المجلس التسعون: مجلس يوم الثلاثاء ثالث شعبان سنة 368 هـ.

الأمالي|المجلّد 1|الكتاب 1|الباب 90

الأمالي

الكتاب 1, الباب 90

المجلس التسعون: مجلس يوم الثلاثاء ثالث شعبان سنة 368 هـ.
7 أحاديث
الحديث 1

1 - حدثنا الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي (رضي الله عنه)، قال: حدثنا أبي (رحمه الله)، قال: حدثنا سعد بن عبد الله، قال: حدثنا محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، قال: حدثنا يونس بن عبد الرحمن، قال: حدثنا الحسن بن زياد العطار، قال: حدثنا سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): تعلموا العلم، فإن تعلمه حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وهو عند الله لاهله قربة، لانه معالم الحلال والحرام، وسالك بطالبه سبيل الجنة، وهو أنيس في الوحشة، وصاحب في الوحدة، وسلاح على الاعداء، وزين الاخلاء، يرفع الله به أقواما يجعلهم في الخير أئمة يقتدي بهم، ترمق أعمالهم، وتقتبس آثارهم، وترغب الملائكة في خلتهم، يمسحونهم بأجنحتهم في صلاتهم، لان العلم حياة القلوب، ونور الابصار من العمى، وقوة الابدان من الضعف، ينزل الله حامله منازل الابرار، ويمنحه مجالسة الاخيار في الدنيا والآخرة، بالعلم يطاع الله ويعبد، وبالعلم يعرف الله ويوحد، وبالعلم توصل الارحام، وبه يعرف الحلال والحرام، والعلم إمام العقل، والعقل تابعه، يلهمه الله السعداء، ويحرمه الاشقياء (1).

الحديث 2

2 - حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنه)، قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، قال: حدثنا إبراهيم بن هاشم، عن عبد الله بن ميمون المكي، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): استحيوا من الله حق الحياء. قالوا: وما نفعل، يا رسول الله؟ قال: فإن كنتم فاعلين فلا يبيتن أحدكم إلا وأجله بين عينيه، وليحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وليذكر القبر والبلى، ومن أراد الآخرة فليدع زينة الحياة الدنيا (2).

الحديث 3

3 - حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل (رضي الله عنه)، قال: حدثنا سعد بن عبد الله، قال: حدثنا القاسم بن محمد الاصبهاني، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث النخعي القاضي، قال: قلت للصادق جعفر بن محمد (عليه السلام): ما الزهد في الدنيا؟ فقال: قد حد الله عزوجل ذلك في كتابه فقال: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بماءاتاكم) (3).

الحديث 4

4 - حدثنا جعفر بن محمد بن مسرور (رحمه الله)، قال: حدثنا الحسين بن محمد بن عامر، عن عمه عبد الله بن عامر، عن أبي أحمد محمد بن زياد الازدي، عن الفضل بن يونس، قال: كان ابن أبي العوجاء من تلامذة الحسن البصري، فانحرف عن التوحيد، فقيل له: تركت مذهب صاحبك، ودخلت فيما لا أصل له ولا حقيقة؟ فقال: إن صاحبي كان مخلطا، كان يقول طورا بالقدر، وطورا بالجبر، وما أعلمه اعتقد مذهبا دام عليه. قال: ودخل مكة تمردا وإنكارا على من يحج، وكان يكره العلماء مساءلته إياهم ومجالسته لهم، لخبث لسانه، وفساد ضميره، فأتى الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) فجلس إليه في جماعة من نظرائه، ثم قال له: يا أبا عبد الله، إن المجالس أمانات، ولا بد لكل من كان به سعال أن يسعل، فتأذن لي في الكلام؟ فقال الصادق (عليه السلام): تكلم بما شئت. فقال ابن أبي العوجاء: إلى كم تدوسون هذا البيدر، وتلوذون بهذا الحجر، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب (1) والمدر، وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر، من فكر في هذا أو قدر، علم أن هذا فعل أسسه غير حكيم ولا ذي نظر، فقل فإنك رأس هذا الامر وسنامه، وأبوك اسه ونظامه. فقال الصادق (عليه السلام): إن من أضله الله وأعمى قلبه، استوخم الحق فلم يستعذبه، وصار الشيطان وليه، يورده مناهل الهلكة ثم لا يصدره، وهذا بيت استعبد الله به خلقه، ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثهم على تعظيمه وزيارته، وقد جعله محل الانبياء، وقبلة للمصلين له، وهو شعبة من رضوانه، وطريق يؤدي إلى غفرانه، منصوب على استواء الكمال ومجتمع العظمة، خلقه الله قبل دحو الارض بألفي عام، وأحق من اطيع فيما أمر، وانتهي عما نهى عنه وزجر، الله المنشئ للارواح والصور. فقال ابن أبي العوجاء: ذكرت - يا أبا عبد الله - فأحلت على غائب. فقال: ويلك، وكيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد، وإليهم أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم، ويرى أشخاصهم، ويعلم أسرارهم، وإنما المخلوق الذي إذا انتقل من مكان، اشتغل به مكان، وخلا منه مكان، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه، فأما الله العظيم الشأن الملك الديان، فإنه لا يخلو منه مكان، ولا يشتغل به مكان، فلا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان، والذي بعثه بالآيات المحكمة والبراهين الواضحة وأيده بنصره، واختاره لتبليغ رسالاته، صدقنا قوله بأن ربه بعثه وكلمه. فقام عنه ابن أبي العوجاء، وقال لاصحابه: من ألقاني في بحر (1) هذا؟ سألتكم أن تلتمسوا لي خمرة، فألقيتموني على جمرة. قالوا: ما كنت في مجلسه إلا حقيرا. قال: إنه ابن من حلق رؤوس من ترون (2).

الحديث 5

5 - حدثنا الحسين بن عبد الله بن سعيد العسكري، قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن رعل (3) العبشمي، قال: حدثنا ثبيت بن محمد، قال: حدثنا أبو الاحوص المصري، قال: حدثنا جماعة من أهل العلم، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده (عليهم السلام)، قال: بينما أمير المؤمنين (صلوات الله عليهم) في أصعب موقف بصفين، إذ قام إليه رجل من بني دودان، فقال: ما بال قومكم دفعوكم عن هذا الامر، وأنتم الاعلون نسبا، وأشد نوطا (4) بالرسول، وفهما بالكتاب والسنة؟ فقالت: سألت - يا أخا بني دودان - ولك حق المسألة، وذمام الصهر (5)، وإنك لقلق الوضين (6)، ترسل عن ذي مسد (7)، إنها إمرة شحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين، ونعم الحكم الله. فدع عنك نهبا صيح في حجراته (1)، وهلم الخطب في ابن أبي سفيان، فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه (2). لا غرو إلا جارتي وسؤالها * * ألا هل لنا أهل سألت كذلك بئس القوم من خفضني (3)، وحاولوا الادهان في دين الله، فإن ترفع عنا محن البلوى أحملهم من الحق على مخضه، وأن تكن الاخرى (فلا تأس على القوم الفاسقين) (4) إليك عني، يا أخا بني دودان (5).

الحديث 6

6 - حدثنا الحسن بن عبد الله بن سعيد، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن الحجاج العدل، قال: حدثنا أحمد بن محمد النحوي، قال: حدثنا شعيب بن واقد، قال: حدثنا صالح بن الصلت، عن عبد الله بن زهير، قال: وفد العلاء بن الحضرمي على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله، إن لي أهل بيت أحسن إليهم فيسيئون، وأصلهم فيقطعون. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ادفع بالتى هي أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقها إلا ذو حظ عظيم) (6). فقال العلاء بن الحضرمي، إني قد قلت شعرا، هو أحسن من هذا، قال: وما قلت؟ فأنشده: وحي ذوي الاضعان تسب قلوبهم * * تحيتك العظمى فقد يرفع النغل فإن أظهروا خيرا فجاز بمثله * * وإن خنسوا عنك الحديث فلا تسل فإن الذي يؤذيك منه سماعه * * وإن الذي قالوا وراءك لم يقل فقال النبي (صلى الله عليه وآله): إن من الشعر لحكما (1)، وإن من البيان لسحرا، وإن شعرك لحسن، وإن كتاب الله أحسن (2).

الحديث 7

7 - حدثنا علي بن أحمد بن موسى الدقاق (رضي الله عنه)، قال: حدثنا محمد بن الحسن الطائي، قال: حدثنا محمد بن الحسين الخشاب، قال: حدثنا محمد ابن محسن، عن المفضل بن عمر، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن أبيه (عليهم السلام)، قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): والله ما دنياكم عندي إلا كسفر (3) على منهل حلوا، إذ صاح بهم سائقهم فارتحلوا، ولا لذاذتها في عيني إلا كحميم أشربه غساقا (4)، وعلقم أتجرعه زعاقا (5)، وسم أفعى (6) أسقاه دهاقا (7)، وقلادة من نار أوهقها (8) خناقا، ولقد رقعت مدرعتي (9) هذه حتى استحييت من راقعها، وقال لي: اقذف بها قذف الاتن (1)، لا يرتضيها ليرقعها. فقلت له: اغرب عني، فعند الصباح يحمد القوم السرى، وتنجلي عنا علالات الكرى (2). ولو شئت لتسربلت بالعبقري المنقوش من ديباجكم، ولاكلت لباب هذا البر بصدور دجاجكم، ولشربت الماء الزلال برقيق زجاجكم، ولكني اصدق الله جلت عظمته حيث يقول: (من كان يريد الحياة الدينا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار) (3)، فكيف أستطيع الصبر على نار لو قذفت بشررة إلى الارض لاحرقت نبتها، ولو اعتصمت نفس بقلة لانضجها وهج النار في قلتها؟ وأيما (4) خير لعلي أن يكون عند ذي العرش مقربا، أو يكون في لظى خسيئا مبعدا، مسخوطا عليه بجرمه مكذبا. والله لان أبيت على حسك السعدان (5) مرقدا، وتحتي أطمار على سفاها (6) ممددا، أو أجر في أغلالي مصفدا، أحب إلي من أن ألقى في القيامة محمدا خائنا في ذي يتمة أظلمه بفلسه متعمدا، ولم أظلم اليتيم وغير اليتيم! لنفس تسرع إلى البلاء (1) قفولها، ويمتد في أطباق الثرى حلولها، وإن عاشت رويدا فبذي العرش نزولها. معاشر شيعتي، احذروا فقد عظتكم الدنيا بأنيابها، تختطف منكم نفسا بعد نفس كذئابها، وهذه مطايا الرحيل قد أنيخت لركابها. ألا إن الحديث ذو شجون، فلا يقولن قائلكم: إن كلام علي متناقض، لان الكلام عارض. ولقد بلغني أن رجلا من قطان (2) المدائن تبع بعد الحنيفية علوجه، ولبس من نالة (3) دهقانه منسوجه، وتضمخ بمسك هذه النوافج (4) صباحه، وتبخر بعود الهند رواحه، وحوله ريحان حديقة يشم نفاحه، وقد مد له مفروشات الروم على سرره، تعسا له بعد ما ناهز السبعين من عمره، وحوله شيخ يدب على أرضه من هرمه، وذو يتمة تضور من ضره ومن قرمه (5)، فما واساهم بفاضلات من علقمه، لئن أمكنني الله منه لاخضمنه خضم البر، ولاقيمن عليه حد المرتد، ولاضربنه الثمانين بعد حد، ولاسدن من جهله كل مسد، تعسا له أفلا شعر، أفلا صوف، أفلا وبر، أفلا رغيف قفار (6) الليل إفطار مقدم (7)، أفلا عبرة على خد في ظلمة ليال تنحدر؟ ولو كان مؤمنا لا تسقت له الحجة إذا ضيع ما لا يملك. والله لقد رأيت عقيلا أخي وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعه، وعاودني في عشر وسق (8) من شعيركم يطعمه جياعه، ويكاد يلوي ثالث أيامه خامصا ما استطاعه، ورأيت أطفاله شعث الالوان من ضرهم كأنما اشمأزت وجوههم من قرهم (1)، فلما عاودني في قوله وكرره، أصغيت إليه سمعي فغره، وظنني أوتغ ديني (2) فأتبع ما سره، أحميت له حديدة لينزجر، إذ لا يستطيع منها دنوا ولا يصبر، ثم أدنيتها من جسمه، فضج من ألمه، ضجيج ذي دنف يئن من سقمه، وكاد يسبني سفها من كظمه، ولحرقة في لظى أضنى له من عدمه، فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل، أتئن من حديدة أحماها إنسانها لمدعبه، وتجرني إلى نار سجرها جبارها من غضبه؟! أتئن من الاذى، ولا أئن من لظى؟! والله لو سقطت المكافاة عن الامم، وتركت في مضاجعها باليات في الرمم (3)، لاستحييت من مقت رقيب يكشف فاضحات من الاوزار تنسخ، فصبرا على دنيا تمر بلاوائها (4) كليلة بأحلامها تنسلخ، كم بين نفس في خيامها ناعمة، وبين أثيم في جحيم يصطرخ؟ ولا تعجب من هذا، واعجب بلا صنع منا، من طارق طرقنا بملفوفات زملها (5) في وعائها، ومعجونة بسطها في إنائها، فقلت له أصدقة، أم نذر، أم زكاة؟ وكل ذلك يحرم علينا أهل بيت النبوة، ومعوضن منه خمس ذي القربى في الكتاب والسنة. فقال لي: لا ذاك ولا ذاك، ولكنه هدية. فقلت له: ثكلتك الثواكل، أفعن دين الله تخدعني بمعجونة غرقتموها بقندكم، وخبيصة (6) صفراء أتيتموني بها بعصير تمركم؟ أمختبط، أم ذو جنة، أم تهجر؟ أليست النفوس عن مثقال حبة من خردل مسؤولة؟ فماذا أقول في معجونة أتزقمها معمولة؟ والله لو أعطيت الاقاليم السبعة بما تحت أفلاكها، واسترق لي قطانها، مذعنة بأملاكها، على أن أعصي الله في نملة أسلبها شعيرة فألوكها، ما قبلت ولا أردت، ولدنياكم أهون عندي من ورقة في جرادة (1) تقضمها، وأقذر عندي من عراقة (2) خنزير يقذف بها أجذمها، وأمر على فؤادي من حنظلة يلوكها ذو سقم فيبشمها (3)، فكيف أقبل ملفوفات عكمتها (4) في طيها، ومعجونة كأنها عجنت بريق حية أو قيها؟ اللهم إني نفرت عنها نفار المهرة من راكبها، أريه السها ويريني القمر (5). أمتنع من وبرة من قلوصها (6) ساقطة، وابتلع إبلا في مبركها رابطة؟ أدبيب العقارب من وكرها ألتقط، أم قواتل الرقش (7) في مبيتي ارتبط؟ فدعوني أكتفي من دنياكم بملحي وأقراصي، فبتقوى الله أرجو خلاصي، ما لعلي ونعيم يفنى ولذة تنتجها (8) المعاصي؟ سألقى وشيعتي ربنا بعيون مرة (9)، وبطون خماص (10) (ليمحص الله الذين ءامنوا ويمحق الكافرين) (11) ونعوذ بالله من سيئات الاعمال (12).