أبو ذرّ ... الذي لا يخاف

الأمالي|المجلّد 1|الكتاب 20|الباب 4

الأمالي

الكتاب 20, الباب 4

أبو ذرّ ... الذي لا يخاف
حديث واحد
الحديث 1

4 - قال: أخبرني أبو الحسن علي بن بلال المهلبي قال: أخبرني علي بن عبد الله الإصفهاني قال: حدثني إبراهيم بن محمد الثقفي قال: حدثني محمد بن علي قال: حدثنا الحسين بن سفيان، عن أبيه، عن أبي جهضم الأزدي ، عن أبيه قال: لما أخرج عثمان أبا ذر الغفاري رحمه الله من المدينة إلى الشام كان يقوم في كل يوم، فيعظ الناس، ويأمرهم بالتمسك بطاعة الله، ويحذرهم من ارتكاب معاصيه، ويروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما سمعه منه في فضائل أهل بيته عليه وعليهم السلام، ويحضهم على التمسك بعترته. فكتب معاوية إلى عثمان: أما بعد فإن أبا ذر يصبح إذا أصبح، ويمسي إذا أمسى وجماعة من الناس كثيرة عنده فيقول كيت وكيت، فإن كان لك حاجة في الناس قبلي فأقدم أبا ذر إليك، فإني أخاف أن يفسد الناس عليك، والسلام . فكتب إليه عثمان: أما بعد فأشخص إلي أبا ذر حين تنظر في كتابي هذا، والسلام. فبعث معاوية إلى أبي ذر فدعاه، وأقرأه كتاب عثمان، وقال له: النجا الساعة. فخرج أبو ذر إلى راحلته، فشدها بكورها، وأنساعها ، فاجتمع إليه الناس فقالوا له: يا أبا ذر رحمك الله أين تريد؟ قال: أخرجوني إليكم غضبا علي، وأخرجوني منكم إليهم الآن عبثا بي، ولا يزال هذا الأمر فيما أرى شأنهم فيما بيني وبينهم حتى يستريح بر، أو يستراح من فاجر، ومضى. وسمع الناس بمخرجه فأتبعوه حتى خرج من دمشق، فساروا معه حتى انتهى إلى دير مران ، فنزل، ونزل معه الناس، فاستقدم فصلى بهم، ثم قال: أيها الناس إني موصيكم بما ينفعكم، وتارك الخطب والتشقيق ، احمدوا الله عز وجل، قالوا الحمد لله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فأجابوه بمثل ما قال، فقال: أشهد أن البعث حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأقر بما جاء من عند الله، فاشهدوا علي بذلك، قالوا: نحن على ذلك من الشاهدين. قال: ليبشر من مات منكم على هذه الخصال برحمة الله وكرامته ما لم يكن للمجرمين ظهيرا، ولا لأعمال الظلمة مصلحا، ولا لهم معينا. أيها الناس أجمعوا مع صلاتكم وصومكم غضبا لله عز وجل إذا عصي في الأرض، ولا ترضوا أئمتكم بسخط الله، وإن أحدثوا ما لا تعرفون فجانبوهم، وأزروا عليهم وإن عذبتم وحرمتم وسيرتم حتى يرضى الله عز وجل، فإن الله أعلا وأجل لا ينبغي أن يسخط برضى المخلوقين، غفر الله لي ولكم، أستودعكم الله، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله. فناداه الناس أن سلم الله عليك ورحمك يا أبا ذر، يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ألا نردك إن كان هؤلاء القوم أخرجوك، ألا نمنعك ؟ فقال لهم: ارجعوا رحمكم الله فإني أصبر منكم على البلوى، وإياكم والفرقة والاختلاف. فمضى حتى قدم على عثمان، فلما دخل عليه قال له: لا قرب الله بعمرو عينا ، فقال أبو ذر: والله ما سماني أبواي عمرا ولكن لا قرب الله من عصاه، وخالف أمره، وارتكب هواه. فقام إليه كعب الأحبار فقال له: ألا تتقي الله يا شيخ تجيب أمير المؤمنين بهذا الكلام؟! فرفع أبو ذر عصى كانت في يده فضرب بها رأس كعب، ثم قال له: يا ابن اليهوديين ما كلامك مع المسلمين؟ فوالله ما خرجت اليهودية من قلبك بعد . فقال عثمان: والله لا جمعتني وإياك دار، قد خرفت، وذهب عقلك، أخرجوه من بين يدي حتى تركبوه قتب ناقته بغير وطاء، ثم أنخسوا به الناقة وتعتعوه حتى توصلوه الربذة، فنزلوه بها من غير أنيس حتى يقضي الله فيه ما هو قاض، فأخرجوه متعتعا ملهوزا بالعصي . وتقدم أن لا يشيعه أحد من الناس، فبلغ ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فبكى حتى بل لحيته بدموعه، ثم قال: أهكذا يصنع بصاحب رسول الله صلى الله عليه وآله؟! إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم نهض ومعه الحسن والحسين عليهما السلام، وعبد الله بن العباس، والفضل، وقثم، وعبيد الله حتى لحقوا أبا ذر، فشيعوه. فلما بصر بهم أبو ذر رحمه الله حن إليهم، وبكى عليهم، وقال: بأبي وجوه إذا رأيتها ذكرت بها رسول الله صلى الله عليه وآله وشملتني البركة برؤيتها. ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إني أحبهم، ولو قطعت إربا إربا في محبتهم ما زلت عنها ابتغاء وجهك والدار الآخرة، فارجعوا رحمكم الله، والله أسأل أن يخلفني فيكم أحسن الخلافة. فودعه القوم ورجعوا وهم يبكون على فراقه.