وَ عَاشَ عَوْفُ بْنُ كِنَانَةَ الْكَلْبِيُّ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ جَمَعَ بَنِيهِ فَأَوْصَاهُمْ وَ هُوَ عَوْفُ بْنُ كِنَانَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُذْرَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَوْرِ بْنِ كَلْبٍ فَقَالَ يَا بَنِيَّ احْفَظُوا وَصِيَّتِي فَإِنَّكُمْ إِنْ حَفِظْتُمُوهَا سُدْتُمْ قَوْمَكُمْ مِنْ بَعْدِي إِلَهَكُمْ فَاتَّقُوهُ وَ لَا تَحْزَنُوا وَ لَا تَخُونُوا وَ لَا تُثِيرُوا السِّبَاعَ مِنْ مَرَابِضِهَا فَتَنْدَمُوا وَ جَاوِزُوا النَّاسَ بِالْكَفِّ عَنْ مَسَاوِئِهِمْ فَتَسْلَمُوا وَ تَصْلُحُوا وَ عِفُّوا عَنِ الطَّلَبِ إِلَيْهِمْ وَ لَا تَسْتَقِلُّوا وَ الْزَمُوا الصَّمْتَ إِلَّا مِنْ حَقٍّ تُحْمَدُوا وَ ابْذُلُوا لَهُمُ الْمَحَبَّةَ تَسْلَمْ لَكُمُ الصُّدُورُ وَ لَا تُحَرِّمُوهُمُ الْمَنَافِعَ فَيَظْهَرُوا الشَّكَاةَ وَ تَكُونُوا مِنْهُمْ فِي سِتْرٍ يُنْعَمْ بَالُكُمْ وَ لَا تُكْثِرُوا مُجَالَسَتَهُمْ فَيَسْتَخِفَّ بِكُمْ وَ إِذَا نَزَلَتْ بِكُمْ مُعْضِلَةٌ فَاصْبِرُوا لَهَا وَ الْبَسُوا لِلدَّهْرِ أَثْوَابَهُ فَإِنَّ لِسَانَ الصِّدْقِ مَعَ الْمَسْكَنَةِ خَيْرٌ مِنْ سُوءِ الذِّكْرِ مَعَ الْمَيْسَرَةِ وَ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الْمَذَلَّةِ لِمَنْ تَذَلَّلَ لَكُمْ فَإِنَّ أَقْرَبَ الْوَسَائِلِ الْمَوَدَّةُ وَ إِنْ أَتْعَبَتِ النَّشَبُ الْبِغْضَةَ وَ عَلَيْكُمْ بِالْوَفَاءِ وَ تَنَكَّبُوا الْعُذْرَ يَأْمَنْ سَرْبُكُمْ وَ أَصِيخُوا لِلْعَدْلِ وَ أَحْيُوا الْحَسَبَ بِتَرْكِ الْكَذِبِ فَإِنَّ آفَةَ الْمُرُوءَةِ الْكَذِبُ وَ الْخُلْفُ لَا تُعْلِمُوا النَّاسَ إِقْتَارَكُمْ فَتَهُونُوا عَلَيْهِمْ وَ تَخْمُلُوا وَ إِيَّاكُمْ وَ الْغُرْبَةَ فَإِنَّهَا ذِلَّةٌ وَ لَا تَضَعُوا الْكَرَائِمَ إِلَّا عِنْدَ الْأَكْفَاءِ وَ ابْتَغُوا لِأَنْفُسِكُمُ الْمَعَالِيَ وَ لَا يَخْتَلِجَنَّكُمْ جَمَالُ النِّسَاءِ عَنِ الصِّحَّةِ فَإِنَّ نِكَاحَ الْكَرَائِمِ مَدَارِجُ الشَّرَفِ وَ اخْضَعُوا لِقَوْمِكُمْ وَ لَا تَبْغُوا عَلَيْهِمْ لِتَنَالُوا الْمَنَافِسَ وَ لَا تُخَالِفُوهُمْ فِيمَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَإِنَّ الْخِلَافَ يُزْرِي بِالرَّئِيسِ الْمُطَاعِ وَ لْيَكُنْ مَعْرُوفُكُمْ لِغَيْرِ قَوْمِكُمْ مِنْ بَعْدِهِمْ وَ لَا تُوحِشُوا أَفْنِيَتَكُمْ مِنْ أَهْلِهَا فَإِنَّ إِيحَاشَهَا إِخْمَادُ النَّارِ وَ دَفْعُ الْحُقُوقِ وَ ارْفُضُوا النَّائِمَ بَيْنَكُمْ تَسْلَمُوا وَ كُونُوا أَعْوَاناً عِنْدَ الْمُلِمَّاتِ تَغْلِبُوا وَ احْذَرُوا النَّجْعَةَ إِلَّا فِي مَنْفَعَةٍ لَا تُصَابُوا وَ أَكْرِمُوا الْجَارَ يَخْصِبْ جَنَابُكُمْ وَ آثِرُوا حَقَّ الضَّعِيفِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَ الْزَمُوا مَعَ السُّفَهَاءِ الْحِلْمَ تَقِلَّ هُمُومُكُمْ وَ إِيَّاكُمْ وَ الْفُرْقَةَ فَإِنَّهَا ذِلَّةٌ وَ لَا تُكَلِّفُوا أَنْفُسَكُمْ فَوْقَ طَاقَتِهَا إِلَّا الْمُضْطَرَّ فَإِنَّكُمْ لن [أَنْ] تُلَامُوا عِنْدَ اتِّضَاحِ الْعُذْرِ وَ بِكُمْ قُوَّةٌ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَعَاوَنُوا فِي الِاضْطِرَارِ مِنْكُمْ إِلَيْهِمْ بِالْمَعْذِرَةِ وَ جِدُّوا وَ لَا تُفْرِطُوا فَإِنَّ الْجِدَّ مَانِعُ الضَّيْمِ وَ لْتَكُنْ كَلِمَتُكُمْ وَاحِدَةً تَعِزُّوا وَ يُرْهَفْ حَدُّكُمْ وَ لَا تَبْذُلُوا الْوُجُوهَ لِغَيْرِ مُكْرِمِيهَا فَتُكْلِحُوهَا وَ لَا تَجَشَّمُوهَا أَهْلَ الدَّنَاءَةِ فَتَقْصُرُوا بِهَا وَ لَا تَحَاسَدُوا فَتَبُورُوا وَ اجْتَنِبُوا الْبُخْلَ فَإِنَّهُ دَاءٌ وَ ابْنُوا الْمَعَالِيَ بِالْجُودِ وَ الْأَدَبِ وَ مُصَافَاةِ أَهْلِ الْفَضْلِ وَ الْحِبَاءِ وَ ابْتَاعُوا الْمَحَبَّةَ بِالْبَذْلِ وَ وَقِّرُوا أَهْلَ الْفَضْلِ وَ خُذُوا عَنْ أَهْلِ التَّجَارِبِ وَ لَا يَمْنَعْكُمْ مِنْ مَعْرُوفٍ صِغَرُهُ فَإِنَّ لَهُ ثَوَاباً وَ لَا تُحَقِّرُوا الرِّجَالَ فَتَزْدَرُوا فَإِنَّمَا الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ ذَكَاءِ قَلْبِهِ وَ لِسَانٍ يُعَبِّرُ عَنْهُ وَ إِذَا خُوِّفْتُمْ دَاهِيَةً فَعَلَيْكُمْ بِالتَّثَبُّتِ قَبْلَ الْعَجَلَةِ وَ الْتَمِسُوا بِالتَّوَدُّدِ الْمَنْزِلَةَ عِنْدَ الْمُلُوكِ فَإِنَّهُمْ مَنْ وَضَعُوهُ اتَّضَعَ وَ مَنْ رَفَعُوهُ ارْتَفَعَ وَ تَنَبَّلُوا تَسْمُ إِلَيْكُمُ الْأَبْصَارُ وَ تَوَاضَعُوا بِالْوَقَارِ لِيُحِبَّكُمْ ربُّكُمْ ثُمَّ قَالَ-
وَ مَا كُلُّ ذِي لُبٍّ بِمُؤْتِيكَ نُصْحَهُ
وَ لَا كُلُّ مُؤْتٍ نُصْحَهُ بِلَبِيبٍ
وَ لَكِنْ إِذَا مَا اسْتَجْمَعَا عِنْدَ وَاحِدٍ
فَحَقٌّ لَهُ مِنْ طَاعَةٍ بِنَصِيبٍ