مجلس الرضا عليه السلام مع سليمان المروزي متكلم خراسان بحضرة المأمون في التوحيد.

التوحيد|المجلّد 1|الكتاب 2|الباب 66

التوحيد

الكتاب 2, الباب 66

مجلس الرضا عليه السلام مع سليمان المروزي متكلم خراسان بحضرة المأمون في التوحيد.
حديث واحد
الحديث 1

1 - حدثنا أبو محمد جعفر بن علي بن أحمد الفقيه رضي الله عنه، قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن علي بن صدقة القمي، قال: حدثني أبو عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الأنصاري الكجي، قال: حدثني من سمع الحسن بن محمد النوفلي يقول: قدم سليمان المروزي متكلم خراسان على المأمون فأكرمه ووصله ثم قال له: إن ابن عمي علي بن موسى قدم علي من الحجاز وهو يحب الكلام وأصحابه، فلا عليك أن تصير إلينا يوم التروية لمناظرته، فقال سليمان: يا أمير المؤمنين إني أكره أن أسأل مثله في مجلسك في جماعة من بني هاشم فينتقص عند القوم إذا كلمني ولا يجوز الاستقصاء عليه، قال المأمون: إنما وجهت إليك لمعرفتي بقوتك وليس مرادي إلا أن تقطعه عن حجة واحدة فقط: فقال سليمان: حسبك يا أمير المؤمنين. اجمع بيني وبينه وخلني وإياه وألزم فوجه المأمون إلى الرضا عليه السلام فقال: إنه قدم علينا رجل من أهل مرو وهو واحد خراسان من أصحاب الكلام، فإن خف عليك أن تتجشم المصير إلينا فعلت، فنهض عليه السلام للوضوء وقال لنا: تقدموني وعمران الصابئ معنا فصرنا إلى الباب فأخذ ياسر وخالد بيدي فأدخلاني على المأمون، فلما سلمت قال: أين أخي أبو الحسن أبقاه الله، قلت: خلفته يلبس ثيابه وأمرنا أن نتقدم، ثم قلت: يا أمير المؤمنين إن عمران مولاك. معي وهو بالباب، فقال: من عمران؟ قلت: الصابئ الذي أسلم على يديك قال: فليدخل فدخل فرحب به المأمون، ثم قال له: يا عمران لم تمت حتى صرت من بني هاشم، قال: الحمد لله الذي شرفني بكم يا أمير المؤمنين، فقال له المأمون: يا عمران هذا سليمان المروزي متكلم خراسان، قال عمران: يا أمير المؤمنين إنه يزعم أنه واحد خراسان في النظر وينكر البداء، قال: فلم لا تناظره؟ قال عمران: ذلك إليه، فدخل الرضا عليه السلام فقال: في أي شئ كنتم؟ قال عمران: يا ابن رسول الله هذا سليمان المروزي، فقال سليمان: أترضى بأبي الحسن وبقوله فيه؟ قال عمران: قد رضيت بقول أبي الحسن في البداء على أن يأتيني فيه بحجة أحتج بها على نظرائي من أهل النظر. قال المأمون: يا أبا الحسن ما تقول فيما تشاجرا فيه؟ قال: وما أنكرت من البداء يا سليمان، والله عز وجل يقول: ﴿أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا﴾ (١) ويقول عز وجل: ﴿وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده﴾ (٢) و يقول: ﴿بديع السماوات والأرض﴾ (٣) ويقول عز وجل: ﴿يزيد في الخلق ما يشاء﴾ (٤) ويقول: ﴿وبدأ خلق الإنسان من طين﴾ (٥) ويقول عز وجل: ﴿و آخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم﴾ (٦) ويقول عز وجل: ﴿وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب﴾ (٧) قال سليمان: هل رويت فيه شيئا عن آبائك؟ قال: نعم، رويت عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (إن الله عز وجل علمين: علما مخزونا مكنونا لا يعلمه إلا هو، من ذلك يكون البداء، و علما علمه ملائكته ورسله، فالعلماء من أهل بيت نبيه يعلمونه) (٨) قال سليمان: أحب أن تنزعه لي من كناب الله عز وجل، قال عليه السلام: قول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿فتول عنهم فما أنت بملوم﴾ (٩) أراد هلاكهم ثم بدا لله فقال: ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ قال سليمان: زدني جعلت فداك، قال الرضا عليه السلام: لقد أخبرني أبي عن آبائه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الله عز وجل أوحى إلى نبي من أنبيائه: أن أخبر فلان الملك أني متوفيه إلى كذا وكذا، فأتاه ذلك النبي فأخبره، فدعا الله الملك وهو على سريره حتى سقط من السرير، فقال: يا رب أجلني حتى يشب طفلي وأقضي أمري، فأوحى الله عز وجل إلى ذلك النبي أن ائت فلان الملك (١) فأعلمه أني قد أنسيت في أجله وزدت في عمره خمس عشرة سنة، فقال ذلك النبي: يا رب إنك لتعلم أني لم أكذب قط، فأوحى الله عز وجل إليه: إنما أنت عبد مأمور فأبلغه ذلك، والله لا يسأل عما يفعل (٢). ثم التفت إلى سليمان فقال: أحسبك ضاهيت اليهود في هذا الباب، قال: أعوذ بالله من ذلك، وما قالت اليهود؟ قال: قالت: (يد الله مغلولة) يعنون أن الله قد فرغ من الأمر فليس يحدث شيئا، فقال الله عز وجل: ﴿غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا﴾ ولقد سمعت قوما سألوا أبي موسى بن جعفر عليهما السلام، عن البداء فقال: و ما ينكر الناس من البداء وأن يقف الله قوما يرجيهم لأمره ؟ قال سليمان: ألا تخبرني عن (إنا أنزلناه في ليلة القدر) في أي شئ أنزلت؟ قال الرضا: يا سليمان ليلة القدر يقدر الله عز وجل فيها ما يكون من السنة إلى السنة من حياة أو موت أو خير أو شر أو رزق، فما قدره من تلك الليلة فهو من المحتوم، قال سليمان: ألآن قد فهمت جعلت فداك فزدني، قال عليه السلام: يا سليمان إن من الأمور أمورا موقوفة عند الله تبارك وتعالى يقدم منها ما يشاء ويؤخر ما يشاء، يا سليمان إن عليا عليه السلام كان يقول: العلم علمان: فعلم علمه الله وملائكته ورسله، فما علمه ملائكته ورسله فإنه يكون ولا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله، وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه أحدا من خلقه يقدم منه ما يشاء ويؤخر منه ما يشاء، ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، قال سليمان للمأمون: يا أمير المؤمنين لا أنكر بعد يومي هذا البداء ولا كذب به إن شاء الله . فقال المأمون: يا سليمان سل أبا الحسن عما بدا لك وعليك بحسن الاستماع والإنصاف، قال سليمان: يا سيدي أسألك؟ قال الرضا عليه السلام: سل عما بدا لك قال: ما تقول فيمن جعل الإرادة اسما وصفة مثل حي وسميع وبصير وقدير؟ قال الرضا عليه السلام: إنما قلتم حدثت الأشياء واختلفت لأنه شاء وأراد، ولم تقولوا حدثت واختلفت لأنه سميع بصير، فهذا دليل على أنها ليست بمثل سميع بصير ولا قدير، قال سليمان: فإنه لم يزل مريدا، قال: يا سليمان فإرادته غيره؟ قال: نعم، قال: فقد أثبت معه شيئا غيره لم يزل، قال سليمان: ما أثبت، قال الرضا عليه السلام: أهي محدثة؟ قال سليمان: لا ما هي محدثة، فصاح به المأمون وقال: يا سليمان مثله يعايا أو يكابر، عليك بالإنصاف أما ترى من حولك من أهل النظر، ثم قال: كلمه يا أبا الحسن فإنه متكلم خراسان، فأعاد عليه المسألة فقال: هي محدثة يا سليمان فإن الشئ إذا لم يكن أزليا كان محدثا وإذا لم يكن محدثا كان أزليا، قال سليمان: إرادته منه كما أن سمعه منه وبصره منه وعلمه منه، قال الرضا عليه السلام: فإرادته نفسه؟! قال: لا، قال عليه السلام: فليس المريد مثل السميع و البصير، قال سليمان: إنما أراد نفسه كما سمع نفسه وأبصر نفسه وعلم نفسه، قال الرضا عليه السلام: ما معنى أراد نفسه أراد أن يكون شيئا أو أراد أن يكون حيا أو سميعا أو بصيرا أو قديرا؟! قال: نعم، قال الرضا عليه السلام: أفبإرادته كان ذلك؟! قال سليمان: لا، قال الرضا عليه السلام: فليس لقولك: أراد أن يكون حيا سميعا بصيرا معنى إذا لم يكن ذلك بإرادته، قال سليمان: بلى قد كان ذلك بإرادته، فضحك المأمون ومن حوله وضحك الرضا عليه السلام، ثم قال لهم: ارفقوا بمتكلم خراسان يا سليمان فقد حال عندكم عن حالة وتغير عنها وهذا مما لا يوصف الله عز وجل به، فانقطع. ثم قال الرضا عليه السلام: يا سليمان أسألك مسألة، قال: سل جعلت فداك قال: أخبرني عنك وعن أصحابك تكلمون الناس بما يفقهون ويعرفون أو بما لا يفقهون ولا يعرفون؟! قال: بل بما يفقهون ويعرفون قال الرضا عليه السلام: فالذي يعلم الناس أن المريد غير الإرادة وأن المريد قبل الإرادة وأن الفاعل قبل المفعول وهذا يبطل قولكم: إن الإرادة والمريد شئ واحد، قال: جعلت فداك ليس ذاك منه على ما يعرف الناس ولا على ما يفقهون، قال عليه السلام: فأراكم ادعيتم علم ذلك بلا معرفة، وقلتم: الإرادة كالسمع والبصر إذا كان ذلك عندكم على ما لا يعرف ولا يعقل، فلم يحر جوابا. ثم قال الرضا عليه السلام: يا سليمان هل يعلم الله عز وجل جميع ما في الجنة والنار؟! قال سليمان: نعم، قال: أفيكون ما علم الله عز وجل أنه يكون من ذلك؟! قال: نعم، قال: فإذا كان حتى لا يبقى منه شئ إلا كان أيزيدهم أو يطويه عنهم؟! قال سليمان: بل يزيدهم، قال: فأراه في قولك: قد زادهم ما لم يكن في علمه أنه يكون قال: جعلت فداك والمزيد لا غاية له (١) قال عليه السلام: فليس يحيط علمه عندكم بما يكون فيهما إذا لم يعرف غاية ذلك، و إذا لم يحط علمه بما يكون فيهما لم يعلم ما يكون فيهما قبل أن يكون، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، قال سليمان: إنما قلت: لا يعلمه لأنه لا غاية لهذا لأن الله عز وجل وصفهما بالخلود وكرهنا أن نجعل لهما انقطاعا، قال الرضا عليه السلام: ليس علمه بذلك بموجب لانقطاعه عنهم لأنه قد يعلم ذلك ثم يزيدهم ثم لا يقطعه عنهم، و كذلك قال الله عز وجل في كتابه: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب﴾ (٢) وقال عز وجل لأهل الجنة: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ وقال عز وجل: (وفاكهة كثيرة * لا مقطوعة ولا ممنوعة) فهو عز وجل يعلم ذلك ولا يقطع عنهم الزيادة، أرأيت ما أكل أهل الجنة وما شربوا أليس يخلف مكانه؟! قال بلى، قال: أفيكون يقطع ذلك عنهم وقد أخلف مكانه؟! قال سليمان: لا، قال: فكذلك كل ما يكون فيها إذا أخلف مكانه فليس بمقطوع عنهم، قال سليمان بل يقطعه عنهم فلا يزيدهم قال الرضا عليه السلام: إذا يبيد ما فيهما، و هذا يا سليمان إبطال الخلود وخلاف الكتاب لأن الله عز وجل يقول: (لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد) (١) ويقول عز وجل: (عطاء غير مجذوذ) ويقول عز وجل: ﴿وما هم منها بمخرجين﴾ ويقول عز وجل: (خالدين فيها ح أبدا) ويقول عز وجل: (وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة) فلم يحر جوابا. ثم قال الرضا عليه السلام: يا سليمان ألا تخبرني عن الإرادة فعل هي أم غير فعل؟ قال: بل هي فعل، قال: فهي محدثة لأن الفعل كله محدث، قال: ليست بفعل، قال: فمعه غيره لم يزل، قال سليمان: الإرادة هي الانشاء، قال: يا سليمان هذا الذي ادعيتموه على ضرار وأصحابه من قولهم: إن كل ما خلق الله عز وجل في سماء أو أرض أو بحر أو بر من كلب أو خنزير أو قرد أو إنسان أو دابة إرادة الله عز وجل وإن إرادة الله عز وجل تحيي وتموت وتذهب وتأكل وتشرب وتنكح وتلد وتظلم وتفعل الفواحش وتكفر، وتشرك، فتبراء منها وتعاديها و هذا حدها . قال سليمان: إنها كالسمع والبصر والعلم، قال الرضا عليه السلام: قد رجعت إلى هذا ثانية، فأخبرني عن السمع والبصر والعلم أمصنوع؟ قال سليمان: لا، قال الرضا عليه السلام: فكيف نفيتموه فمرة قلتم لم يرد ومرة قلتم أراد، وليست بمفعول له؟! قال سليمان: إنما ذلك كقولنا مرة علم ومرة لم يعلم (١) قال الرضا عليه السلام: ليس ذلك سواء لأن نفي المعلوم ليس بنفي العلم، ونفي المراد نفي الإرادة أن تكون، لأن الشئ إذا لم يكن إرادة (٢) وقد يكون العلم ثابتا وإن لم يكن المعلوم، بمنزلة البصر فقد يكون الإنسان بصيرا وإن لم يكن المبصر، ويكون العلم ثابتا وإن لم يكن المعلوم (٣). قال سليمان: إنها مصنوعة، قال عليه السلام: فهي محدثة ليست كالسمع والبصر لأن السمع والبصر ليسا بمصنوعين وهذه مصنوعة، قال سليمان: إنها صفة من صفاته لم تزل، قال: فينبغي أن يكون الإنسان لم يزل لأن صفته لم تزل، قال سليمان: لا لأنه لم يفعلها، قال الرضا عليه السلام: يا خراساني ما أكثر غلطك، أفليس بإرادته وقوله تكون الأشياء؟! (٤) قال سليمان: لا، قال: فإذا لم يكن بإرادته ولا مشيته ولا أمره ولا المباشرة فكيف يكون ذلك؟! تعالى الله عن ذلك، فلم يحر جوابا (٥). ثم قال الرضا عليه السلام: ألا تخبرني عن قول الله عز وجل: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها﴾ يعني بذلك أنه يحدث إرادة؟! قال له: نعم، قال: فإذا أحدث إرادة كان قولك إن الإرادة هي هو أم شئ منه باطلا لأنه لا يكون أن يحدث نفسه ولا يتغير عن حاله، تعالى الله عن ذلك، قال سليمان: إنه لم يكن عني بذلك أنه يحدث إرادة، قال: فما عني به؟ قال: عني فعل الشئ قال الرضا عليه السلام: ويلك كم تردد هذه المسألة، وقد أخبرتك أن الإرادة محدثة لأن فعل الشئ محدث، قال: فليس لها معنى، قال: الرضا عليه السلام: قد وصف نفسه عندكم حتى وصفها بالإرادة بما لا معنى له، فإذا لم يكن لها معنى قديم ولا حديث بطل قولكم: إن الله لم يزل مريدا. قال سليمان: إنما عنيت أنها فعل من الله لم يزل، قال: ألا تعلم أن ما لم يزل لا يكون مفعولا وحديثا وقديما في حالة واحدة؟ فلم يحر جوابا. قال الرضا عليه السلام: لا بأس، أتمم مسألتك، قال سليمان: قلت: إن الإرادة صفة من صفاته، قال الرضا عليه السلام: كم تردد علي أنها صفه من صفاته، وصفته محدثة أو لم تزل؟! قال سليمان: محدثة، قال الرضا عليه السلام: الله أكبر فالإرادة محدثة وأن كانت صفة من صفاته لم تزل، فلم يرد شيئا. قال الرضا عليه السلام: إن ما لم يزل لا يكون مفعولا، قال سليمان: ليس الأشياء إرادة ولم يرد شيئا. قال الرضا عليه السلام: وسوست يا سليمان فقد فعل وخلق ما لم يرد خلقه ولا فعله، وهذه صفة من لا يدري ما فعل، تعالى الله عن ذلك. قال سليمان: يا سيدي قد أخبرتك أنها كالسمع والبصر والعلم، قال المأمون: ويلك يا سليمان كم هذا الغلط والتردد اقطع هذا وخذ في غيره إذ ليست تقوى على هذا الرد، قال الرضا عليه السلام: دعه يا أمير المؤمنين، لا تقطع عليه مسألته فيجعلها حجة، تكلم يا سليمان، قال: قد أخبرتك أنها كالسمع والبصر والعلم، قال الرضا عليه السلام: لا بأس، أخبرني عن معنى هذه أمعنى واحد أم معان مختلفة؟! قال سليمان: بل معنى واحد، الرضا عليه السلام: فمعنى الإرادات كلها معنى واحد؟ قال سليمان: نعم، قال الرضا عليه السلام: فإن كان معناها معنى واحدا كانت إرادة القيام وإرادة العقود وإرادة الحياة وإرادة الموت إذا كانت إرادته واحدة لم يتقدم بعضها بعضا ولم يخالف بعضها بعضا، وكان شيئا واحدا قال سليمان: إن معناها مختلف، قال عليه السلام: فأخبرني عن المريد أهو الإرادة أو غيرها؟! قال سليمان: بل هو الإرادة، قال الرضا عليه السلام فالمريد عندكم يختلف إن كان هو الإرادة ؟ قال: يا سيدي ليس الإرادة المريد، قال عليه السلام: فالإرادة محدثة، وإلا فمعه غيره. افهم وزد في مسألتك. قال سليمان: فإنها اسم من أسمائه، قال الرضا عليه السلام: هل سمى نفسه بذلك؟ قال سليمان: لا، لم يسم نفسه بذلك، قال الرضا عليه السلام: فليس لك أن تسميه بما لم يسم به نفسه، قال: قد وصف نفسه بأنه مريد، قال الرضا عليه السلام: ليس صفته نفسه أنه مريد إخبار عن أنه إرادة ولا إخبارا عن أن الإرادة اسم من أسمائه، قال: سليمان: لأن إرادته علمه، قال الرضا عليه السلام: يا جاهل فإذا علم الشئ فقد أراده؟ قال سليمان: أجل، قال عليه السلام: فإذا لم يرده لم يعلمه، قال سليمان: أجل، قال عليه السلام: من أين قلت ذاك، وما الدليل على أن إرادته علمه. وقد يعلم ما لا يريده أبدا، وذلك قوله عز وجل: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾ (١) فهو يعلم كيف يذهب به وهو لا يذهب به أبدا، قال سليمان: لأنه قد فرغ من الأمر فليس يزيد فيه شيئا (٢) قال الرضا عليه السلام: هذا قول اليهود، فكيف قال عز وجل: (ادعوني أستجب لكم) (٣) قال سليمان: إنما عني بذلك أنه قادر عليه، قال عليه السلام: أفيعد ما لا يفي به؟! فكيف قال عز وجل: ﴿يزيد في الخلق ما يشاء﴾ (٤) و قال عز وجل: ﴿يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ وقد فرغ من الأمر، فلم يحر جوابا. قال الرضا عليه السلام: يا سليمان هل يعلم أن إنسانا يكون ولا يريد أن يخلق إنسانا أبدا، وأن إنسانا يموت اليوم ولا يريد أن يموت اليوم؟ قال سليمان: نعم قال الرضا عليه السلام: فيعلم أنه يكون ما يريد أن يكون أو يعلم أنه يكون ما لا يريد أن يكون؟! قال: يعلم أنهما يكونان جميعا، قال الرضا عليه السلام: إذن يعلم أن إنسانا حي ميت، قائم قاعد، أعمى بصير في حال واحدة، وهذا هو المحال، قال: جعلت فداك فإنه يعلم أنه يكون أحدهما دون الآخر، قال عليه السلام: لا بأس، فأيهما يكون، الذي أراد أن يكون أو الذي لم يرد أن يكون، قال سليمان: الذي أراد أن يكون، فضحك الرضا عليه السلام والمأمون وأصحاب المقالات. قال الرضا عليه السلام: غلطت وتركت قولك: إنه يعلم أن إنسانا يموت اليوم وهو لا يريد أن يموت اليوم وأنه يخلق خلقا وهو لا يريد أن يخلقهم، فإذا لم يجز العلم عندكم بما لم يرد أن يكون فإنما يعلم أن يكون ما أراد أن يكون . قال سليمان: فإنما قولي: إن الإرادة ليست هو ولا غيره، قال الرضا عليه السلام: يا جاهل إذا قلت: ليست هو فقد جعلتها غيره، وإذا قلت: ليست هي غيره فقد جعلتها هو، قال سليمان: فهو يعلم كيف يصنع الشئ؟ قال عليه السلام: نعم، قال سليمان: فإن ذلك إثبات للشئ قال الرضا عليه السلام: أحلت لأن الرجل قد يحسن البناء وإن لم يبن ويحسن الخياطة وإن لم يخط ويحسن صنعة الشئ وإن لم يصنعه أبدا ثم قال له: يا سليمان هل يعلم أنه واحد لا شئ معه؟! قال: نعم، قال: أفيكون ذلك إثباتا للشئ؟! قال سليمان: ليس يعلم أنه واحد لا شئ معه. قال الرضا عليه السلام: أفتعلم أنت ذلك؟! قال: نعم، قال: فأنت يا سليمان أعلم منه إذا، قال سليمان: المسألة محال، قال: محال عندك أنه واحد لا شئ معه وأنه سميع بصير حكيم عليم قادر؟! قال: نعم، قال عليه السلام: فكيف أخبر الله عز وجل أنه واحد حي سميع بصير عليم خبير وهو لا يعلم ذلك؟! وهذا رد ما قال وتكذيبه، تعالى الله عن ذلك، ثم قال الرضا عليه السلام: فكيف يريد صنع ما لا يدري صنعه ولا ما هو؟! وإذا كان الصانع لا يدري كيف يصنع الشئ قبل أن يصنعه فإنما هو متحير، تعالى الله عن ذلك. قال سليمان: فإن الإرادة القدرة، قال الرضا عليه السلام: وهو عز وجل يقدر على ما لا يريده أبدا، ولا بد من ذلك لأنه قال تبارك وتعالى: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾ فلو كانت الإرادة هي القدرة كان قد أراد أن يذهب به لقدرته، فانقطع سليمان، قال المأمون عند ذلك: يا سليمان هذا أعلم هاشمي. ثم تفرق القوم. قال مصنف هذا الكتاب: كان المأمون يجلب على الرضا عليه السلام من متكلمي الفرق والأهواء المضلة كل من سمع به حرصا على انقطاع الرضا عليه السلام عن الحجة مع واحد منهم، وذلك حسدا منه له ولمنزلة من العلم، فكان عليه السلام لا يكلم أحدا إلا أقر له بالفضل والتزم الحجة له عليه لأن الله تعالى ذكره أبى إلا أن يعلي كلمته ويتم نوره وينصر حجته، وهكذا وعد تبارك وتعالى في كتابه فقال: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا) يعني بالذين آمنوا: (الأئمة الهداة عليهم السلام وأتباعهم والعارفين بهم والآخذين عنهم، ينصرهم بالحجة على مخالفيهم ما داموا في الدنيا، وكذلك يفعل بهم في الآخرة، وإن الله لا يخلف وعده. باب النهي عن الكلام والجدال والمراء في الله عز وجل