1 - حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، قال: حدثني علي بن منصور، قال: سمعت هشام بن الحكم يقول: دخل أبو شاكر الديصاني على أبي عبد الله عليه السلام فقال له: إنك أحد النجوم الزواهر، وكان آباؤك بدورا بواهر، وأمهاتك عقيلات عباهر، وعنصرك من أكرم العناصر، وإذا ذكر العلماء فبك تثنى الخناصر فخبرني أيها البحر الخضم الزاخر ما الدليل على حدوث العالم؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: نستدل عليه بأقرب الأشياء قال: وما هو؟ قال: فدعا أبو عبد الله عليه السلام ببيضة فوضعها على راحته، فقال: هذا حصن ملموم داخله غرقئ رقيق لطيف به فضة سائلة وذهبة مائعة ثم تنفلق، عن مثل الطاووس، أدخلها شئ؟ فقال: لا، قال: فهذا الدليل على حدوث العالم، قال: أخبرت فأوجزت، وقلت فأحسنت، وقد علمت أنا لا نقبل إلا ما أدركناه بأبصارنا، أو سمعناه بآذاننا، أو شممناه بمناخرنا أو ذقناه بأفواهنا أو لمسناه بأكفنا أو تصور في القلوب بيانا أو استنبطه الرويات إيقانا، قال أبو عبد الله: ذكرت الحواس الخمس وهي لا تنفع شيئا بغير دليل كما لا يقطع الظلمة بغير مصباح .
إثبات حدوث العالم
2 - حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله عنه، قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن العباس بن عمرو الفقيمي، عن هشام بن الحكم أن ابن أبي العوجاء دخل على الصادق عليه السلام فقال له: يا ابن أبي العوجاء أمصنوع أنت أم غير مصنوع؟! فقال: لا، لست بمصنوع، فقال له الصادق عليه السلام: فلو كنت مصنوعا كيف كنت تكون فلم يحر ابن أبي العوجاء جوابا، وقام وخرج.
3 - حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطار (ره) قال: حدثنا سعد بن عبد الله، قال: حدثنا إبراهيم بن هاشم، عن علي بن معبد، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام، أنه دخل عليه رجل فقال له: يا ابن رسول الله ما الدليل على حدث العالم؟ قال: أنت لم تكن ثم كنت، وقد علمت أنك لم تكون نفسك ولا كونك من هو مثلم.
4 - حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن محمد بن حماد، عن الحسن بن إبراهيم عن يونس بن عبد الرحمن، عن يونس بن يعقوب، قال: قال لي علي بن منصور: قال لي هشام بن الحكم: كان زنديق بمصر يبلغه عن أبي عبد الله عليه السلام علم فخرج إلى المدينة ليناظره فلم يصادفه بها، فقيل له: هو بمكة فخرج الزنديق إلى مكة، ونحن مع أبي عبد الله عليه السلام، فقاربنا الزنديق ونحن مع أبي عبد الله عليه السلام في الطواف فضرب كتفه كتف أبي عبد الله عليه السلام، فقال له أبو عبد الله جعفر عليه السلام: ما اسمك؟ قال: اسمي عبد الملك، قال: فما كنيتك؟ قال: أبو عبد الله، قال: فمن الملك الذي أنت له عبد، أمن ملوك السماء أم من ملوك الأرض؟! وأخبرني عن ابنك أعبد إله السماء؟ أم عبد إله الأرض؟! فسكت، فقال أبو عبد الله عليه السلام: قل ما شئت تخصم، قال هشام بن الحكم: قلت للزنديق: أما ترد عليه؟! فقبح قولي، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: إذا فرغت من الطواف فأتنا، فلما فرغ أبو عبد الله عليه السلام أتاه الزنديق، فقعد بين يديه، ونحن مجتمعون عنده، فقال للزنديق: أتعلم أن للأرض تحتا وفوقا؟! قال: نعم، قال: فدخلت تحتها؟! قال: لا، قال: فما يدريك بما تحتها؟! قال: لا أدري إلا أني أظن أن ليس تحتها شئ، قال أبو عبد الله عليه السلام: فالظن عجز ما لم تستيقن، قال أبو عبد الله عليه السلام: فصعدت السماء؟! قال: لا، قال: فتدري ما فيها؟! قال: لا، قال: فأتيت المشرق والمغرب فنظرت ما خلفهما؟! قال: لا، قال: فعجبا لك، لم تبلغ المشرق ولم تبلغ المغرب ولم تنزل تحت الأرض ولم تصعد السماء ولم تخبر هنالك فتعرف ما خلفهن وأنت جاحد ما فيهن، وهل يجحد العاقل ما لا يعرف؟! فقال الزنديق: ما كلمني بهذا أحد غيرك، قال أبو عبد الله عليه السلام: فأنت في شك من ذلك، فلعل هو أو لعل ليس هو، قال الزنديق: ولعل ذاك، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أيها الرجل ليس لمن لا يعلم حجة على من يعلم، فلا حجة للجاهل على العالم، يا أخا أهل مصر تفهم عني، فإنا لا نشك في الله أبدا، أما ترى الشمس والقمر والليل والنهار يلجان ولا يشتبهان، يذهبان و يرجعان، قد اضطرا، ليس لهما مكان إلا مكانها، فإن كانا يقدران على أن يذهبا فلا يرجعان فلم يرجعان؟! وإن لم يكونا مضطرين فلم لا يصير الليل نهارا و النهار ليلا، اضطرا والله يا أخا أهل مصر إلى دوامهما، والذي اضطرهما أحكم منهما وأكبر منهما، قال الزنديق: صدقت. ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: يا أخا أهل مصر! الذي تذهبون إليه وتظنونه بالوهم فإن كان الدهر يذهب بهم لم لا يردهم، وإن كان يردهم لم لا يذهب بهم، القوم مضطرون، يا أخا أهل مصر السماء مرفوعة والأرض موضوعة، لم لا تسقط السماء على الأرض، ولم لا تنحدر الأرض فوق طاقتها؟ فلا يتماسكان ولا يتماسك من عليهما، فقال الزنديق: أمسكهما والله ربهما وسيدهما فآمن الزنديق على يدي أبي عبد الله عليه السلام فقال له حمران بن أعين: جعلت فداك إن آمنت الزنادقة على يديك فقد آمنت الكفار على يدي أبيك، فقال المؤمن الذي آمن على يدي أبي عبد الله عليه السلام: اجعلني من تلامذتك، فقال أبو عبد الله عليه السلام لهشام بن الحكم: خذه إليك فعلمه، فعلمه هشام، فكان معلم أهل مصر وأهل الشام، وحسنت طهارته حتى رضي بها أبو عبد الله عليه السلام.
5 - حدثنا أبي ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمهما الله، قالا: حدثنا أحمد بن إدريس، ومحمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسين، عن علي بن يعقوب الهاشمي، عن مروان بن مسلم، قال: دخل ابن أبي العوجاء على أبي عبد الله عليه السلام فقال: أليس تزعم أن الله خالق كل شئ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: بلى، فقال: أنا أخلق، فقال عليه السلام له: كيف تخلق؟! فقال: أحدث في الموضع ثم ألبث عنه فيصير دواب، فأكون أنا الذي خلقتها، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أليس خالق الشئ يعرف كم خلقه؟ قال: بلى، قال: فتعرف الذكر منها من الأنثى، وتعرف كم عمرها؟! فسكت.
6 - حدثنا علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق رحمه الله قال: حدثنا محمد بن يعقوب الكليني بإسناده رفع الحديث أن ابن أبي العوجاء حين كلمه أبو عبد الله عليه السلام عاد إليه في اليوم الثاني فجلس وهو ساكت لا ينطق، فقال أبو عبد الله عليه السلام: كأنك جئت تعيد بعض ما كنا فيه، فقال: أردت ذاك يا ابن رسول الله فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما أعجب هذا، تنكر الله وتشهد أني ابن رسول الله، فقال: العادة تحملني على ذلك، فقال له العالم عليه السلام: فما يمنعك من الكلام؟ قال: إجلالا لك ومهابة ما ينطلق لساني بين يديك فإني شاهدت العلماء وناظرت المتكلمين فما تداخلني هيبة قط مثل ما تداخلني من هيبتك، قال: يكون ذلك، ولكن أفتح عليك بسؤال وأقبل عليه، فقال له: أمصنوع أنت أم غير مصنوع؟! فقال عبد الكريم بن أبي العوجاء أنا غير مصنوع، فقال له العالم عليه السلام: فصف لي لو كنت مصنوعا كيف كنت تكون فبقي عبد الكريم مليا لا يحير جوابا، وولع بخشبة كانت بين يديه وهو يقول: طويل عريض عميق قصير متحرك ساكن، كل ذلك صفة خلقه فقال له العالم عليه السلام: فإن كنت لم تعلم صفة الصنعة غيرها فاجعل نفسك مصنوعا لما تجد في نفسك مما يحدث من هذه الأمور، فقال له عبد الكريم: سألتني عن مسألة لم يسألني أحد عنها قبلك ولا يسألني أحد بعدك عن مثلها، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: هبك علمت أنك لم تسأل فيما مضى فما علمك أنك لا تسأل فيما بعد، على أنك يا عبد الكريم نقضت قولك لأنك تزعم أن الأشياء من الأول سواء فكيف قدمت وأخرت . ثم قال: يا عبد الكريم أزيدك وضوحا أرأيت لو كان معك كيس فيه جواهر فقال لك قائل: هل في الكيس دينار؟ فنفيت كون الدينار في الكيس، فقال لك قائل: صف لي الدينار وكنت غير عالم بصفته، هل كان لك أن تنفي كون الدينار في الكيس وأنت لا تعلم؟ قال: لا، فقال أبو عبد الله عليه السلام: فالعالم أكبر و أطول وأعرض من الكيس، فلعل في العالم صنعة لا تعلم صفة الصنعة من غير الصنعة فانقطع عبد الكريم، وأجاب إلى الإسلام بعض أصحابه، وبقي معه بعض. فعاد في اليوم الثالث فقال: أقلب السؤال؟ فقال له أبو عبد الله عليه السلام: سل عما شئت، فقال: ما الدليل على حدث الأجسام؟ فقال: إني ما وجدت شيئا صغيرا ولا كبيرا إلا إذا ضم إليه مثله صار أكبر، وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الأولى ولو كان قديما ما زال ولا حال لأن الذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل، فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث، وفي كونه في الأولى (*) دخوله في العدم، ولن يجتمع صفة الأزل والعدم في شئ واحد فقال عبد الكريم: هبك علمت في جري الحالتين والزمانين على ما ذكرت واستدللت على حدوثها، فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدل على حدوثها؟ فقال العالم عليه السلام: إنما نتكلم على هذا العالم الموضوع، فلو رفعناه ووضعنا عالما أخر كان لا شئ أدل على الحدث من رفعنا إياه ووضعنا غيره ولكن أجيبك من حيث قدرت أنك تلزمنا، ونقول: إن الأشياء لو دامت على صغرها لكان في الوهم أنه متى ما ضم شئ منه إلى مثله كان أكبر، وفي جواز التغير عليه خروجه من القدم كما بان في تغيره دخوله في الحدث، ليس لك وراءه شئ يا عبد الكريم، فانقطع وخزي. فلما كان من العام القابل التقى معه في الحرم، فقال له بعض شيعته: إن ابن أبي العوجاء قد أسلم، فقال العالم عليه السلام: هو أعمى من ذلك لا يسلم، فلما بصر بالعالم عليه السلام قال: سيدي ومولاي، فقال له العالم عليه السلام: ما جاء بك إلى هذا الموضع؟ فقال: عادة الجسد وسنة البلد ولنبصر ما الناس فيه من الجنون والحلق ورمي الحجارة، فقال العالم عليه السلام: أنت بعد على عتوك وضلالك يا عبد الكريم، فذهب يتكلم، فقال له: لا جدال في الحج ونفض رداءه من يده، وقال: إن يكن الأمر كما تقول - وليس كما تقول - نجونا ونجوت، وإن يكن الأمر كما نقول - و هو كما نقول - نجونا وهلكت، فأقبل عبد الكريم على من معه فقال: وجدت في قلبي حزازة فردوني، فردوه ومات لا رحمه الله. قال مصنف هذا الكتاب رحمه الله: من الدليل على حدث الأجسام أنا وجدنا أنفسنا وسائر الأجسام لا تنفك مما يحدث من الزيادة والنقصان وتجري عليها من الصنعة والتدبير ويعتورها من الصور والهيئات، وقد علمنا ضرورة أنا لم نصنعها ولا من هو من جنسنا وفي مثل حالنا صنعها، وليس يجوز في عقل، ولا يتصور في وهم أن يكون ما لم ينفك من الحوادث ولم يسبقها قديما، ولا أن توجد هذه الأشياء على ما نشاهدها عليه من التدبير ونعاينه فيها من اختلاف التقدير، لا من صانع، أو تحدث لا بمدبر، ولو جاز أن يكون العالم بما فيه من إتقان الصنعة وتعلق بعضه ببعض وحاجة بعضه إلى بعض، لا بصانع صنعه، ويحدث لا بموجد أوجده لكان ما هو دونه من الإحكام والاتقان أحق بالجواز وأولى بالتصور والامكان، وكان يجوز على هذا الوضع وجود كتابة لا كاتب لها، ودار مبنية لا باني لها، وصورة محكمة لا مصور لها، ولا يكمن في القياس أن تأتلف سفينة على أحكم نظم وتجتمع على أتقن صنع لا بصانع صنعها، أو جامع جمعها، فلما كان ركوب هذا وإجازته خروجا عن النهاية والعقول كان الأول مثله، بل غير ما ذكرناه في العالم وما فيه من ذكر أفلاكه واختلاف أوقاته وشمسه وقمره وطلوعهما وغروبهما ومجئ برده وقيظه في أوقاتهما واختلاف ثماره وتنوع أشجاره ومجئ ما يحتاج إليه منها في إبانه ووقته أشد مكابرة وأوضح معاندة. وهذا واضح والحمد لله. وسألت بعض أهل التوحيد والمعرفة عن الدليل على حدث الأجسام، فقال: الدليل على حدث الأجسام أنها لا تخلو في وجودها من كون وجودها مضمن بوجوده، والكون هو المحاذاة في مكان دون مكان، ومتى وجد الجسم في محاذاة دون محاذاة مع جواز وجوده في محاذاة أخرى علم أنه لم يكن في تلك المحاذاة المخصوصة إلا لمعنى، وذلك المعنى محدث، فالجسم إذا محدث إذ لا ينفك من المحدث ولا يتقدمه. ومن الدليل على أن الله تبارك وتعالى ليس بجسم أنه لا جسم إلا وله شبه إما موجود أو موهوم، وما له شبه من جهة من الجهات فمحدث بما دل على حدوث الأجسام، فلما كان الله عز وجل قديما ثبت أنه ليس بجسم. وشئ آخر: وهو أن قول القائل جسم سمة في حقيقة اللغة لما كان طويلا عريضا ذا أجزاء وأبعاض محتملا للزيادة فإن كان القائل يقول: إن الله عز وجل جسم، يحقق هذا القول و يوفيه معناه لزمه أن يثبته سبحانه بجميع هذه الحقائق والصفات، ولزمه أن يكون حادثا بما به يثبت حدوث الأجسام أو تكون الأجسام قديمة، وإن لم يرجع منه إلا إلى التسمية فقط كان واضعا للاسم في غير موضعه، وكان كمن سمى الله عز وجل إنسانا ولحما ودما، ثم لم يثبت معناها وجعل خلافه إيانا على الاسم دون المعنى، وأسماء الله تبارك وتعالى لا تؤخذ إلا عنه أو عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو عن الأئمة الهداة عليهم السلام.
7 - حدثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدثنا الحسن بن علي السكري قال: حدثنا محمد بن زكريا، عن جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين عليهم السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن للجسم ستة أحوال: الصحة والمرض والموت و الحياة والنوم واليقظة، وكذلك الروح فحياتها علمها، وموتها جهلها، ومرضها شكها، وصحتها يقينها، ونومها غفلتها، ويقظتها حفظها، ومن الدليل على أن الأجسام محدثة أن الأجسام لا تخلو من أن تكون مجتمعة أو مفترقة، ومتحركة أو ساكنة، والاجتماع والافتراق والحركة والسكون محدثة، فعلمنا أن الجسم محدث لحدوث ما لا ينفك منه ولا يتقدمه. فإن قال قائل: ولم قلتم: إن الاجتماع والافتراق مبنيان وكذلك الحركة والسكون حتى زعمتم أن الجسم لا يخلو منهما؟ قيل له: الدليل على ذلك أنا نجد الجسم يجتمع بعد أن كان مفترقا، وقد كان يجوز أن يبقى مفترقا، فلو لم يكن قد حدث معنى كان لا يكون بأن يصير مجتمعا أولى من أن يبقى مفترقا على ما كان عليه، لأنه لم يحدث نفسه في هذا الوقت فيكون بحدوث نفسه ما صار مجتمعا ولا بطلت في هذا الوقت فيكون لبطلانها، ولا يجوز أن يكون لبطلان معنى ما صار مجتمعا، ألا ترى أنه لو كان أنما يصير مجتمعا لبطلان معنى ومفترقا لبطلان معنى لوجب أن يصير مجتمعا ومفترقا في حالة واحدة لبطلان المعنيين جميعا وأن يكون كل شئ خلا من أن يكون فيه معنى مجتمعا مفترقا، حتى كان يجب أن يكون الأعراض مجتمعة متفرقة لأنها قد خلت من المعاني وقد تبين بطلان ذلك، وفي بطلان ذلك دليل على أنه إنما كان مجتمعا لحدوث معنى و متفرقا لحدوث معنى، وكذلك القول في الحركة والسكون وسائر الأعراض. فإن قال قائل: فإذا قلتم: إن المجتمع إنما يصير مجتمعا لوجود الاجتماع ومفترقا لوجود الافتراق فما أنكرتم من أن يصير مجتمعا مفترقا لوجودهما فيه كما ألزمتم ذلك من يقول: إن المجتمع إنما يصير مجتمعا لانتفاء الافتراق و مفترقا لانتفاء الاجتماع، قيل له: إن الاجتماع والافتراق هما ضدان والأضداد تنضاد في الوجود فليس يجوز وجودهما في حال لتضادهما، وليس هذا حكمهما في النفي لأنه لا ينكر انتفاء الأضداد في حالة واحدة كما ينكر وجودها، فلهذا ما قلنا إن الجسم لو كان مجتمعا لانتفاء الافتراق ومفترقا لانتفاء الاجتماع لوجب أن يصير مجتمعا مفترقا لانتفائهما، ألا ترى أنه قد ينتفي عن الأحمر السواد والبياض مع تضادهما وأنه لا يجوز وجودهما واجتماعهما في حال واحدة، فثبت أن انتفاء الأضداد لا ينكر في حالة واحدة كما ينكر وجودها، وأيضا فإن القائل بهذا القول قد أثبت الاجتماع والافتراق والحركة والسكون وأوجب أن لا يجوز خلو الجسم منها لأنه إذا خلا منها يجب أن يكون مجتمعا مفترقا ومتحركا ساكنا إذ كان لخلوه منها ما يوصف بهذا الحكم، وإذا كان ذلك كذلك، وكان الجسم لم يخل من هذه الحوادث يجب أن يكون محدثا، ويدل على ذلك أيضا أن الإنسان قد يؤمر بالاجتماع والافتراق والحركة والسكون ويفعل ذلك ويحمد به ويشكر عليه ويذم عليه إذا كان قبيحا، وقد علمنا أنه لا يجوز أن يؤمر بالجسم ولا أن ينهى عنه ولا أن يمدح من أجله ولا يذم له، فواجب أن يكون الذي أمر به ونهي عنه واستحق من أجله المدح والذم غير الذي لا يجوز أن يؤمر به، ولا أن ينهى عنه، ولا أن يستحق به المدح والذم، فوجب بذلك إثبات الأعراض. فإن قال: فلم قلتم: إن الجسم لا يخلو من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون ولم أنكرتم أن يكون قد خلا فيما لم يزل من ذلك؟ فلا يدل ذلك على حدوثه. قيل له: لو جاز أن يكون قد خلا فيما مضى من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون لجاز أن يخلو منها الآن ونحن نشاهده، فلما لم يجز أن يوجد أجسام غير مجتمعة ولا مفترقة علمنا أنها لم تخل فيما مضى. فإن قال: ولم أنكرتم أن يكون قد خلا من ذلك فيما مضى وإن كان لا يجوز أن يخلو الآن منه؟ قيل له: إن الأزمنة والأمكنة لا تؤثران في هذه الباب، ألا ترى لو كان قائل قال: كنت أخلو من ذلك عام أول أو منذ عشرين سنة وإن ذلك سيمكنني بعد هذا الوقت أو يمكنني بالشأم دون العراق أو بالعراق دون الحجاز لكان عند أهل العقل مخبلا جاهلا، والمصدق له جاهل، فعلمنا أن الأزمنة و الأمكنة لا تؤثران في ذلك، وإذا لم يكن لها حكم ولا تأثير في هذا الباب فواجب أن يكون حكم الجسم فيما مضى وفيما يستقبل حكمه الآن، وإذا كان لا يجوز أن يخلو الجسم في هذا الوقت من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون علمنا أنه لم يخل من ذلك قط، وأنه لو خلا من ذلك فيما مضى كان لا ينكر أن يبقى على ما كان عليه إلى هذا الوقت، فكان لو أخبرنا مخبر عن بعض البلدان الغائبة أن فيها أجساما غير مجتمعة ولا مفترقة ولا متحركة ولا ساكنة أن نشك في ذلك ولا نأمن أن يكون صادقا، وفي بطلان ذلك دليل على بطلان هذا القول، وأيضا فإن من أثبت الأجسام غير مجتمعة ولا مفترقة فقد أثبتها غير متقاربة بعضها عن بعض، ولا متباعدة بعضها عن بعض، وهذه صفة لا تعقل لأن الجسمين لا بد من أن يكون بينهما مسافة وبعد، أو لا يكون بينهما مسافة ولا بعد ولا سبيل إلى ثالث، فلو كان بينهما مسافة وبعد لكانا مفترقين ولو كان لا مسافة بينهما ولا بعد لوجب أن يكونا مجتمعين لأن هذا هو حد الاجتماع والافتراق، وإذا كان ذلك كذلك فمن أثبت الأجسام غير مجتمعة ولا مفترقة فقد أثبتها على صفة لا تعقل، ومن خرج بقوله عن المعقول كان مبطلا. فإن قال قائل: ولم قلتم: إن الأعراض محدثة ولم أنكرتم أن تكون قديمة مع الجسم لم تزل؟ قيل له: لأنا وجدنا المجتمع إذا فرق بطل منه الاجتماع وحدث له الافتراق، وكذلك المفترق إذا جمع بطل منه الافتراق وحدث له الاجتماع والقديم هو قديم لنفسه ولا يجوز عليه الحدوث والبطلان، فثبت أن الاجتماع والافتراق محدثان، وكذلك القول في سائر الأعراض، ألا ترى أنها تبطل بأضدادها ثم تحدث بعد ذلك، وما جاز عليه الحدوث والبطلان لا يكون إلا محدثا، وأيضا فإن الموجود القديم الذي لم يزل لا يحتاج في وجوده إلى موجد، فيعلم أن الوجود أولى به من العدم لأنه لو لم يكن الوجود أولى به من العدم لم يوجد إلا بموجد، وإذا كان ذلك كذلك علمنا أن القديم لا يجوز عليه البطلان إذا كان الوجود أولى به من العدم، وأن ما جاز عليه أن يبطل لا يكون قديما. فإن قال: ولم قلتم: إن ما لم يتقدم المحدث يجب أن يكون محدثا؟ قيل له: لأن المحدث هو ما كان بعد أن لم يكن، والقديم هو الموجود لم يزل، و الموجود لم يزل يجب أن يكون متقدما لما قد كان بعد أن لم يكن، وما لم يتقدم المحدث فحظه في الوجود حظ المحدث لأنه ليس له من التقدم إلا ما للمحدث، وإذا كان ذلك كذلك وكان المحدث بما له من الحظ في الوجود والتقدم لا يكون قديما بل يكون محدثا، فذلك ما شاركه في علته وساواه في الوجود ولم يتقدمه فواجب أن يكون محدثا. فإن قال: أوليس الجسم لا يخلو من الأعراض ولا يجب أن يكون عرضا فما أنكرتم أن لا يخلو من الحوادث ولا يجب أن يكون محدثا؟ قيل له: إن وصفنا العرض بأنه عرض ليس هو من صفات التقدم والتأخر، إنما هو إخبار عن أجناسها والجسم إذا لم يتقدمها فليس يجب أن يصير من جنسها، فلهذا لا يجب أن يكون الجسم وإن لم يتقدم الأعراض عرضا إذا لم يشاركها فيما له كانت الأعراض أعراضا، ووصفنا القديم بأنه قديم هو إخبار عن تقدمه ووجوده لا إلى أول، ووصفنا المحدث بأنه محدث هو إخبار عن كونه إلى غاية ونهاية وابتداء و أول، وإذا كان ذلك كذلك فما لم يتقدمه من الأجسام فواجب أن يكون موجودا إلى غاية ونهاية، لأنه لا يجوز أن يكون الموجود لا إلى أول لم يتقدم الموجود إلى أول وابتداء، وإذا كان ذلك كذلك فقد شارك المحدث فيما كان له محدثا و هو وجوده إلى غاية، فلذلك وجب أن يكون محدثا لوجوده إلى غاية ونهاية، و كذلك الجواب في سائر ما تسأل في هذا الباب من هذه المسألة. فإن قال قائل: فإذا ثبت أن الجسم محدث فما الدليل على أن له محدثا؟ قيل له: لأنا وجدنا الحوادث كلها متعلقة بالمحدث. فإن قال: ولم قلتم: إن المحدثات إنما كانت متعلقة بالمحدث من حيث كانت محدثة؟ قيل: لأنها لو لم تكن محدثة لم تحتج إلى محدث، ألا ترى أنها لو كانت موجودة غير محدثة أو كانت معدومة لم يجز أن تكون متعلقة بالمحدث، وإذا كان ذلك كذلك فقد ثبت أن تعلقها بالمحدث إنما هو من حيث كانت محدثة، فوجب أن يكون حكم كل محدث حكمها في أنه يجب أن يكون له محدث، وهذه أدلة أهل التوحيد الموافقة للكتاب والآثار الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام. باب * (حديث ذعلب) *