في غيبة إدريس عليه السلام

كمال الدين وتمام النعمة|المجلّد 1|الكتاب 2|الباب 1

كمال الدين وتمام النعمة

الكتاب 2, الباب 1

في غيبة إدريس عليه السلام
حديث واحد · شرح واحد
الشرح 1

فأول الغيبات غيبة إدريس النبي  عليه السلام المشهورة حتى آل الامر بشيعته إلى أن تعذر عليهم القوت وقتل الجبار من قتل منهم وأفقر وأخاف باقيتهم، ثم ظهر  عليه السلام فوعد شيعته بالفرج وبقيام القائم من ولده، وهو نوح  عليه السلام ثم رفع الله عز و جل إدريس  عليه السلام إليه، فلم تزل الشيعة تتوقعون قيام نوح  عليه السلام قرنا بعد قرن، و خلفا عن سلف، صابرين من الطواغيت على العذاب المهين حتى ظهرت نبوة نوح  عليه السلام.

الحديث 1

حدثنا أبي، ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، ومحمد بن موسى بن المتوكل - رضي الله عنهم - قالوا: حدثنا سعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر الحميري، ومحمد بن يحيى العطار، قالوا: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، وإبراهيم بن هاشم جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبيه، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام قال: كان بدء نبوة إدريس عليه السلام أنه كان في زمانه ملك جبار، وأنه ركب ذات يوم في بعض نزهه، فمر بأرض خضرة نضرة لعبد مؤمن من الرافضة، فأعجبته، فسأل وزراءه: لمن هذه الأرض؟ قالوا: لعبد مؤمن من عبيد الملك فلان الرافضي. فدعا به فقال له: أمتعني بأرضك هذه، فقال: عيالي أحوج إليها منك. قال: فسمني بها أثمن لك، قال: لا أمتعك بها ولا أسومك، دع عنك ذكرها. فغضب الملك عند ذلك وأسف، وانصرف إلى أهله وهو مغموم متفكر في أمره. وكانت له امرأة من الأزارقة، وكان بها معجبا، يشاورها في الأمر إذا نزل به. فلما استقر في مجلسه بعث إليها ليشاورها في أمر صاحب الأرض. فخرجت إليه، فرأت في وجهه الغضب، فقالت: أيها الملك، ما الذي دهاك حتى بدا الغضب في وجهك؟ فأخبرها بخبر الأرض وما جرى. فقالت: أيها الملك، إنما يهتم به من لا يقدر على التغيير والانتقام، فإن كنت تكره أن تقتله بغير حجة فأنا أكفيك أمره، وأصير أرضه بيدك بحجة فيها العذر عند أهل مملكتك. قال: وما هي؟ قالت: أبعث إليه أقواما من أصحابي الأزارقة حتى يأتوك به، فيشهدوا عليه عندك أنه قد برئ من دينك، فيجوز لك قتله وأخذ أرضه. قال: فافعلي. فشهدوا عليه فقتله الملك واستخلص أرضه. فغضب الله تعالى للمؤمن، وأوحى إلى إدريس أن ائت الجبار وقل له: أما رضيت أن قتلت عبدي ظلما وأخذت أرضه، وأحوجت عياله؟ أما وعزتي، لأسلبنك ملكك، ولأخربن مدينتك، ولأذلن عزك، ولأطعمن الكلاب لحم امرأتك. فأتى إدريس الجبار في مجلسه، وبلغه رسالة الله، فغضب الجبار وقال: اخرج عني فلن تسبقني بنفسك. ثم أخبر امرأته، فقالت: أرسل إليه من يقتله فتبطل رسالته. وكان لإدريس أصحاب من المؤمنين الرافضة، فاجتمع بهم وأخبرهم بما أوحي إليه، فخافوا عليه. فأرسلت المرأة أربعين رجلا من الأزارقة ليقتلوه، فلم يجدوه. فلما علم أصحابه بذلك أخبروه، فخرج من القرية مع بعض أصحابه. وفي السحر ناجى ربه، فقال: يا رب، بعثتني إلى جبار، فبلغت رسالتك، وقد توعدني بالقتل. فأوحى الله إليه أن يخرج ويترك القرية، وقال له: سل تعط. قال: أسألك ألا تمطر السماء على أهل هذه القرية حتى أسألك. قال الله: أعطيتك ما سألت. فأخبر إدريس أصحابه بذلك، وخرجوا من القرية وعددهم عشرون رجلا. وتنحى إلى كهف في جبل شاهق، ووكل الله به ملكا يأتيه بطعامه كل مساء، وكان يصوم النهار. ثم إن الله تعالى أنفذ وعده، فقتل الجبار، وخرب مدينته، وأطعم الكلاب لحم امرأته. وظهر جبار آخر عاص، ومكث أهل القرية عشرين سنة لا يمطر عليهم، فاشتد بهم الجوع والضيق. فاجتمع القوم وتابوا، ولبسوا المسوح، وحثوا التراب على رؤوسهم، وبكوا إلى الله. فأوحى الله إلى إدريس أن أهل قريتك تابوا، فسلني أن أمطر عليهم. قال إدريس: لا أسألك. فقال الله: ألم تسألني فأجبتك؟ وأنا أسألك فلم لا تجيبني؟ فقال: لا أسألك. فأمر الله الملك أن يحبس عنه طعامه. فأمضى إدريس ثلاث ليال لم يؤته الطعام، فاشتد جوعه وحزنه، فنادى ربه. فأوحى الله إليه: جزعت من الجوع بعد ثلاث، ولم تجزع على جوع أهل قريتك عشرين سنة؟ ثم قال له: اهبط واطلب المعاش بنفسك. فدخل قرية فرأى امرأة ترقق قرصتين، فطلب منها طعاما، فقالت: ليس عندنا إلا قرصتان لي ولابني. فأقنعها أن تقسم القرصة الثانية، فلما رأى ابنها إدريس يأكل من طعامه، اضطرب حتى مات. فقال لها إدريس: لا تجزعي، فأنا أحييه بإذن الله. ثم دعا الله فعاد الغلام إلى الحياة. فصاحت المرأة: أشهد أنك إدريس، وبشرت أهل القرية. فمضى إدريس إلى موضع المدينة فوجده تلا، وجاءه أهل القرية، وقالوا: ادع الله لنا. قال: لا حتى يأتيني جباركم وأهل قريتكم مشاة حفاة. فجاءوه جميعا، خاضعين، فدعا الله، فهطلت السماء عليهم حتى كادوا يغرقون.