حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الرحمن المقري، قال: حدثنا أبو عمرو محمد بن جعفر المقري الجرجاني، قال،: حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن الموصلي ببغداد، قال: حدثنا محمد ابن عاصم الطريفي، قال: حدثنا عباس بن يزيد بن الحسن الكحال مولى زيد بن علي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين عليهم السلام، قال: الامام منا لا يكون إلا معصوما وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها ولذلك لا يكون إلا منصوصا. فقيل له: يا ابن رسول الله فما معنى المعصوم؟ فقال: هو المعتصم بحبل الله ، وحبل الله هو القرآن لا يفترقان إلى يوم القيامة، والامام يهدي إلى القرآن والقرآن يهدي إلى الامام، وذلك قول الله عز وجل: " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ".
معنى عصمة الإمام
حدثنا علي بن الفضل بن العباس البغدادي - بالري - المعروف بأبي الحسن الحنوطي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن [أحمد بن] سليمان بن الحارث، قال: حدثنا محمد بن علي بن خلف العطار، قال: حدثنا حسين الأشقر، قال: قلت لهشام بن الحكم: ما معنى قولكم: " إن الامام لا يكون إلا معصوما "؟ فقال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك فقال: المعصوم هو الممتنع بالله من جميع محارم الله، وقال الله تبارك وتعالى: " ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم ".
حدثنا محمد بن علي ماجيلويه - رحمه الله - قال حدثنا علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، قال: ما سمعت ولا استفدت من هشام بن الحكم في طول صحبتي له شيئا أحسن من هذا الكلام في صفة عصمة الامام فإني سألته يوما عن الامام أهو معصوم؟ فقال: نعم. فقلت: فما صفة العصمة فيه؟ وبأي شئ تعرف؟ فقال: إن جميع الذنوب لها أربعة أوجه ولا خامس لها: الحرص، والحسد، والغضب، والشهوة فهذه منفية عنه لا يجوز أن يكون حريصا على هذه الدنيا وهي تحت خاتمه لأنه خازن المسلمين، فعلى ماذا يحرص؟ ولا يجوز أن يكون حسودا لان الانسان إنما يحسد من فوقه وليس فوقه أحد، فكيف يحسد من هو دونه؟ ولا يجوز أن يغضب لشئ من أمور الدنيا إلا أن يكون غضبه لله عز وجل، فإن الله عز وجل قد فرض عليه إقامة الحدود وأن لا تأخذه في الله لومة لائم ولا رأفة في دينه حتى يقيم حدود الله عز وجل، ولا يجوز له أن يتبع الشهوات ويؤثر الدنيا على الآخرة لان الله عز وجل حبب إليه الآخرة كما حبب إلينا الدنيا فهو ينظر إلى الآخرة كما ننظر إلى الدنيا فهل رأيت أحدا ترك وجها حسنا لوجه قبيح وطعاما طيبا لطعام مر وثوبا لينا لثوب خشن ونعمة دائمة باقية لدنيا زائلة فانية.
قال أبو جعفر مصنف هذا الكتاب: الدليل على عصمة الامام أنه لما كان كل كلام ينقل عن قائله يحتمل وجوها من التأويل وكان أكثر القرآن والسنة مما أجمعت الفرق على أنه صحيح لم يغير ولم يبدل ولم يزد فيه ولم ينقص منه محتملا لوجوه كثيرة من التأويل وجب أن يكون مع ذلك مخبر صادق معصوم من تعمد الكذب والغلط، منبئ عما عنى الله ورسوله في الكتاب والسنة على حق ذلك وصدقه، لان الخلق مختلفون في التأويل، كل فرقة تميل مع القرآن والسنة إلى مذهبها، فلو كان الله تبارك وتعالى تركهم بهذه الصفة من غير مخبر عن كتابه صادق فيه لكان قد سوغهم الاختلاف في الدين ودعاهم إليه إذ أنزل كتابا يحتمل التأويل وسن نبيه صلى الله عليه وآله سنة يحتمل التأويل وأمرهم بالعمل بهما، فكأنه قال: تأولوا واعملوا. وفي ذلك إباحة العمل بالمتناقضات والاعتماد للحق وخلافه. فلما استحال ذلك على الله عز وجل وجب أن يكون مع القرآن والسنة في كل عصر من يبين عن المعاني التي عناها الله عز وجل في القرآن بكلامه دون ما يحتمله ألفاظ القرآن من التأويل ويبين عن المعاني التي عناها رسول الله صلى الله عليه وآله في سننه وأخباره دون التأويل الذي يحتمله ألفاظ الاخبار المروية عنه عليه السلام المجمع على صحة نقلها، وإذا وجب أنه لا بد من مخبر صادق وجب أن لا يجوز عليه الكذب تعمدا ولا الغلط فيما يخبر به عن مراد الله عز وجل في كتابه وعن مراد رسول الله صلى الله عليه وآله في أخباره وسننه، و إذا وجب ذلك وجب أنه معصوم. ومما يؤكد هذا الدليل أنه لا يجوز عند مخالفينا أن يكون الله عز وجل أنزل القرآنعلى أهل عصر النبي صلى عليه وآله ولا نبي فيهم ويتعبدهم بالعمل بما فيه على حقه و صدقه فإذا لم يجز أن ينزل القرآن على قوم ولا ناطق به ولا معبر عنه ولا مفسر لما استعجم منه ولا مبين لوجهه فكذلك لا يجوز أن نتعبد نحن به إلا ومعه من يقوم فينا مقام النبي صلى الله عليه وآله في قومه وأهل عصره في التبيين لناسخه ومنسوخه وخاصه وعامه، و المعاني التي عناها الله عز وجل بكلامه، دون ما يحتمله التأويل، كما كان النبي صلى الله عليه وآله مبينا لذلك كله لأهل عصره ولا بد من ذلك ما لزموا العقول والدين. فإن قال قائل: إن المودي إلينا ما نحتاج إلى علمه من متشابه القرآن ومن معانيه التي عناها الله دون ما يحتمله ألفاظه هو الأمة. أكذبه اختلاف الأمة وشهادتها بأجمعها على أنفسها في كثير من آي القرآن لجهلهم بمعناه الذي عناه الله عز وجل، وفي ذلك بيان أن الأمة ليست هي المؤدية عن الله عز وجل ببيان القرآن، وأنها ليست تقوم في ذلك مقام النبي صلى الله عليه وآله. فإن تجاسر متجاسر فقال: قد كان يجوز أن ينزل القرآن على أهل عصر النبي صلى الله عليه وآله ولا يكون معه نبي ويتعبدهم بما فيه مع احتماله للتأويل. قيل له: فهب ذلك كان قد وقع من الخلاف في معانيه ما قد وقع في هذا الوقت ما الذي كانوا يصنعون؟ فإن قال: ما قد صنعوا الساعة. قيل: الذي فعلوه الساعة أخذ كل فرقة من الأمة جانبا من التأويل وعمله عليه وتضليل الفرقة المخالفة لها في ذلك وشهادتها عليها بأنها ليست على الحق. فإن قال: إنه كان يجوز أن يكون أول الاسلام كذلك وإن ذلك حكمة من الله و عدل فيهم. ركب خطأ عظيما وما لا أرى أحدا من الخلق يقدم عليه، فيقال له عند ذلك:فحدثنا إذا تهيأ للعرب الفصحاء أهل اللغة أن يتأولوا القرآن ويعمل كل واحد منهم بما يتأوله على اللغة العربية فكيف يصنع من لا يعرف اللغة من الناس؟ وكيف يصنع العجم من الترك والفرس؟ وإلى أي شئ يرجعون في علم ما فرض الله عليهم في كتابه؟ و من أي الفرق يقبلون مع اختلاف الفرق في التأويل وإباحتك كل فرقة أن تعمل بتأويلها فلا بد لك من أن تجري العجم ومن لا يفهم اللغة مجرى أصحاب اللغة من أن لهم أن يتبعوا أي الفرق شاؤوا. و [إلا] إن ألزمت من لا يفهم اللغة اتباع بعض الفرق دون بعض لزمك أنت تجعل الحق كله في تلك الفرقة دون غيرها، فإن جعلت الحق في فرقة دون فرقة نقضت ما بنيت عليه كلامك واحتجت إلى أن يكون مع تلك الفرقة علم وحجة تبين بها من غيرها وليس هذا من قولك لو جعلت الفرق كلها متساوية في الحق مع تناقض تأويلاتها فيلزمك أيضا أن تجعل للعجم ومن لا يفهم اللغة أن يتبعوا أي الفرق شاؤوا، وإذا فعلت ذلك لزمك في هذا الوقت أن لا تلزم أحدا من مخالفيك من الشيعة والخوارج وأصحاب التأويلات وجميع من خالفك ممن له فرقة ومن مبتدع لا فرقة له على مخالفيك ذما ، وهذا نقض الاسلام والخروج من الاجماع، ويقال لك: وما ينكر على هذا الاعطاء أن يتعبد الله عز وجل الخلق بما في كتاب مطبق لا يمكن أحدا أن يقرأ ما فيه ويأمر أن يبحثوا ويرتادوا ويعمل كل فرقة بما ترى أنه في الكتاب. فإن أجزت ذلك أجزت على الله عز وجل العبث لان ذلك صفة العابث، ويلزمك أن تجيز على كل من نظر بعقله في شئ واستحسن أمرا من الدين أن يعتقده لأنه سواء أباحهم أن يعملوا في أصول الحلال و الحرام وفروعها بآرائهم [أ] وأباحهم أن ينظروا بعقولهم في أصول الدين كله وفروعه من توحيده وغيره وأن يعملوا أيضا بما استحسنوه وكان عندهم حقا فإن أجزت ذلك أجزت على الله عز وجل أن يبيح الخلق أن يشهدوا عليه أنه ثاني اثنين، وأن يعتقدوا الدهر، وجحدوا البارئ جل وعز. وهذا آخر ما في هذا الكلام لان من أجاز أن يتعبدنا الله عز وجل بالكتاب على احتمال التأويل ولا مخبر صادق لنا عن معانيه لزمه أن يجيز على أهل عصر النبي صلى الله عليه وآله مثل ذلك وإذا أجاز مثل ذلك لزمه أن يبيح الله عز وجل كل فرقة العمل بما رأت وتأولت لأنه لا يكون لهم غير ذلك إذا لم يكن معهم حجة في أن هذا التأويل أصح من هذا التأويل، وإذا أباح ذلك أباح متبعهم ممن لا يعرف اللغة وإذا أباح أولئك أيضا لزمه أن يبيحنا في هذا العصر، وإذا أباحنا ذلك في الكتاب لزمه أن يبيحنا ذلك في أصول الحلال والحرام ومقائس العقول وذلك خروج من الدين كله، وإذا وجب بما قدمنا ذكره أنه لا بد من مترجم عن القرآن وأخبار النبي صلى الله عليه وآله وجب أن يكون معصوما ليجب القبول منه، فإذا وجب أن يكون معصوما بطل أن يكون هو الأمة لما بينا من اختلافاتها في تأويل القرآن والاخبار وتنازعها في ذلك ومن إكفار بعضها بعضا، وإذا ثبت ذلك وجب أن المعصوم هو الواحد الذي ذكرناه وهو الامام. وقد دللنا على أن الامام لا يكون إلا معصوما وأرينا أنه إذا وجبت العصمة في الامام لم يكن بد من أن ينص النبي صلى الله عليه وآله عليه لان العصمة ليست في ظاهر الخلقة فيعرفها الخلق بالمشاهدة فواجب أن ينص عليها علام الغيوب تبارك وتعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وذلك لان الامام لا يكون إلا منصوصا عليه. وقد صح لنا النص بما بيناه من الحجج وبما رويناه من الأخبار الصحيحة.