حدثنا أحمد بن محمد بن الصقر الصائغ قال: حدثنا عيسى بن محمد العلوي، قال: حدثنا أحمد بن سلام الكوفي، قال: حدثنا الحسن بن عبد الواحد، قال: حدثنا الحارث بن الحسن، قال: حدثنا أحمد بن إسماعيل بن صدقة، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: لما أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله " وكل شئ أحصيناه في إمام مبين " قام أبو بكر وعمر من مجلسهما فقالا: يا رسول الله هو التوراة؟ قال: لا، قالا: فهو الإنجيل؟ قال: لا، قالا: فهو القرآن؟ قال: لا. قال: فأقبل أمير المؤمنين علي عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هو هذا، إنه الامام الذي أحصى الله تبارك وتعالى فيه علم كل شئ.
معنى الإمام المبين
قال مصنف هذا الكتاب - رضي الله عنه -: سألت أبا بشر اللغوي بمدينة السلام عن معنى الامام فقال: الامام في لغة العرب هو المتقدم بالناس، والامام هو المطمر وهو التر الذي يبنى عليه البناء، والامام هو الذهب الذي يجعل في دار الضرب ليؤخذ عليه العيار، والامام هو الخيط الذي يجمع حبات العقد، والامام هو الدليل في السفر في ظلمة الليل، والامام هو السهم الذي يجعل مثالا يعمل عليه السهام.
حدثنا أبو العباس محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني - رضي الله عنه - قال: حدثنا أبو أحمد القاسم بن محمد بن علي الهاروني، قال: حدثنا أبو حامد عمران بن موسى بن إبراهيم، عن الحسن بن القاسم الرقام، قال: حدثني القاسم بن مسلم، عن أخيه عبد العزيز بن مسلم، قال: كنا مع الرضا عليه السلام بمرو فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء مقدمنا فأداروا أمر الإمامة وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها فدخلت على سيدي عليه السلام فأعلمته خوضان الناس في ذلك فتبسم عليه السلام، ثم قال: يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن أديانهم: إن الله عز وجل لم يقبض نبيه صلى الله عليه وآله حتى أكمل لهم الدين، وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كل شئ بين فيه الحلال والحرام والحدود والاحكام وجميع ما يحتاج الناس إليه كملا فقال عز وجل: " ما فرطنا في الكتاب من شئ " فأنزل في حجة الوداع وهي آخر عمره عليه السلام: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا " فأمر الإمامة من تمام الدين فلم يمض عليه السلام حتى بين لامته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد سبيل الحق وأقام لهم عليا عليه السلام علما وإماما وما ترك شيئا يحتاج إليه الأمة إلا بينه فمن زعم أن الله عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله من رد كتاب الله فهو كافر، هل تعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة فيجوز فيها اختيارهم. إن الإمامة أجل قدرا، وأعظم شأنا، وأعلى مكانا، وأمنع جانبا، وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماما باختيارهم، إن الإمامة خص الله بها إبراهيم الخليل عليه السلام بعد النبوة والخلة مرتبة ثالثة وفضيلة شرفه بها وأشاد بها ذكره فقال عز وجل: " إني جاعلك للناس إماما " فقال الخليل عليه السلام سرورا بها: " ومن ذريتي " قال الله تبارك وتعالى: " لا ينال عهدي الظالمين " فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالمإلى يوم القيامة، فصارت في الصفوة. ثم أكرمه الله بأن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة فقال: " ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين " فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا حتى ورثها النبي صلى الله عليه وآله فقال جل جلاله: " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولى المؤمنين " فكانت له خاصة فقلدها رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام بأمر الله عز وجل على رسم ما فرضها الله، فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والايمان لقوله عز وجل: " وقال الذين أوتوا العلم و الايمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث " فهي في ولد علي عليه السلام [خاصة] إلى يوم القيامة إذ لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله فمن أين يختار هؤلاء الجهال الامام؟ إن الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء إن الإمامة [ل] خلافة الله وخلافة الرسول صلى الله عليه وآله و مقام أمير المؤمنين عليه السلام وميراث الحسن والحسين عليهما السلام، لقوله عز وجل: " وقال الذين أوتوا العلم والايمان "، إن الإمامة زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعز المؤمنين، إن الإمامة أس الاسلام النامي وفرعه السامي، بالامام تمام الصلاة و الزكاة والصيام والحج والجهاد وتوفير الفيئ والصدقات وإمضاء الحدود والاحكام ومنع الثغور والأطراف ، والامام يحل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله ويذب عن دين الله ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة بالحجة البالغة، والامام كالشمس الطالعة [المجللة بنورها] للعالم وهي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والابصار، والامام البدر المنير، والسراج الظاهر والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى والبلد القفار ولجج البحار، الامام الماء العذب على الظماء، والدال على الهدى، والمنحي من الردى ، الامام النار على اليفاع [ال] حار لمن اصطلى، والدليل في المهالك، من فارقه فهالك ، الامام السحاب الماطر، والغيث الهاطل والشمس المضيئة والسماء الظليلة والأرض البسيطة، والعين الغزيرة، والغدير والروضة، الامام الأمين الرفيق، والوالد الشفيق، و الأخ الشقيق ومفزع العباد في الداهية [النآد] ، الامام أمين الله في خلقه، وحجته على عباده، وخليفته في بلاد والداعي إلى الله، والذاب عن حرم الله، الامام المطهر من الذنوب المبرأ من العيوب، مخصوص بالعلم، موسوم بالحلم، نظام الدين، وعز المسلمين، وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين، الامام واحد دهره لا يدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل ولا مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضل الوهاب، فمن ذا الذي يبلغ معرفة الامام أو يمكنه اختياره؟ هيهات! هيهات! ضلت العقول، وتاهت الحلوم وحارت الألباب، وحسرت العيون ، وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت، الحلماء، وحصرت الخطباء ، وذهلت الألباء، وكلت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه أو فضل من فضائله فأقرت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف أو ينعت بكنهه أو يفهم شئ من أمره أو يقوم أحد مقامه ويغني غناه؟ لا كيف وأني وهو بحيث النجم من أيدي المتناولين ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول عن هذا؟ وأين يوجد مثل هذا؟ أظنوا أن ذلك يوجد في غير آل الرسول؟ كذبتهم أنفسهم والله ومنهم الباطل، فارتقوا مرتقى صعبا دحضا تزل عنه إلى الحضيض أقدامهم، راموا إقامة الامام بعقول حائرة بائرة ناقصة وآراء مضلة فلم يزدادوا منه إلا بعد أقاتلهم الله أنى يؤفكون، لقد راموا صعبا و قالوا إفكا وضلوا ضلالا بعيدا ووقعوا في الحيرة إذ تركوا الامام عن بصيرة وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين، رغبوا عن اختيار الله واختيار رسوله صلى الله عليه وآله إلى اختيارهم والقرآن يناديهم: " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون " وقال: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " وقال: " ما لكم كيف تحكمون * أم لكم كتاب فيه تدرسون * إن لكم فيه لما تخيرون * أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيمة إن لكم لما تحكمون * سلهم أيهم بذلك زعيم * أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين " وقال: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " أم طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون ، أم " قالوا سمعنا وهم لا يسمعون * إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون * ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون " أم " قالوا سمعنا وعصينا " بل هو فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. فكيف لهم باختيار الامام؟ والامام عالم لا يجهل، داع لا ينكل، معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعلم والعبادة، مخصوص بدعوة الرسول، ونسل المطهرة البتول، لا مغمز فيه في نسب، ولا يدانيه ذو حسب، في البيت من قريش، والذروة من هاشم، والعترة من [آل] الرسول، والرضا من الله، شرف الاشراف، والفرع من عبد مناف، نامي العلم، كامل الحكم، مضطلع بالأمانة، عالم بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر الله، ناصح لعباد الله، حافظ لدين الله، إن الأنبياء والأئمة يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه و حكمه ما لا يؤتيه غيرهم فيكون علمهم فوق علم أهل زمانهم في قوله تعالى: " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون " و قوله: " ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا " وقوله في طالوت: " إن الله اصطفيه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم " وقال لنبيه صلى الله عليه وآله: " أنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما " وقال في الأئمة من أهل بيته وعترته وذريته صلواتالله عليهم: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما * فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا " إن العبد إذا اختاره الله عز وجل لأمور عباده شرح لذلك صدره فأودع قلبه ينابيع الحكمة، و ألهمه العلم إلهاما فلم يعي بعده بجواب، ولا يحار فيه عن الصواب، وهو معصوم مؤيد موفق مسدد قد أمن الخطأ والزلل والعثار يخصه الله بذلك ليكون حجته على عباده وشاهده على خلقه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، فهل يقدرون على مثل هذا فيختاروه؟ أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدمونه؟ بعدوا وبيت الله من الحق ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون وفي كتاب الله الهدى والشفاء فنبذوه و اتبعوا أهواءهم فذمهم الله ومقتهم وأتعسهم فقال عز وجل: " ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين " وقال: " فتعسا لهم وأضل أعمالهم وقال: " كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ".
حدثنا إبراهيم بن هارون العبسي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا جعفر بن عبد الله، قال: حدثنا كثير بن عياش، عن أبي الجارود قال: سألت أبا جعفر الباقر عليه السلام: بم يعرف الامام؟ قال: بخصال أولها: نص من الله تبارك وتعالى عليه و نصبه علما للناس حتى يكون عليهم حجة، لان رسول الله صلى الله عليه وآله نصب عليا عليه السلام وعرفه الناس باسمه وعينه وكذلك الأئمة عليهم السلام ينصب الأول الثاني وأن يسأل فيجيب وأن يسكت عنه فيبتدئ، ويخبر الناس بما يكون في غد، ويكلم الناس بكل لسان ولغة.
حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني - رضي الله عنه - قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي، قال: حدثنا علي بن الحسن بن علي بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام قال: للامام علامات: [أن] يكون أعلم الناس وأحكم الناس، وأتقى الناس، وأحلم الناس، وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس، ويولد مختونا، ويكون مطهرا، ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه، ولا يكون له ظل، وإذا وقع على الأرض من بطن أمه وقع على راحتيه رافعا صوته بالشهادتين، ولا يحتلم، وتنام عينه ولا ينام قلبه، ويكون محدثنا، ويستوي عليه درع رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا يرى له بولولا غائط لان الله عز وجل قد وكل الأرض بابتلاع ما يخرج منه، ويكون رائحته أطيب من رائحة المسك، ويكون أولى الناس منهم بأنفسهم، وأشفق عليهم من آبائهم وأمهاتهم، ويكون أشد الناس تواضعا لله عز وجل، ويكون آخذ الناس بما يأمر به، وأكف الناس عما ينهى عنه، ويكون دعاؤه مستجابا حتى أنه لو دعا على صخرة لانشقت بنصفين، ويكون عنده سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسيفه ذو الفقار، ويكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعته إلى يوم القيامة، وصحيفة فيها أسماء أعدائه إلى يوم القيامة ويكون عنده الجامعة وهي صحيفة طولها سبعون ذراعا فيها جميع ما يحتاج إليه ولد آدم و يكون عنده الجفر الأكبر والأصغر، وإهاب ماعز وإهاب كبش فيهما جميع العلوم حتى أرش الخدش وحتى الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة ويكون عنده مصحف فاطمة عليها السلام.