حدثنا محمد بن القاسم المفسر الجرحاني - رضي الله عنه - قال: حدثنا أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسن بن علي الناصر[ي]، عن أبيه، عن محمد بن علي، عن أبيه الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر عليهم السلام، قال: قيل للصادق عليه السلام: صف لنا الموت. فقال: للمؤمن كأطيب ريح يشمه فينعس لطيبه وينقطع التعب والألم كله عنه، و للكافر كلسع الأفاعي ولدغ العقارب أو أشد. قيل: فإن قوما يقولون إنه أشد من نشر بالمناشير وقرض بالمقاريض ورضخ بالأحجار وتدوير قطب الأرحية في الأحداق. قال: فهو كذلك هو على بعض الكافرين والفاجرين. ألا ترون منهم من يعاين تلك الشدائد فذاكم الذي هو أشد من هذا إلا من عذاب الآخرة فهذا أشد من عذاب الدنيا قيل: فما بالنا نرى كافرا يسهل عليه النزع فينطفي وهو يتحدث ويضحك ويتكلم وفي المؤمنين أيضا من يكون كذلك وفي المؤمنين والكافرين من يقاسي عند سكرات الموت هذه الشدائد؟ فقال: ما كان من راحة للمؤمن هناك فهو عاجل ثوابه وما كان من شديدة فتمحصيه من ذنوبه ليرد الآخرة نقيا نظيفا مستحقا لثواب الأبد لا مانع له دونه، وما كان سهولة هناك على الكافر فليوفى أجر حسناته في الدنيا ليرد الآخرة وليس له إلا ما يوجب عليه العقاب وما كان من شدة على الكافر هناك فهو ابتداء عقاب الله له بعد نفاد حسناته ذلكم بأن الله عدل لا يجوز.
معنى الموت
حدثنا محمد بن القاسم المفسر الجرجاني - رحمه الله - قال: حدثنا أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسن بن علي الناصر [ي]، عن أبيه، عن محمد بن علي، عن أبيه الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين عليهم السلام قال: قيل لأمير المؤمنين عليه السلام: صف لنا الموت. فقال: على الخبير سقطتم، هو أحد ثلاثة أمور يرد عليه: إما بشارة بنعيم الأبد، وإما بشارة بعذاب الأبد، وإما تحزين وتهويل وأمر [ه] مبهم لا يدري من أي الفرق هو، فأما ولينا المطيع لأمرنا فهو المبشر بنعيم الأبد، وأما عدونا المخالف علينا فهو المبشر بعذاب الأبد، وأما المبهم أمره الذي لا يدري ما حاله فهو المؤمن المسرف على نفسه لا يدري ما يؤول إليه حاله، يأتيه الخبر مبهما مخوفا ثم لن يسويه الله عز وجل بأعدائنا لكن يخرجه من النار بشفاعتنا، فاعملوا وأطيعوا، لا تتكلوا ولا تستصغروا عقوبة الله عز وجل فإن من المسرفين من لا تلحقه شفاعتنا إلا بعد عذاب ثلاثمائة ألف سنة.
وسئل الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، ما الموت الذي جهلوه؟ قال: أعظم سرور يرد على المؤمنين إذ نقلوا عن دار النكد إلى نعيم الأبد، وأعظم ثبور يرد على الكافرين إذ نقلوا عن جنتهم إلى نار لا تبيد ولا تنفد. وقال علي بن الحسين عليهما السلام،: لما اشتد الامر بالحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، نظر إليه من كان معه فإذا هو بخلافهم لأنهم كلما اشتد الامر تغيرت ألوانهم وارتعدت فرائصهم ووجبت قلوبهم وكان الحسين عليه السلام وبعض من معه من خصائصه تشرق ألوانهم وتهدئ جوارحهم وتسكن نفوسهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا لا يبالي بالموت! فقال لهم الحسين عليه السلام: صبرا بني الكرام، فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضراء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة فأيكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر وما هو لأعدائكم إلا كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب. إن أبي حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وآله أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر والموت جسر هؤلاء إلى جناتهم وجسر هؤلاء إلى جحيمهم، ما كذبت ولا كذبت.
وقال محمد بن علي عليهما السلام،: قيل لعلي بن الحسين عليهما السلام: ما لموت؟ قال: للمؤمن كنزع ثياب وسخه قملة ، وفك قيود وأغلال ثقيلة، والاستبدال بأفخر الثياب وأطيبها روائح وأوطئ المراكب، وآنس المنازل وللكافر كخلع ثياب فاخرة، والنقل عن منازل أنيسة، والاستبدال بأوسخ الثياب وأخشنها، وأوحش المنازل وأعظم العذاب.
وقيل لمحمد بن علي عليهما السلام: ما لموت؟ قال: هو النوم الذي يأتيكم كل ليلة إلا أنه طويل مدته لا ينتبه منه إلا يوم القيامة، فمن رأى في نومه من أصناف الفرح مالا يقادر قدره ومن أصناف الأهوال مالا يقادر قدره؟ فكيف حال فرح في النوم ووجل فيه؟ هذا هو الموت فاستعدوا له.
حدثنا محمد بن القاسم المفسر، قال: حدثنا أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسن بن علي، عن أبيه، عن محمد بن علي، عن أبيه عليهم السلام قال: دخل موسى بن جعفر عليهما السلام، على رجل قد غرق في سكرات الموت وهو لا يجيب داعيا فقالوا له: يا ابن رسول الله وددنا لو عرفنا كيف الموت وكيف حال صاحبنا. فقال: الموت هو المصفاة يصفي المؤمنين من ذنوبهم فيكون آخر ألم يصيبهم كفارة آخر وزر بقي عليهم ويصفي الكافرين من حسناتهم فيكون آخر لذة أو راحة تلحقهم، وهو آخر ثواب حسنة تكون لهم وأما صاحبكم هذا فقد نحل من الذنوب نخلا، وصفي من الآثام تصفية، وخلص حتى نقي كما ينقى الثوب من الوسخ، وصلح لمعاشرتنا أهل البيت في دارنا دار الأبد.
وبهذا الاسناد عن محمد بن علي عليهما السلام، قال: مرض رجل من أصحاب الرضا عليه السلام فعاده فقال: كيف تجدك؟ قال: لقيت الموت بعدك - يريد ما لقيه من شدة مرضه - فقال: كيف لقيته؟ فقال: أليما شديدا. فقال: ما لقيته إنما لقيت ما ينذرك به ويعرفك بعض حاله، إنما الناس رجلان: مستريح بالموت، ومستراح به منه، فجدد الايمان بالله بالولاية تكن مستريحا ففعل الرجل ذلك. والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.
وبهذا الاسناد، عن علي بن محمد عليهما السلام، قال: قيل لمحمد بن علي بن موسى صلوات الله عليهم: ما بال هؤلاء المسلمين يكرهون الموت؟ قال: لأنهم جهلوه فكرهوه ولو عرفوه وكانوا من أولياء الله عز وجل لأحبوه ولعلموا أن الآخرة خير لهم من الدنيا، ثم قال عليه السلام: يا أبا عبد الله ما بال الصبي والمجنون يمتنع من الدواء المنقي لبدنه والنافي للألم عنه؟ قال: لجهلهم بنفع الدواء. قال: والذي بعث محمدا بالحق نبيا إن من استعد للموت حق الاستعداد فهو أنفع له من هذا الدواء لهذا المتعالج، أما إنهم لو عرفوا ما يؤدي إليه الموت من النعيم لاستدعوه وأحبوه أشد ما يستدعي العاقل الحازم الدواء لدفع الآفات واجتلاب السلامات.
وبهذا الاسناد، عن الحسن بن علي عليهما السلام قال: دخل علي بن محمد عليهما السلام على مريض من أصحابه وهو يبكي ويجزع من الموت فقال له: يا عبد الله تخاف من الموت لأنك لا تعرفه، أرأيتك إذا اتسخت وتقذرت وتأذيت من كثرة القذر والوسخ عليك و أصابك قروح وجرب وعلمت أن الغسل في حمام يزيل ذلك كله أما تريد أن تدخله فتغسل ذلك عنك أو ما تكره أن لا تدخله فيبقى ذلك عليك؟ قال: بلى يا ابن رسول الله. قال: فذاك الموت هو ذلك الحمام وهو آخر ما بقي عليك من تمحيص ذنوبك وتنقيتك من سيئاتك فإذا أنت وردت عليه وجاوزته فقد نجوت من كل غم وهم وأذى، ووصلت إلى كل سرور وفرح، فسكن الرجل واستسلم ونشط وغمض عين نفسه ومضى لسبيله.
وسئل الحسن بن علي بن محمد عليهم السلام عن الموت ما هو؟ فقال: هو التصديق بما لا يكون. حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الصادق عليه السلام قال: إن المؤمن إذا مات لم يكن ميتا فإن الميت هو الكفار، إن الله عز وجل يقول: " يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي " يعني المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.