدى ذوات بطونها أمّ الطريقِ وتزجي من مخائلِه بروقًا مواصلةَ الوميض إلى بروقِ فلمّا وافقت صنعاء صارتْ بدار الملك والحسب العريقِ إلى ملكٍ يدرُّ لنا العطايا بحُسنِ بشاشة الوجه الطليقِ\<br