المجلس السابع والتسعون، مجلس يوم الخميس، بقيت إحدى عشرة ليلة من شعبان سنة 368 هـ، في مشهد مولانا أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام)

الأمالي|المجلّد 1|الكتاب 1|الباب 97

الأمالي

الكتاب 1, الباب 97

المجلس السابع والتسعون، مجلس يوم الخميس، بقيت إحدى عشرة ليلة من شعبان سنة 368 هـ، في مشهد مولانا أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام)
حديثان
الحديث 1

1 - حدثنا الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (رضي الله عنه)، قال: حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل (رحمه الله)، قال: حدثنا محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أبو محمد القاسم بن العلاء عن عبد العزيز ابن مسلم، قال: كنا في أيام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بمرو، فاجتمعنا في مسجد جامعها في يوم جمعة في بدء مقدمنا فأدار الناس أمر الامامة، وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها، فدخلت على سيدي ومولاي الرضا (عليه السلام)، فأعلمته بما خاض الناس فيه، فتبسم (عليه السلام)، ثم قال: يا عبد العزيز، جهل القوم وخدعوا عن أديانهم (1)، إن الله عز وجل لم يقبض نبيه (صلى الله عليه وآله) حتى أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كل شئ، بين فيه الحلال والحرام والحدود والاحكام، وجميع ما يحتاج الناس إليه كملا (2)، فقال عز وجل: (ما فرطنا في الكتاب من شئ (3)، وأنزل في حجة الوداع، وهي آخر عمره (صلى الله عليه وآله): (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) (1)، وأمر الامامة من تمام الدين، ولم يمض (صلى الله عليه وآله) حتى بين لامته معالم دينهم (2)، وأوضح لهم سبله، وتركهم على قصد الحق، وأقام لهم عليا (عليه السلام) علما وإماما، وما ترك شيئا تحتاج إليه الامة إلا بينه، فمن زعم أن الله عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله عز وجل، ومن رد كتاب الله عز وجل فهو كافر. هل يعرفون قدر الامامة ومحلها من الامة، فيجوز فيها اختيارهم؟ إن الامامة أجل قدرا وأعظم شأنا، وأعلى مكانا، وأمنع جانبا، وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماما باختيارهم، إن الامامة خص الله عز وجل بها إبراهيم الخليل (صلى الله عليه وآله) بعد النبوة، والخلة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرفه الله بها، فأشاد (3) بها ذكره، فقال عزوجل: (إنى جاعلك للناس إماما) فقال الخليل (عليه السلام) سرورا بها: (ومن ذريتي)؟ قال: الله تبارك وتعالى: (لا ينال عهدي الظالمين) (4)، فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة، ثم أكرمه الله بأن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة، فقال عز وجل: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين) (5). فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا (6) حتى ورثها النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال جل جلاله: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ءامنوا والله ولى المؤمنين) (1) فكانت له خاصة، فقلدها النبي (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) بأمر الله عز وجل على رسم ما فرض الله، فصارت في ذريته الاصفياء الذين آتاهم الله العلم والايمان بقوله عز وجل (وقال الذين أوتوا العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله إلي يوم البعث) (2) فهي في ولد علي (عليه السلام) خاصة إلى يوم القيامة، إذ لا نبي بعد محمد (صلى الله عليه وآله). فمن أين يختار هؤلاء الجهال أن الامامة هي منزلة الانبياء وإرث الاوصياء؟ إن الامامة خلافة الله عز وجل وخلافة الرسول (صلى الله عليه وآله) ومقام أمير المؤمنين (عليه السلام) وميراث الحسن والحسين (عليهما السلام)، إن الامامة زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعز المؤمنين، إن الامامة أس الاسلام النامي وفرعه السامي، بالامام تمام الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، وتوفير الفئ، والصدقات، وإمضاء الحدود والاحكام، ومنع الثغور والاطراف، الامام يحل حلال الله ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعوا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة. الامام كالشمس الطالعة للعالم، وهي في الافق بحيث لا تنالها الايدي والابصار، الامام البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى والبلد القفار ولجج البحار، الامام الماء العذب على الظمأ، والدال على الهدى، والمنجي من الردى، الامام النار على اليفاع (3)، الحار لمن اصطلى به، والدليل على المسالك (4)، من فارقه فهالك، الامام السحاب الماطر، والغيث الهاطل، والشمس المضيئة، والارض والبسيطة، والعين الغزيرة، والغدير والروضة. الامام الامين الرفيق، والوالد الرقيق، والاخ الشفيق، ومفزع العباد في الداهية، الامام أمين الله في أرضه، وحجته على عباده، وخليفته في بلاده، والداعي إلى الله، والذاب عن حرم الله، الامام المطهر من الذنوب، المبرأ من العيوب، مخصوص بالعلم، موسوم بالحلم، نظام الدين، وعز المسلمين، وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين، الامام واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد عنه (1) بدل، ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له (2) ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضل الوهاب. فمن ذا الذي يبلغ معرفة الامام أو يمكنه اختياره؟ هيهات هيهات، ضلت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الالباب، وحسرت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الالباء، وكلت الشعراء، وعجزت الادباء، وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه، أو فضيلة من فضائله، فأقرت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف أو ينعت بكنهه، أو يفهم شئ من أمره، أو يوجد من يقوم مقامه، ويغني غناءه؟ لا، كيف وأنى (3) وهو بحيث النجم من أيدي المتناولين ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا، وأين العقول عن هذا، وأين يوجد مثل هذا؟ أظنوا أن ذلك يوجد في غير آل الرسول (عليهم السلام)؟ كذبتهم والله أنفسهم، ومنتهم الاباطيل، وارتقوا مرتقا صعبا دحضا (4)، تزل عنه إلى الحضيض أقدامهم، راموا إقامة الامام بعقول حائرة بائرة ناقصة، وآراء مضلة، فلم يزدادوا منه إلا بعدا، قاتلهم الله أنى يؤفكون، لقد راموا صعبا، وقالوا إفكا، وضلوا ضلالا بعيدا، ووقعوا في الحيرة، إذ تركوا الامام عن بصيرة، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين، رغبوا عن اختيار الله واختيار رسوله إلى اختيارهم، والقرآن يناديهم: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون) (1)، وقال عز وجل: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) (2)، وقال عز وجل: (وما لكم كيف تحكمون * أم لكم كتاب فيه تدرسون * إن لكم فيه لما تخيرون * أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون * سلهم أيهم بذلك زعيم * أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين) (3)، وقال عز وجل: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) (4) أم طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون أم (قالوا سمعنا وهم لا يسمعون * إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون * ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون) (5)، و (قالوا سمعنا وعصينا) (6) بل هو (فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) (7). فكيف لهم باختيار الامام، والامام عالم لا يجهل، راع لا ينكل، معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعلم والعبادة، مخصوص بدعوة الرسول، وهو نسل المطهرة البتول، لا مغمز فيه في نسب، ولا يدانيه ذو حسب، في البيت من قريش، والذروة من هاشم، والعترة من آل الرسول (8)، والرضا من الله، شرف الاشراف، والفرع من عبد مناف، نامي العلم، كامل الحلم، مضطلع بالامامة، عالم بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر الله، ناصح لعباد الله، حافظ لدين الله. إن الانبياء والائمة يوفقهم الله عز وجل ويؤتيهم من مخزون علمه وحلمه وما لا يؤتيه غيرهم، فيكون علمهم فوق كل علم أهل زمانهم في قوله عز وجل: (أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدى إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) (1)، وقوله عز وجل: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا) (2)، وقوله عز وجل في طالوت: (إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتى ملكه من يشاء والله واسع عليم) (3)، وقال عز وجل لنبيه (صلى الله عليه وآله): (وكان فضل الله عليك عظيما) (4)، وقال عز وجل في الائمة من أهل بيته وعترته وذريته (صلوات الله عليهم): * (أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله فقد آتينا ءال إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم ملكا عظيما * فمنهم من ءامن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا) (5). وإن العبد إذا اختاره الله عز وجل لامور عباده، شرح صدره لذلك، وأودع قلبه ينابيع الحكمة، وألهمه العلم إلهاما، فلم يعي بعده بجواب، ولا يحير فيه عن الصواب، وهو معصوم مؤيد موفق مسدد، قد أمن الخطايا والزلل والعثار، وخصه الله بذلك ليكون حجته على عباده، وشاهده على خلقه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. فهل يقدرون على مثل هذا فيختاروه، أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدموه؟ تعدوا وبيت الله الحق، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، وفي كتاب الله الهدى والشفاء، فنبذوه واتبعوا أهواءهم، فذمهم الله ومقتهم وأتعسهم، فقال عز وجل: (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدى القوم الظالمين) (1) وقال عز وجل: (فتعسا لهم وأضل أعمالهم) (2)، وقال عز وجل: (كبر مقتا عند الله وعند الذين ءامنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) (3).

الحديث 2

وصلى الله على محمد المصطفى وعلي المرتضى وفاطمة الزهراء والائمة من ولدها الاخيار، آل يس الابرار، وسلم تسليما كثيرا